يتردد منذ آلاف السنين سؤال حول أهرامات قدماء المصريين بمدينة الجيزة المصرية، وهو: كيف شيِّدت هذه الأهرامات بارتفاعها الشاهق؟ وكيف نُقلت الحجارة الضخمة إلى هذا الارتفاع؟

تؤكد التقديرات الحالية للعلوم السائدة أن الأمر استغرق قوة عاملة من 4 آلاف إلى 5 آلاف رجل، ونحو 20 عامًا لبناء الهرم الأكبر باستخدام الحبال والبكرات والمنحدرات والبراعة والقوة، لكن هناك اكتشافًا علميًّا حديثًا نسبيًّا يشك البعض في ارتباطه بكيفية بناء الأهرامات، وهو ما يُعرف بالرفع الصوتي أو السباحة على موجة من الصوت، وهو ما سنتعرف إليه أكثر خلال السطور التالية.

الرفع الصوتي.. أو السباحة على موجة من الصوت

قد تبدو فكرة أن شيئًا غير ملموس يمكنه رفع الأشياء أمرًا لا يُصدق، لكنها ظاهرة حقيقية. إذ يستفيد الرفع الصوتي من خصائص الصوت، لجعل المواد الصلبة والسوائل والغازات الثقيلة تطفو سابحة فوق موجة صوتية. ويمكن أن تتم العملية في الجاذبية العادية أو المنخفضة. بمعنى آخر، يمكن للصوت أن يرفع الأجسام على الأرض أو في الفضاء.

تاريخ

منذ شهر
مهاجرون أم غزاة؟ هذا ما نعرفه عن الهكسوس محتلي مصر القديمة

تُعدُّ تجارب الرفع الصوتي شائعة ومستمرة، وقد تمكَّن بعض الباحثين بالفعل من استخدام الموجات الصوتية لرفع الجزيئات الصغيرة وتحريكها، وكذلك قطرات السوائل؛ مُستخدمين في هذا الألواح الاهتزازية المُتعددة لإنشاء ترددات مختلفة وتحريك المجال الصوتي.

لكن لم يجر استخدام هذه التقنية لرفع الأشياء الثقيلة أو الكبيرة، ولا يعرف العلماء بعد ما إذا كان مثل هذا الأمر ممكنًا أم لا، ولكن النتائج التي توصلوا إليها حتى الآن توحي بأن التحليق الصوتي على نطاق واسع قد يكون ممكنًا يومًا ما.

الأطراف الثلاث: الجاذبية والهواء والصوت

لفهم كيف يحدث الرفع الصوتي، نحتاج إلى معرفة القليل عن الجاذبية والهواء والصوت.

أولًا: الجاذبية، وهي القوة التي تجعل الأشياء تجذب بعضها بعضًا. وأبسط طريقة لفهمها هي من خلال قانون إسحاق نيوتن للجاذبية العامة، الذي ينص على أن كل جسيم في الكون يجذب كل جسيم آخر. كلما زاد حجم الجسم، زادت قوة جذبه للأشياء الأخرى. كلما اقتربت الأشياء، زادت قوة جذبها بعضها لبعض. جسم ضخم، مثل الأرض، يجذب بسهولة الأشياء القريبة منه، مثل التفاح المتدلي من الأشجار.

Embed from Getty Images

ثانيًا: الهواء، ويتكون من مجموعة من الغازات، وهو عبارة عن جزيئات مجهرية دائمة التحرك.

ثالثًا، الصوت، هو اهتزاز ميكانيكي للوسيط، مثل غاز أو سائل أو جسم صلب. فمثلًا: إذا قرعت الجرس، فإن الجرس يهتز في الهواء. عندما يتحرك أحد جانبي الجرس للخارج، فإنه يدفع جزيئات الهواء بجانبه، مما يزيد الضغط في تلك المنطقة من الهواء. هذه المنطقة يُطلق عليها «الضغط»، وعندما يتحرك جانب الجرس للداخل، فإنه يسحب الجزيئات بعيدًا، مما يخلق منطقة ضغط منخفض تسمى «التخلخل». وبتكرار الجرس للعملية، فإنه يخلق سلسلة متكررة من الضغط والتخلخل. كل تكرار هو طول موجي واحد للموجة الصوتية.

تنتقل الموجة الصوتية بتحريك جزيئات الهواء من حولها. بدون حركة الجزيئات هذه، لا يمكن للصوت أن ينتقل، ولهذا لا يوجد صوت في الفراغ. ويستخدم الرفع الصوتي الموجات الصوتية لموازنة قوة الجاذبية. على الأرض، يمكن أن يتسبب ذلك في رفع أو تحليق الأشياء والمواد في الهواء دون دعم. وتعتمد هذه العملية على خصائص الموجات الصوتية، وخاصة الموجات الصوتية الشديدة.

تجارب مختلفة تنجح في رفع كرات البوليسترين بالموجات الصوتية

تتعرض الأجسام الصغيرة عند وضعها في مجال صوتي بقوة مُحددة، لقوة صافية يمكن استخدامها لرفع هذه الأجسام في الهواء. هكذا يمكن تلخيص الدراسات العلمية التي أجراها الباحثون لإحداث تحليق صوتي لكرات البوليسترين الصلبة باستخدام الموجات فوق الصوتية، وهي الموجات الصوتية التي تزيد على تردد السمع البشري.

في تجربتين مختلفتين، نجح العلماء في رفع كرات من البوليسترين خفيف الوزن بواسطة الأطوال الموجية الصوتية، إحدى هذه التجارب، أجراها فريق مشترك من الباحثين في المملكة المتحدة والبرازيل في عام 2016م، وخلالها رُفعت كرة من البوليسترين بقطر 50 مليمترًا، ووصلت لارتفاع عدَّة سنتيمترات عن الأرض، حيث ظلت مُعلقة طوال فترة توليد الموجات الصوتية.

بعد عام واحد فقط، نجحت مجموعة أخرى من الباحثين العاملين في جامعة بريستول البريطانية في رفع كرة من البوليسترين يبلغ قطرها سنتيمترين.

كانت التجربتان خطوات مهمة في طريق استكشاف الرفع الصوتي أكثر، فقد تجاوز الفريق الأول الحدود السابقة لحجم الجسم المرفوع، من خلال محاذاة ثلاثة محولات فوق صوتية، وهي أجهزة تُحول الطاقة الكهربائية إلى طاقة صوتية، وقد خلقت تأثيراتهم المشتركة موجة صوتية ثابتة أبطلت قوة الجاذبية في منطقة محددة.

من ناحية أخرى، أحدث فريق جامعة بريستول الرفع الصوتي بطريقة أخرى، عن طريق دمج محول طاقة فوق صوتي واحد مع عاكس صوت لتصنيع موجة صوتية ثابتة.

نُشرت دراسة ثالثة في مارس (آذار) من هذا العام، استخدم فيها محول طاقة فوق صوتي مع عاكس صوت لرفع جسيمات مُتعددة ليست بالضرورة على خط واحد وبمسافات متبادلة عشوائية، وقد كانت التجارب السابقة لهذه التجربة تقف عند حد رفع الأشياء على طول اتجاه واحد ومسافات تُمثل نصف طول الموجة الصوتية.

تُثبت هذه الدراسات أن الرفع الصوتي من خلال التلاعب بالموجات الصوتية أمر ممكن، وأن هناك أكثر من طريقة لإنجاز المهمة. قد تكشف التجارب المستقبلية عن المزيد من الأساليب لاستخدام الصوت للتغلب على قوة الجاذبية.

هل استُخدم الرفع الصوتي في بناء الأهرامات؟

هل كان لدى قدماء المصريين معرفة علمية متقدمة إلى الحد الذي يُمكِّنهم من استخدام الرفع الصوتي لبناء الأهرامات؟ لطالما اقتُرح الرفع على مدار سنوات طريقة لرفع الحجر الجيري الثقيل والكتل الجرانيتية المستخدمة في بناء الأهرامات.

علوم

منذ شهرين
أكبر من كل المحيطات.. ما قصة المحيط الموجود في باطن الأرض؟

لكن لا توجد روايات مباشرة تؤكد هذا، باستثناء شهادة كتبها أبو الحسن علي المسعودي، وهو مؤرخ عربي من القرن العاشر الميلادي، عن مصر القديمة والأساليب التي زعم أنها استخدمتها لتحريك الأحجار الضخمة، بما في ذلك تلك المُستخدمة في بناء الأهرامات.

وادعى المسعودي أنه كانت تُوضع بردية سحرية مطبوع عليها رموز تحت كل حجر، وبعد ذلك يضرب الحجر بقضيب معدني يؤدي إلى ارتفاع الحجر وتحركه على طول مسار مرصوف بالحجارة ومُسيج من الجانبين بأعمدة معدنية. ويعتقد البعض أنه كان من الممكن استخدام هذه الأقطاب لإنشاء اهتزازات صوتية عالية التردد، ويمكن اعتبار هذه الاهتزازات هي المسؤولة عن رفع الأحجار الضخمة.

إذا صدقنا ما رواه المسعودي بشكل كامل، فما نوع الرفع الصوتي الذي حدث هنا؟ هل تسبب الاصطدام بالصخرة في حدوث اهتزازات أدت إلى حدوث الرفع الصوتي؟ أم أن تصميم الحجارة والقضبان أدى إلى حدوث رفع مغناطيسي؟ (يحدث عندما يعلق جسم ما في الهواء باستخدام المجالات المغناطيسية فقط دون أي دعم آخر). تبقى هذه أسئلة بلا إجابات أكيدة بعد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد