وعلى مدار عقود طويلة كان هناك قانون خاص بعالم المصارعة الحرة الداخلي، مثله مثل كواليس الساحر والتي لا يمكن أن يعرفها المشاهدون، حتى تظل حيلته ممتعة ومثيرة للاهتمام.

ينظر له بعيون ينضح منها الجنون ويتوعد له، راسمًا بإصبعه على رقبته خطًا، دليلًا على رغبته في ذبح منافسه، فيرد عليه الآخر بصرخة مدوية باستعراض متكلف للعضلات ومُطعم ببعض الحركات المسرحية والتي ترمز لكونه قادرًا على رد الصاع صاعين إذا حاول قتله.

هذا المشهد يمكن أن تراه بسهولة في إحدى مباريات المصارعة الحُرة، ومعه خلفية صوتية لأصوات الجماهير المُهللة المتحمسة لهذا النزال المليء بالدراما والاستعراض؛ فقد يظن البعض أن المصارعة الحرة تنطوي على حب العنف فقط والرغبة في مشاهدته، ولكن المصارعة الحرة عالم خاص له قيود ومعايير تحكمه، مثل أي نوع آخر من عروض الترفيه في العالم؛ فالمصارعة الحرة ليس رياضة عنيفة فقط، وإنما عرض ترفيهي له محبوه ومتابعوه منذ عقود.

«ليست تزييفًا.. ولكن إبداع»

في مقال كتبه لشبكة «أي بي سي»؛ تحدث  بطل المصارعة الحُرة كراكر جاك؛ بانفتاح عن صناعة المصارعة الحُرة، تلك الصناعة التي وصفها بكونها أكثر تعقيدًا واحترافية مما يظن البعض، موضحًا أن الكثير من متابعي المصارعة الحرة أو المهتمين بأخبارها قد يستخدمون وصف «مزيفة» لبعض الأحداث التي يرونها خلال مباريات المصارعة الحُرة، أو عن العلاقات المعقدة بين المصارعين، أو حتى عن  النمط الذي يستخدمه كل مصارع ويميزه بين غيره من منافسيه.

لاعب المصارعة الحرة كراكر جاك. مصدر الصورة موقع «ABC»

موضحًا أن كلمة «مزيف» ليست الوصف الصحيح لما يحدث في المصارعة الحرة، وإنما يمكن أن يُطلق عليها «متفق عليها مسبقًا»، إذ أن هناك «سكربت» واضح لكل مصارع عن التصرفات التي يجب ان يقدم عليها أمام الجماهير، مثلها مثل برامج المسابقات التي تصور حياة المنافسين داخل المنزل في برامج تلفزيون الواقع؛ موضحًا أنه سيكون من السذاجة أن يصدق جماهير تلك البرامج أن كل ما يحدث عفوي وعلى الهواء.

مؤكدًا أن كل برامج وعروض الترفيه يجب أن يكون متفق على بعض الأساسيات فيها؛ حتى لا يدع المنتجين مجالًا لفشلها، لأن هذا يعني خسارتهم للأموال، ومن وجهة نظره أن إخراج عروض المصارعة الحُرة بهذا الشكل؛ هو ما جعل جماهيرها تتعلق بأبطالها، ولذلك يؤكد أن تلك الأشياء المتفق عليها لا يجب أن توصف بالـ«مزيفة» بل هي «إبداع».

ماذا تعرف عن قانون المصارعة الحرة الـ«Kayfabe»؟

ما تحدث عنه كراكر جاك في مقاله ليس مجرد وجهة نظره الشخصية؛ إنما هو قانون متعارف عليه في صناعة المصارعة الحرة، وله مصطلح يعرف به وهو «Kayfabe»، وتلك كلمة تخص عالم المصارعة الحرة فقط وتعبر عن الأحداث المسرحية، وطرق الضرب المستخدمة خلال مبارايات المصارعة الحرة، وزوايا الكاميرا القادرة على إخفاء الحيل داخل الحلبة والتي يُتفق عليها مسبقًا، والـ«مكياج» المُستخدم لتزييف إصابات الوجه والجسد.

شاهد مجموعة من اللقطات التي تظهر لك بعض المشاهد التمثيلية أثناء المصارعة الحُرة.

ومع الوقت توسع هذا المصطلح، وأصبح يشمل علاقة المصارعين بعضهم بعضًا خاصة وإن كانوا في منافسة دائمة؛ فوفقًا لهذا القانون لا يجب عليهم أن يظهروا في مكان عام سويًا وهم يتعاملون بود، حتى يحافظوا على تلك الصورة الذهنية لدى جماهيرهم، وأن الكثير من المصارعين الذي ينافسون بعضهما أمام عدسات الكاميرا وعيون الجماهير، هم على أرض الواقع أصدقاء مقربون؛ فالأمر أشبه بالتمثيل تمامًا؛ فالممثل  صاحب دور «باتمان» في الفيلم ليس بالضرورة أن يكون عدوًا على أرض الواقع للممثل الذي يلعب دور «الجوكر»، وفي المقابل فإن للاعبي المصارعة الحُرة قانونهم المعروف بـ«Kayfabe» والأكثر صرامة من عالم التمثيل.

شاهد بعض اللقطات التي تُظهر لك الإصابات المزيفة بالـ«مكياج»:

وعلى مدار عقود طويلة كان هذا القانون خاصًا بعالم المصارعة الحرة الداخلي، مثله مثل كواليس الساحر والتي لا يمكن أن يعرفها المشاهدون، حتى تظل حيلته ممتعة ومثيرة للاهتمام. ولكن مع تطور التكنولوجيا، وتوفر الكاميرا في أيدي جميع المشاهدين، لم يعد لدى صناع المصارعة الحرة القدرة الكافية على اختيار زوايا التصوير سوى في الكاميرات التي يسيطر عليها مخرج العرض ومنسقه. بينما تستطيع بقية الكاميرات في كثير من الأوقات التقاط الحيل من زوايا أخرى؛ لتمنحنا لمحة عن هذا العالم السري، وندرك أنه لم يكن علينا تغطية عيوننا ونحن صغار حينما كان يقفز «هوجن» على منافسه ويغرس كوعه في رقبته، أو على رأسه؛ لأنه لم يفعل ذلك من الأساس، ومنافسه لم يتألم لحظة؛ بل كان كله تمثيلًا احترافيًا، وهو الأمر الذي لم يعد يهتم مصممين تلك العروض والمباريات بإخفائه، وهو ما أثار حفيظة النقاد الرياضيين.

من المصارعة إلى مواكب السلاطين: أطرف الاحتفالات بعيد الفطر حول العالم

«قانون الـKayfabe لم يُخترق فقط.. بل قُتل»

في دورتها الخامسة والثلاثين التي أقيمت هذا العام 2019؛ قدمت «WWE» عرضًا مشوقًا في المصارعة الحرة النسائية، لروندا روزي، والذي أثار إعجاب الجماهير، وأثار الجدل أيضًا، حول التحول الذي ظهر في شخصيتها أثناء مبارياتها، ولكن في النهاية وصفته إدارة الـ«WWE» بأنه حقق نجاحًا سحيقًا، ولكنهم أيضًا صرحوا بأن المصارعة الحُرة ليست سوى عروضًا قتالية يجسدها مجموعة من الرياضيين أصحاب القدرة العالية على التمثيل والأداء، وهو الأمر الذي أزعج روزي، إذ أصبح من المتوقع أن تغادر موقعها في عالم المصارعة التابع لـ شركة «World Wrestling Entertainment».

شاهد أحد عروض روزي في دورة WWE لهذا العام 2019

وفي مقال له بجريدة «فوربس»، يؤكد الناقد الرياضي بليك أويستريشر؛ أن إصرار الشركة المنظمة لعروض المصارعة الحرة الشهيرة في السنوات الأخيرة على تلك التصريحات المشابهة، والتي توضح أن عروض المصارعة هي عروض مكتوبة ومتفق عليها؛ ليست سوى قتل لمتعة وروعة مبارايات المصارعة وكأنهم يسلبون الجماهير حقهم في إثارة خيالهم، مؤكدًا أن تلك التصريحات ليست فقط خرقًا لقانون Kayfabe، بل قتل صريح له.

كيف وقع خبر اعتزال «أندرتيكر» على الجمهور العربي؟ ذكريات ومفاجآت مذهلة

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد