مساء يوم الأحد 29 نوفمبر، عقد القادة الأوروبيون مع المسؤولين الأتراك اجتماعًا ببروكسيل بهدف مواجهة اللاجئين، تمخض عن الاجتماع اتفاقًا مبدئيًّا مثيرًا للجدل، بيد أن أنقرة رحبت به بابتهاج، حتى أن رئيس الوزراء التركي وصفه “باليوم التاريخي”.

(1) ما مفاد هذا الاتفاق؟

وقع مساء الأحد المسؤولون الأوروبيون ونظراؤهم الأتراك على ثلاث وثائق، بموجبها سيمنح الاتحاد الأوروبي 3,2 مليار دولار لتركيا كدعم مالي لتوفير فرص العمل والتعليم لفائدة اللاجئين السوريين مقابل قيام أنقرة بإجراءات واضحة من شأنها الحد من وصول المهاجرين إلى حدود أوروبا.

مما يعني أن تركيا ستشدد الخناق على شبكات تهريب المهاجرين السريين، وشبكات تزوير جوازات السفر، كما ستزيد من مراقبتها لسواحلها الشمالية منعًا لتسلل اللاجئين نحو اليونان، وبالمقابل ستحصل تركيا على منحة أزيد 3 مليار دولار لتوفير مناخ أفضل لمليوني لاجئ سوري في محاولة لثنيهم عن الهجرة، كما سيتم إعادة اللاجئين الجدد الذين قد يصلون اليونان إلى تركيا.

يقضي الاتفاق أيضًا برفع التأشيرة عن المواطنين التركيين لدخول منطقة الاتحاد الأوروبي، وهكذا يستطيع 75 مليون تركي من الآن فصاعدًا التنقل بحرية إلى أوروبا، سواء بهدف العمل أو الدراسة أو حتى الاستثمار والسياحة.

يتضمن الاتفاق كذلك وعدًا من قبل المسؤولين الأوروبيين بفتح ملف دخول تركيا إلى مجموعة الاتحاد الأوروبي، وكانت المفاوضات بين الطرفين حول هذا الملف مجمدة منذ سنوات.

(2) ما سياق هذا الاتفاق؟

جاء الاتفاق الأوروبي التركي الأخير حول أزمة اللاجئين، في خضم هجرة جماعية فجائية لم تعرفها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تسببت الحرب الأهلية المستعرة في سوريا بنزوح ملايين السوريين خارج حدود بلدهم، خصوصًا بتركيا ولبنان والأردن، وبسبب الأوضاع اللاإنسانية في المخيمات هناك، قرر الكثير منهم التوجه نحو أوروبا، بالعبور إلى تركيا ثم الإبحار إلى اليونان وبعدها الوصول إلى بلدان أوروبية مختلفة.

تابع شرحًا مبسطًا لأزمة اللجوء عبر هذا الفيديو:

في البداية لاقى اللاجئون السوريون الترحاب في معظم البلدان الأوروبية التي استقبلتهم، حيث وجدوا شروطًا أفضل للعيش والأمان، تجلت في منح الدولة المضيفة كل لاجئ مسكنًا ومرتبًا شهريًّا وفتحت أمامه الخدمات التعليمية والطبية مجانًا، بالإضافة إلى الإقامة والعمل وحق لم الشمل.

وهكذا أصبح حلم الهجرة إلى أوروبا أملًا واقعيًّا يستحق المخاطرة، ما شجع الكثير على الهجرة، فتوالت أفواج اللاجئين السوريين والعراقيين بمئات الآلاف نحو ألمانيا والسويد والنرويج وبلدان أخرى، والتحق بهم أيضًا الآلاف من المواطنين الأفغان والإيرانيين والأفارقة والباكستانيين والألبان، وأيضًا من مواطني شمال إفريقيا وبعض دول الشرق الأوسط.

أمام هذا الوضع بدا كما لو أن أوروبا أصبحت الملاذ الوحيد للاجئين والمهاجرين وستواجه الطوفان وحدها، خصوصًا مع ضعف شروط العيش بالمخيمات اللبنانية والأردنية والتركية، ورفض بلدان الخليج استقبال أي لاجئ، وتخوف الولايات المتحدة الأمريكية من استقبال عدد كبير منهم، وكذا لا مبالاة دول آسيا بالأزمة، أضف إلى ذلك استبعاد انتهاء الصراع في سوريا قريبًا حتى لو سقط أحد الطرفين المتحاربين (النظام والمعارضة)، مما يعني تبعًا لكل ذلك أن موجة الهجرة ستظل مستمرة نحو حدود الاتحاد الأوروبي.

وأمام ضغط المنظمات الدولية والأوروبية على دول الاتحاد الأوروبي ومطالبتها باحترام حقوق الإنسان، وعدم انتهاك حقوق اللاجئين كما هو منصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، ومن ناحية أخرى الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومات التي اتجهت للتوسع في استقبال اللاجئين، وربط الأمر بتزايد معدلات العنف في أوروبا كان من الضروري وضع خطة بالشراكة مع تركيا حيث نقطة انطلاق المهاجرين لاستيعاب أزمة اللجوء، بحيث تضمن بلدان الاتحاد النظام على حدوده وفي نفس الوقت تجنب مسؤوليتها في رعاية أعداد ضخمة من النازحين قد لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها الحقوقية اتجاههم، بسبب العبء الاقتصادي الكبير من جهة، وتزايد انزعاج الرأي العام الأوروبي من التدفق المتضخم للمهاجرين من جهة أخرى.

(3) هل سيكون الاتفاق بوابة تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

لم تكن تركيا لتضيع الفرصة، فما كان منها سوى أن استعملت ورقة اللاجئين التي تؤرق الاتحاد الأوروبي لمقايضته بامتيازات تخدم مصالحها، كانت أبرزها حصول مواطنيها على تأشيرة الشنغن.

لكن ما كان يهم أنقرة أكثر هو دخولها مجموعة الاتحاد الأوروبي، وهو ما عثر المفاوضات الماراثونية قبل الوصول إلى هذا الاتفاق المبدئي، وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يسفر عن تأكيد دخول تركيا لنادي الاتحاد، إلا أنها حصلت على وعد بإحياء عاجل للمفاوضات من جديد في هذا الملف.

تعود رغبة تركيا للانضمام إلى كتلة الاتحاد الأوروبي إلى سنة 1999، وطوال سنوات لم تنجح تركيا في إقناع المسؤولين الأوروبيين بقبول طلبها إلى أن جمدت تمامًا المحادثات في هذا الصدد سنة 2007، بيد أن ملف اللاجئين كان الرقم الرابح الذي سيفتح لها الطريق لدخول حدود منطقة الشنغن.

يحدد القانون التنظيمي الخاص بدخول الاتحاد الأوروبي مجموعة من الشروط تستوجب الالتزام والموافقة على رزمة من الاتفاقيات من قبل البلدان المرشحة للانضمام إليه، يحددها 35 فصلًا، معظمها قبلت به أنقرة سابقًا قبل فتح الملف من جديد، إلا أن الفصل 23 و24 دائمًا ما يكون العائق الأكبر في مفاوضات قبول تركيا كعضو بالاتحاد، المادتان تهمان احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة، وقد قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونك في هذا السياق: “إن الاتفاق لن يؤدي بنا إلى نسيان التباينات المستمرة مع تركيا حول حقوق الإنسان أو حرية الصحافة، سنعود إلى هذه الأمور”.

وقد أعلن مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنهم سيدرسون قريبًا مع تركيا الفصل 17 المرتبط بالسياسة المالية والدبلوماسية.

من جهة أخرى لا يخفي بعض الأعضاء في الاتحاد، خاصة فرنسا، قلقهم من انضمام بلد به أكثر من 70 مليون يدين بديانة تختلف عن ما يعتنقه معظم سكان أوروبا، وإن كان القانون التنظيمي للتكتل الأوروبي يقوم على أساس علماني وليس دينيًّا، إلا أنهم يشككون في علمانية أنقرة، وعلى الطرف المقابل تبدو ألمانيا وإيطاليا متحمستين الآن لانضمام تركيا.

(4) كيف كانت ردود الصحافة الأوروبية؟

خلفت القمة الاستثنائية بين تركيا والاتحاد الأوروبي ببروكسيل للحد من أزمة اللاجئين جدلًا واسعًا لدى الرأي العام والصحف الأوروبية، بين من يعتبر تركيا حليفًا ضروريًّا لأوروبا للتغلب على هذه الأزمة، وبين من يشكك في إمكانية نجاح الإجراءات المتمخضة عن الاتفاق في حل المشكلة، ورأي آخر يرى أن تركيا هي الرابح الأكبر في كل هذا اللغط.

الصحيفة الألمانية “تاغس شبيغل” علقت على القمة بأن الشراكة المتميزة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي منذ أعوام “سيصبح لها أبعاد جديدة تمامًا بعد الاتفاق الأخير”.

أما “تاغس أنتسايغر” السويسرية فوصفت الاتفاق بين تركيا والاتحاد بـ”الصفقة الغامضة” معلقة على الأمر: “الأوروبيون كان بإمكانهم من خلال تقديم وعود ملموسة دحض الانطباع السيئ المتولد حاليًا بأنهم يريدون من خلال المليارات التخلص من عبء اللاجئين”.

وبالنسبة لصحيفة “دي بريسه” النمساوية فقد كتبت في عددها أمس: “الاتحاد الأوروبي يحتاج كثيرًا إلى دعم أنقرة، وذلك بسبب أن أعضاءه قدموا صورة من الانقسام المثيرة للشفقة في أزمة اللاجئين”، ما يجعل “أوروبا المثقلة بالأعباء تطلب المساعدة من تركيا متجاهلة بذلك نظام القيم الأوروبي”.

“لا ستامبا” الإيطالية بدورها تساءلت: “كيف يمكن اليوم، دون فقدان المصداقية، استيعاب تركيا، التي ليست مسلمة فقط وإنما إسلامية أيضًا. تركيا، التي تتعرض فيها حرية التعبير وحرية الصحافة للقمع وتتسم سياستها الإقليمية بكثير من الغموض، بما في ذلك موقفها من التطرف الجهادي؟”.

صحيفة “داغنز نيهيتر” الليبرالية السويدية رأت أن أردوغان يطالب بـ”تنازلات سياسية مستغلًا حاجة أوروبا للمساعدة”.

وأخيرًا “لوفيكاغو” الفرنسية قللت من فرص دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، وقالت عن ذلك: “إنه ما يزال الطريق شاقًا أمام أنقرة أمام الانتكاسات الحقوقية التي تسجلها”.

(5) هل سيوقف الاتفاق اللاجئين السوريين؟!

قدم الاتحاد الأوروبي لتركيا بمقتضى الاتفاق امتيازات ما كان ليمنحها لولا الحاجة الماسة لمساعدة أنقرة في الحد من موجة الهجرة التي تباغت حدوده، ورغم ذلك فلا يضمن أحد أن إجراءات الاتفاق ستحل المشكلة.

من شأن المراقبة المشددة للأجهزة الأمنية على الحدود التركية أن تقلص عبور المهاجرين السريين، ومن شأن الثلاثة مليارات التي قدمها الاتحاد الأوروبي أن تحسن وضع اللاجئين في حال استثمرتها أنقرة بشكل جيد، لكنه من المستبعد إيقاف موجة النازحين نحو حدود أوروبا بشكل تام وفق مراقبين، حيث الكثير منهم لا يرضى العيش إلا في دول أوروبية بعينها، لما قد يحظى به من فرص مقارنة ببقائه في تركيا أو بمخيمات اللاجئين في لبنان والأردن.

وقد أثار الاتفاق نوعًا من القلق بين السوريين، ما يجعل العديد منهم يتجنبون البصم للحصول على بطاقة “إقامة حرب” للبقاء في تركيا، إذا يعني ذلك إنهاء حلمهم بدخول أوروبا، وتجنبًا للأمر يسعى الميسورون السوريون للحصول على “إقامة سياحية” التي تتطلب مبالغ طائلة تجنبًا لذلك.

وبخلاف ما يروج، فالاتفاق لا ينص على إغلاق حدود الاتحاد الأوروبي أمام اللاجئين، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية التزامها باستضافة 500 ألف من اللاجئين الجدد السوريين، سيتم نقلهم بالطائرات من تركيا وتوزيعهم بين البلدان الأوروبية وفق نظام الحصص المتفق عليه بين أعضاء الكتلة الأوروبية، بدون أن تكون للاجئ إمكانية اختيار البلد الأوروبي المرغوب.

من المرتقب أن يبتكر المهاجرون وسائل وطرقًا جديدة للعبور نحو أوروبا، كمحاولة للالتفاف على الإجراءات التي أتى بها الاتفاق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد