ما الصورة التي ستظل راسخة أكثر في عقول المصريين لمبارك بعد رحيله؛ هل لقب «رجل الحرب والسلام»، الذي استخدمته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عنوان تغطيتها لخبر وفاته، أم وصمة «المستبد المصري الذي أزاحته انتفاضة شعبية» التي رأتها صحيفة وول ستريت جورنال أنسب في مقام تشييعه إلى مثواه الأخير؟

مثلما اختلف المراقبون في الخارج والمصريون في الداخل حول تقييم فترة حكم مبارك في حياته، فإنهم اليوم أكثر اختلافًا حول إرثه بعد وفاته؛ لذلك ستنحي السطور التالية الانطباعات الشخصية جانبًا، وتستند بدلًا من ذلك إلى الإحصائيات الاقتصادية، والمؤشرات الدولية، واستطلاعات الرأي الشعبية والوثائق المسربة، وآراء المؤرخين والمحللين في مصر وخارجها، في محاولةٍ لتقديم تقييم موضوعي قدر الإمكان للإرث التي تركه مبارك للمصريين. 

سيعود التقرير إلى البدايات، ليرصد ما حدث لـ«النواة الأساسية لنهضة مصر الصناعية» في عهد مبارك، وكيف أثرت سياسته «الاقتصادية النيوليبرالية» في العقد الاجتماعي في مصر. وإذا كانت حكومة مبارك ما فتئت تتفاخر بالنمو الاقتصادي، فلا بد من البحث عن الجزء الآخر من المعادلة: مستوى رخاء المواطنين في مصر، مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن منظور الفرص المتكافئة، من كان المستفيد الأكبر في «دولة مبارك»؟ وكيف نقرأ ارتفاع الناتج المحلي خلال عهده في ظل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم؟ وكيف كان حجم الفساد في آخر عهده مقارنة بدول المنطقة والعالم؟

وبتحديد موقع مصر على خارطة التنافسية الدولية، هل يمكن القول إن الثورة حقًّا كانت أكثر ضررًا من مبارك؟ وأي الصورتين ستترسخ في أذهان المصريين عن مبارك: «أب سخيّ» أم «حارس سجن»؟ وهو السؤال الذي يقودنا إلى تتبع وضع مصر في ظل قانون الطوارئ الذي صحب مبارك من بداية رئاسته وصولًا إلى عزله؟ وهل كان المصريون راضين عن مستوى الخدمات التي تقدمها دولة مبارك؟ قبل أن نختم بالملف الذي ربما يكون أكثر أهمية لمستقبل مصر: ماذا فعل مبارك بأمن مصر المائي في 30 عامًا؟

ماذا قالت الصحف العالمية عن مبارك بعد وفاته؟

ماذا حدث لـ«النواة الأساسية لنهضة مصر الصناعية» في عهد مبارك؟

استلم مبارك مصر وهي تمتلك ما يمكن تسميه «نواة أساسية لنهضة صناعية»، إذ تراوح معدل نمو الصناعة في السنوات الخمس الأخيرة من عهد السادات بين 5.5% و7.9% سنويًّا، بينما تفاوت أداء الصناعة في عهد مبارك من فترة لأخرى، ففي السنوات العشر الأولى من حكمه «1981- 1990» كان أداء الصناعة قريبًا مما كان في عصر السادات، ولكنه تدهور بشدة في الخمسة عشر عامًا التالية، فأصبح معدل نمو الصناعة التحويلية في النصف الأول من التسعينيات نحو نصف معدله في النصف الثاني من الثمانينيات «5% و10% على التوالي» ثم استمر التدهور بعد ذلك حتى تراوح هذا المعدل بين 3% و4% في السنوات الأخيرة. 

لم يقف الأمر عند ضعف النمو الصناعي، إذ شهدت الخمس عشرة سنة الأخيرة من عهد مبارك اتجاهًا متسارعًا لبيع المصانع، ورغم أن الحديث عن الخصخصة بدأ على استحياء في السبعينيات، فإنها لم تبدأ بجدية إلا في التسعينيات حين زادت ضغوط صندوق النقد الدولي والإدارة الأمريكية بعد توقيع مصر لاتفاقية مع الصندوق في مايو (أيار) 1991، ومع البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991. 

«ورأى صندوق النقد والإدارة الأمريكية، في سنة 2004، أن الخصخصة لا بد أن تسير بسرعة أكبر بكثير؛ فجلبا إلى الحكم حكومة من نوع جديد، أبرز وزرائها من أكبر المتحمسين لبيع القطاع العام»، كما يذكر جلال أمين، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في كتابه «قصة الاقتصاد المصري.. من عهد محمد علي إلى عهد مبارك».

سياسة مبارك الاقتصادية النيوليبرالية.. كيف أثرت في العقد الاجتماعي؟

في بداية فترة مبارك كانت مصر تعاني من وضع اقتصادي سيئ، وورث مبارك مشكلات اقتصادية متراكمة بالفعل، وعلى سبيل المثال، بلغ حجم الدين الخارجي مع وفاة السادات نحو 14.3 مليار دولار، فنظم مبارك مؤتمرًا اقتصاديًّا كبيرًا في فبراير (شباط) 1982، لتحديد من أين وكيف تبدأ مسيرة التنمية في مصر، وجرى الاتفاق فيه على اتباع استراتيجية طموحة من خلال خطط خمسية للتنمية بدأت الخطة الخمسية الأولى منها عام 1982، حسبما ورد في الدراسة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان‎ «النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية.. سياسات التنمية وفرص العمل: دراسات قُطرية».

 وكانت الخلاصة التي توصل إليها المؤتمر في بيانه الختامي هي: العودة للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وتبديل سياسة الانفتاح بسياسة الإنتاج وترشيد الاستهلاك، غير أن ما حدث خلال فترة مبارك كان عكس التوصيات التي خرج بها المؤتمر؛ إذ اتجه إلى اتباع نهج الاقتصاد «النيوليبرالي» والحرية الاقتصادية المفرطة، والتوجه نحو الخصخصة والاستثمارات الأجنبية المباشرة في كل القطاعات، إضافة إلى تمكين رجال الأعمال على حساب العمال ومحدودي الدخل، كما خلص المؤلف سامر سليمان في كتابه «النظام القوي والدولة الضعيفة.. إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك».

وفي هذا السياق، يقول جلال أمين: إن مبارك «الليبرالي الجديد» سارع في إكمال خطة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها السادات، ويصفها بأنها العملية التي مهدت الطريق لتفكيك العقد الاجتماعي الذي كان مستمرًّا في ظل اقتصاد شديد المركزية خلال فترة جمال عبد الناصر. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الفساد والرشوة أصبحا نمطًا من الحياة اليومية التي حاصرت مصر وأدخلتها في حلقة مفرغة، حيث «ضعف الدولة يشجع الفساد، وانتشار الفساد يضعف الدولة أكثر». 

وفي كتاب «الاقتصاد المصري من تجربة يوليو (1952) إلى نموذج المستقبل»، يقارن الباحث الاقتصادي أحمد السيد النجار بين مصر عام 1952 ومصر قبل خلع مبارك قائلًا: «إن ثورة 1952 وضعت 18 قرشًا حدًّا أدنى للأجر يوميًّا، موضحًا أن المبلغ كان يشتري نحو 1.5 كيلوجرام من اللحم في الريف ونحو 1.2 كيلوجرام من اللحم في المدن، مضيفًا أن العامل – بافتراض أنه يعمل 25 يومًا في الشهر – كان دخله الشهري 34 كيلوجرامًا من اللحم أي أكثر من 2000 جنيه، وفقًا لمعدل الأسعار في آخر أعوام حكم مبارك التي كان الحد الأدنى للأجور يبلغ فيها على أرض الواقع 118 جنيهًا فقط. 

ويخلص الكتاب إلى جملة استنتاجات منها اضمحلال شريحة الطبقة الوسطى التي تضم نخبة المتعلمين في المجتمع، ووقوع الكثير منهم في براثن الفقر والبطالة.

وإذا كان هذا هو حال الحاضر آنذاك، فإن ملف الديون كان يوفر إطلالة مبكرة على آفاق المستقبل؛ إذ اعتمد مبارك سياسة التوسع في الاقتراض الخارجي بمرور السنين، حتى تفاقم الدين الخارجي بشكل كبير ووصل إلى 47.6 مليار دولار مع بداية عام 1990. صحيح أن إرسال مبارك قوات للمشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في حرب الخليج، توِّج بتنازل الدول الخليجية عن جزء كبير من مديونياتها لمصر، ومهد لاتفاق عقدته القاهرة مع البنك الدولي لتخفيض 50% من ديون مصر الخارجية، حتى استقر الدين الخارجي لمصر مع منتصف التسعينيات عند قرابة 27 مليار دولار، لكن بحلول نهاية فترة مبارك، بلغ الدين المحلي 888.7 مليار جنيه، فيما وصل الدين الخارجي إلى 33.6 مليار دولار، وهو ما كان يعادل قيمة الاحتياطي النقدي حينئذٍ، ليصل الدين العام إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي.

نمو اقتصادي بدون رخاء للمواطنين.. كيف كان حال مصر مقارنة بجيرانها؟

على الرغم من أن إجمالي الناتج المحلي في مصر ارتفع بنسبة 5% تقريبًا في عام 2010، بحسب تقرير البنك الدولي، فإن خُمس المصريين الذين شملهم استطلاع جالوب عام 2009 هم فقط من كانوا يعتقدون أن الظروف الاقتصادية تتحسن، مقارنة بمتوسط ​​41% من مواطني الدول المجاورة متوسطة الدخل في المنطقة. 

وفي أواخر عام 2010، كان 9% فقط من المصريين يمكن تصنيفهم في فئة «الازدهار» (استنادا إلى تقييمهم لمستوى معيشتهم الآن وبعد خمس سنوات) مقارنة بـ13% في أوساط مواطني الأراضي الفلسطينية، و11% في اليمن،  وهما دولتان تواجهان مشكلات أكثر صعوبة، ويبلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي فيهما أقل من نصف نظيره مصر، أما النسبة في ليبيا فكانت 14% وفي الأردن 29% وفي الإمارات 79%.

نسبة المواطنين الذين شعروا بـ«الازدهار» في مصر مقارنة باليمن والأراضي الفلسطينية وليبيا والأردن والإمارات (سبتمبر- نوفمبر 2010)- المصدر: جالوب.

مستوى «الرخاء» ونصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في مصر. المصدر: جالوب.

نمو اقتصادي بدون فرص متكافئة.. من المستفيد الأكبر في «دولة مبارك»؟

من مفارقات عهد مبارك أن نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي ارتفع بموازاة تراجع إمكانية وصول المواطنين إلى هذه الثروة الجديدة. على سبيل المثال، قال 20% فقط من المواطنين الذين استطلعت مؤسسة جالوب آراءهم في عام 2010 إن الحكومة سهلت إنهاء الإجراءات والتصاريح بدرجة كافية لرجال الأعمال. 

والرسم البياني التالي يوضح أن ارتفاع إجمالي الناتج المحلي واكبه انخفاض في مستوى الرضا الشعبي؛ نتيجة صعوبة المعاملات الورقية التي تعرقل سير رواد الأعمال، وقلة فرص العمل، والفرص الاقتصادية غير المواتية، وغيرها. 

المصدر: مؤسسة جالوب.

وكان واحد فقط من بين كل خمسة مواطنين يشعر بالرضا عن الجهود التي تبذلها الحكومة لزيادة عدد الوظائف ذات الجودة، كما انخفضت نسبة المقتنعين بأن القيادة المصرية تهتم بالشباب إلى 29% في عام 2010 من 41% في العام الذي سبقه.

ولخصت مجلة فورين بوليسي الأمريكية أحد أهم أخطاء مبارك الاقتصادية في «الفشل في توزيع الثروة توزيعًا عادلًا بين أطياف المجتمع المصري»، فرغم نمو الاقتصاد المصري بشكل عام، فإن معظم المصريين لم يشعروا بفارق كبير في مستوى معيشتهم اليومية، ولم يحصلوا على حصتهم العادلة من ثروات بلادهم الغنية بالموارد الطبيعية، وفي الوقت ذاته باتوا يرون رجال الأعمال المقربين من الحزب الوطني الحاكم يسرقون ثروات البلاد.

وبينما زاد الدخل السنوي لنحو ألفي أسرة عن 35 ألف جنيه مصري، كان دخل أكثر من 4 مليون مصري يقل عن 200 جنيه. ووصل عدد الفقراء في مصر في يناير (كانون الثاني) 2011 إلى 50% وارتفعت النسبة أكثر في محافظات الصعيد، وكان قرابة نصف الشعب المصري يعيشون على دولارين أو أقل في اليوم.

كيف نقرأ ارتفاع الناتج المحلي في ظل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم؟ 

ظلَّت الحكومة المصرية تتفاخر بارتفاع إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية 2010 إلى 5.3%، مقارنًة بـ4.4% في السنة المالية 2009، وكان متوقعًا أن ينمو الاقتصاد المصري بنسبة 6.0 – 6.2% خلال السنة المالية 2011.

نمو إجمالي الناتج المحلي (2007- 2010) مع توضيح نسبة الصادرات والواردات والاستثمار والاستهلاك. المصدر: تقرير البنك الدولي 2010.

لكن ماذا عن انعكاس هذا النمو على واقع سوق العمل في مصر؟ يقول تقرير البنك الدولي الصادر في ذلك العام (2010): إن البطالة ستظل تمثل تحديًا لمصر، وآفاق النمو الذي يصل إلى 6% لن يكاد يستوعب العدد المتزايد من الوافدين الجدد على سوق العمل.

وشهدت مصر خلال عهد مبارك ارتفاعًا كبيرًا في معدلات البطالة، خاصة بين خريجي الجامعات، إذ زادت من 5.1% في بداية حكم مبارك إلى 9.2% بعد عشر سنوات من حكمه وتحديدًا عام 1991، ثم زادت النسبة مرة أخرى إلى 11.7% بعد سبعة أعوام أخرى، أي عام 1998. وارتفعت أكثر في آخر أعوام مبارك، إذ أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب إلى 20.4% في عام 2010.

وارتفاع معدلات البطالة، يعني عدم وجود دخول كافية للإنفاق. ما يحيلنا إلى مؤشر آخر لا تكتمل الصورة بدونه، وهو التضخم، لنجد توقعات البنك الدولي حينذاك تستشرف زيادة ضغوط التضخم، وترجح أن تؤثر الأسعار العالمية في المستهلكين المحليين، بموازاة تعديل تدريجي في أسعار الطاقة، ما يثقل كاهل المصريين الذين لا يجدون أصلًا مورد رزق ثابت يكفي احتياجاتهم.

معدلات التضخم في مصر. المصدر: تقرير البنك الدولي 2010.

حجم الفساد في آخر عهد مبارك مقارنة بدول المنطقة والعالم

اعتمادًا على 13 دراسة استقصائية مستقلة، صنَّف تقرير مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2010 (آخر سنة كاملة حكم فيها مبارك مصر) في المرتبة 98 عالميًا (من بين 178 دولة)، وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حلت مصر في المرتبة 12 (من بين 19 دولة)، بـ3.1 نقطة (10 يعني: دولة خالية تمامًا من الفساد، وصفر يعني: فاسدة تمامًا). 

المصدر: منظمة الشفافية الدولية

مصر على خارطة التنافسية الدولية.. هل كانت الثورة أكثر ضررًا من مبارك؟ 

صنَّف تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2010 مصر في المرتبة 70 من بين 140 دولة. 

معدلات النمو في مصر مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال آخر عقدين من حكم مبارك (1990- 2010). المصدر: تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

معدلات الرسوم في مصر مقارنة بدول المنطقة. المصدر: تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

واقع سوق العمل المصري من حيث مستوى التعليم. المصدر: تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

ومن اللافت أن مصر ظلت تشهد صعودًا مطردًا منذ تنحي مبارك وخلال سنوات الثورة الأولى رغم كل الصعوبات التي واجهتها، إلى المرتبة 81 في عام 2011، ثم إلى المرتبة 94 في عام 2012، ثم إلى المرتبة 107 في عام 2013، بحسب إحصاءات ترايدينج إيكونوميكس. 

المصدر: ترايدينج إيكونوميكس

«أب سخيّ» أم «حارس سجن»؟.. مبارك في عيون المصريين 

استنادًا إلى استطلاعات واسعة النطاق، شملت مقابلات أجريت قبل أشهر من ثورة يناير 2011 وجهًا لوجه مع المواطنين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فصاعدًا، من الذكور والإناث، المتعلمين والأميين، من المناطق الحضرية والريفية في جميع أنحاء مصر، خلُصَ تقرير أعدته مؤسسة جالوب للبحوث الإحصائية، إلى ما يلي:

«أدى نمو الاقتصاد الكلي في مصر إلى زيادة ثروة أقلية صغيرة، لكنه ترك معظم المواطنين المصريين بمعزل عن هذا الازدهار محدود النطاق. وبينما تباهت مصر بأعلى التطلعات الديمقراطية في المنطقة، كانت من بين أقل الدول تطبيقًا للديمقراطية في الممارسة الفعلية».

علوم

منذ سنتين
«متلازمة ستوكهولم».. كيف يفسر علم النفس تعاطف الضحية مع الجاني؟

صحيحٌ أن الكثيرين قد يتسامحون مع عقدٍ اجتماعي يعتمد على فكرة «الدولة الأبوية»، حيث يقبل الناس مستوى أقل من الحرية في مقابل حصولهم على الخدمات الاجتماعية عالية الجودة المقدمة من الدولة، لكن المصريين «لم يحصلوا لا على الحرية ولا على الخدمات». وبموازاة تراجع رضا المصريين عن جرعة الحرية الشخصية الممنوحة لهم، تضاءل رضاهم أيضًا عن الضرورات التي توفرها الدولة. ويشير هذا التراجع المزدوج إلى أن «النظام القديم أصبح في نظر العديد من المصريين أشبه بحارس السجن أكثر من كونه أبًا سخيًّا يفرط في حماية رعيته». 

مصر في ظل «قانون الطوارئ».. رفيق مبارك من البداية إلى العزل

اعتمد مبارك طوال فترة حكمه على قانون الطوارئ (قانون رقم 162 لعام 1958)، وظل يجدد هذا القانون الذي يعطل الحقوق الدستورية، ويفرض رقابة مشددة على المواطنين، ويعطيه فرصه لتضييق مساحة استقلال القضاء، وفقًا لتقارير مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، التي رصدت إطلاق يد جهاز الشرطة وأمن الدولة فى تعذيب المواطنين، وإحالة المخالفين في الرأى لنيابة أمن الدولة العليا طوارئ، ومحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، فضلًا عن إلقاء القبض على آلاف المواطنين وتعذيبهم دون رادع عامًا تلو الآخر. 

لم يقتصر التعذيب على المصريين، بل تورطت مصر في عمليات «الترحيل السري» إذ استجوبت أعدادًا من المسلحين الذين أسرتهم القوات الأمريكية، تحت إشراف عمر سليمان الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة، وفقًا لما صرح به الصحافي رون سوسكيند الحاصل على جائزة بوليتزر، مشيرًا إلى أن الإسلاميين ليسوا وحدهم من تعرضوا لجرائم التعذيب في السجون.

بدأ مركز النديم عملية رصد التعذيب في أقسام الشرطة منذ عام 1993، ووصل العدد منذ ذلك العام حتى عام 2002 لأكثر من 1677 حالة، وفي عام 1997 رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان 57 حالة تعذيب مات منهم 12مصريًّا، كما رصدت تعذيب تسع نساء وتعرض بعضهن للاغتصاب والاحتجاز دون سبب واضح، كما وثقت المنظمة 167 حالة وفاة نتيجة التعذيب حتى 2009.

ووصل عدد المعتقلين السياسيين في منتصف التسعينيات إلى ما يزيد على 30 ألفًا. وخلال العقدين الأخيرين من حكم مبارك، وثقت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان 460 حالة تعذيب، من بينها 125 حالة ماتت تحت التعذيب بين عامي 2000 و2009، فيما تعرض 73 شخصًا للإخفاء القسري ما بين عامي 1992 و2009. 

وفي العشر سنوات الأخيرة، تزايدت حالات التعذيب؛ ففي عام 2002 رصد مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء 1124 حالة تعذيب داخل السجون، وفي الفترة من 2003- 2006 رصد مركز النديم سبع حالات وفاة داخل مقرات أمن الدولة، و47 حالة داخل مناطق الاحتجاز، وبمشاركة أكثر من 245 ضابطًا في التعذيب، ومن بين الضحايا كانت هناك أسر كاملة. فيما أحصت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2007 ما لا يقل عن 53 حالة اختفاء قسري في الفترة من 1992- 2007. 

وعلى مدار عام 2010 آخر أعوام مبارك في الحكم، لا سيما في الأسابيع السابقة على الانتخابات البرلمانية التي جرت في نهاية 2010، استخدمت حكومة مبارك سلطاتها التي يمنحها إياها قانون الطوارئ في محاولة لتأجيل المصير الذي كشفت الأيام عن أنه لا مفر منه. 

وفي فبراير (شباط) 2010 نشر موقع ويكيليكس برقيات دبلوماسية أمريكية تكشف عن أن الشرطة المصرية جمعت ما بين 40 إلى 50 مشتبهًا بهم من أحد الأحياء، وعلقتهم من أذرعهم في السقف لأسابيع حتى يعترف أحدهم، وأشارت برقية أخرى إلى أن السفارة الأمريكية ذكرت أنه ابتداءً من عام 2007 تكاثرت الشكاوى القضائية بخصوص أعمال العنف التي تمارسها أجهزة الشرطة المصرية، وبين 2005 و2010، كانت النتيجة واحدة: «التعذيب الذي تمارسه أجهزة الشرطة متأصل ومعمم». 

وذكرت  برقية أخرى نشرت في عام 2009 أن «منظمات غير حكومية تقدر وقوع مئات الحالات من حوادث التعذيب يوميًّا في مراكز شرطة القاهرة وحدها».

هل كان المصريون راضين عن مستوى الخدمات التي تقدمها دولة مبارك؟

كان أقل من نصف المصريين (48%) في عام 2010 يشعرون بالرضا عن وسائل النقل العام (الحافلات والقطارات)، مقارنة بـ78%  في عام 2009، وكان ثلاثة أرباع المصريين لا يجدون مساكن جيدة بأسعار معقولة، وهي نتيجة متفهمة لزيادة أسعار العقارات بأكثر من 10% في عام 2010، وكان 26% فقط من المصريين راضين عن الجهود الحكومية المبذولة للحفاظ على البيئة. وتراجعت نسبة المواطنين الذين يشعرون بالرضا عن مستويات التعليم الابتدائي والثانوي والإعدادي إلى 56% في عام 2010 من 61% في عام 2009.

المصدر: مؤسسة جالوب.

وتدهورت مستويات الثقة الشعبية في نزاهة الانتخابات إلى مستوى قياسي بلغ 28% في عام 2010، وبموازاة ذلك، انخفض مستوى الرضا عن مستوى الحرية الشخصية الممنوحة للمواطنين بواقع 30 نقطة مئوية، من 77% في عام 2005 إلى 47% في عام 2010.

هكذا اصطدمت طموحات المصريين الديمقراطية بالواقع في أواخر عهد مبارك. المصدر: مؤسسة جالوب.

«ماشربتش من نيلها».. ماذا فعل مبارك بـأمن مصر المائي في 30 عامًا؟

رحل مبارك وترك مصر غارقة في أزمة مياهٍ مزمنة، بعدما تركها تتفاقم طيلة سنوات حكمه، حتى باتت هي التحدي الأكبر الذي يواجه مصر اليوم ومستقبلًا، حسبما كتب جونو إيفانز في صحيفة الجارديان البريطانية بعد أقل من عامٍ على تنحي مبارك، وحينها لم يكن المصريون قد أدركوا بعد مدى ثقل الإرث الذي خلفه لهم رئيسهم المعزول.

صحيحٌ أن هناك عوامل كثيرة تضافرت للوصول بمصر إلى هذه الأزمة، منها النشاط  الصناعي، والزراعة المكثفة، وسوء أساليب الري وتوزيع المياه، ما أثر تأثيرًا مباشرًا في جودة المياه السطحية والجوفية، إلا أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية تتحمل الحكومة المسؤولية المباشرة عنها، حتى في ظل الإجراءات التي اتُّخِذَت داخليًّا لكبح جماح الأزمة، حسبما يرصد تقرير أصدره البنك الدولي في عام 2003. 

ولا تقتصر المسؤولية الحكومية على غياب التنسيق بين القطاعات المائية المختلفة في الدولة، وعدم وجود سياسة واضحة لتوزيع المسؤوليات من القطاعات وصولًا إلى المستوى الوزاري، بل تمتد إلى اغترار  نظام مبارك بهيمنته الإقليمية المدعومة أمريكيًّا، وإهماله الدبلوماسية الناعمة في أفريقيا، وعدم مد جسور المصالح مع دول المنبع، واكتفائه بدلًا من ذلك بالضغط المستمر على جامعة الدول العربية حتى لا تقدم قروضًا إلى إثيوبيا لتطوير مياه النيل، على حد قول جونو إيفانز، الذي يدرس دراسات التنمية في جامعة كامبريدج. 

وعلى جانب آخر كانت إسرائيل متربصة دائمًا لملء الفراغ الذي تخلفه مصر بمجرد انسحابها من أي شبر في ربوع القارة التي اعتبرت لعقود طويلة امتدادًا طبيعيًّا لها، كما يقول المحلل السياسي عبد المنعم حلاوة.  

كان مبارك ولا شك يعلم أن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضم 5% من سكان العالم، لكن لديها أقل من 1% من المياه العذبة المتجددة في العالم، ومصر ليست استثناء، فالمصدر الرئيسي والوحيد تقريبًا للمياه فيها هو: نهر النيل، الذي يمثل 97% من موارد البلاد من المياه العذبة. ويبلغ نصيب المواطن المصري من المياه 985 مترًا مكعبًا تقريبًا في السنة، فيما يتراجع معدل توافر الأراضي المزروعة إلى 0.12 فدان للفرد. 

والنتيجة: أن مصر بعدما كانت تتحدث عن تحويل الصحراء إلى واحة خضراء – حسبما رصد تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست في مارس (آذار) 1999- حتى أصبح هذا الحلم أغنية يترنم بها المغني المصري محمد ثروت، أصبحت تواجه عجزًا سنويًّا في المياه يبلغ حوالي 7 مليارات متر مكعب.

بل تحذر الأمم المتحدة من أن مياه مصر قد تنفد بحلول عام 2025. ومع ارتفاع درجات الحرارة، قد تفقد مصر 30% من إنتاجها الغذائي في المناطق الجنوبية بحلول عام 2040، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد