أعلنت واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) 2018 انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي السورية، ورغم أن هذا الانسحاب «تكتيك مرحلي»، كما يصفه المراقبون، إلا أنه ترك الأطراف المتنازعة على الأرض السورية تتهيأ لرسم سيناريوهات جديدة للمنطقة. أهمها السيناريو المتعلق بمنطقة شرق الفرات حيث يتواجد الأكراد السوريون، ألد أعداء تركيا، وخصماء النظام السوري وحلفائه، وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما كان مقترح المنطقة الآمنة من قبل واشنطن وتركيا في مرحلة التداول، بثت موسكو خلال الأيام القليلة الماضية الحياة من جديد في اتفاقية «أضنة 1998» الموقعة بين أنقرة ودمشق. وبات السؤال المطروح على الساحة: أيهما أقرب للتطبيق؟

«اتفاقية أضنة».. ورقة روسيا لإجهاض مقترح المنطقة الآمنة

وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الثالث والعشرون من يناير (كانون الثاني) 2019 إلى موسكو، وفي جعبته عدة قضايا لمناقشتها مع نظيره الروسي، يتربع على رأسها مصير الكرد في سوريا، وتحديدًا في منطقة شرق الفرات.

Embed from Getty Images

ضابط أمريكي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، يتحدث مع مقاتل من وحدات حماية الشعب الكردية.

وربما لم يكن من المفاجئ لأردوغان أن يُلقي الرئيس الروسي أمامه خلال هذه الزيارة ورقة مغايرة لما بات يعرف باتفاقية «المنطقة الآمنة»، فالرفض الروسي لإجهاض هذه الاتفاقية متوقع ومواز لإدراك روسيا إصرار أنقرة على تجاوز مخاوفها الأمنية، وإخلاء حدودها من التهديد الذي يشكله الأكراد عليها من الأراضي السورية، ولذلك ألقى فلاديمير بوتين أمام أردوغان خلال زيارته موسكو «اتفاقية أضنة»، باعتبارها طوق نجاة من الممكن أن يساعد في ضمان الأمن التركي، وأخرجت موسكو هذه الاتفاقية التي سبق وأن توصل لها كل من تركيا وسوريا في عام 1998 بوساطة مصرية إيرانية، باعتبارها بطاقة للتفاوض حول مصير شرق الفرات.

ويعرف بوتين تفاصيل الاتفاقية التي جاءت بعد أن شارفت أنقرة على الحرب مع النظام السوري الذي دعم آنذاك تنظيم حزب العمال الكردستاني عسكريًّا على الأراضي السورية، وأوى زعيمه عبد الله أوجلان، وعلم أيضًا البنود السرية في تلك الاتفاقية التي تنص على إعطاء أنقرة الحق بملاحقة «حزب العمال الكردستاني» لعمق خمسة كيلومترات شمال سوريا، وكذلك نصها على اعتبار «حزب العمال الكردستاني» بزعامة أوجلان المعتقل في تركيا منذ بداية 1999، «تنظيمًا إرهابيًّا» من جهة النظام السوري، خاصة أن أوجلان أُجبر على مغادرة سوريا، وانتقل إلى موسكو قبل تولي بوتين منصب رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ببضعة أشهر.

وعن «اتفاقية أضنة» قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من المغرب: «جوهر الاتفاق يتمثّل في تبديد المخاوف الأمنية لتركيا، لقد وافقت الإدارة السورية على إبرام هذه الاتفاقية وتحمّلت التزامات محدّدة، نفترض أن الاتفاق لا يزال ساري المفعول. كما أفهم فإن الدول الأطراف فيه (تركيا وسوريا) تعتقد هذا أيضًا».

Embed from Getty Images

عضو في القوات الديمقراطية السورية يتفقد الاستاد البلدي في الرقة

وفيما رد أردوغان على العرض الروسي بالقول: «لسنا بحاجة لدعوة أحد، نحن ضمنا بالفعل حق التدخل (ضد الإرهاب في سوريا) عبر اتفاق أضنة 1998»، جاء أيضًا رد إيجابي من النظام السوري الذي لا يمكنه رفض أو قبول القرار في حضرة الحماية الروسية، إذ نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية قوله: «سوريا تؤكد أنها ما زالت ملتزمة بهذا الاتفاق والاتفاقيات المتعلقة بمكافحة الاٍرهاب بأشكاله كافة من قبل الدولتين، وبالتالي فإن الجمهورية العربية السورية تؤكد أن أي تفعيل لهذا الاتفاق يتم عبر إعادة الأمور على الحدود بين البلدين كما كانت، وأن يلتزم النظام التركي بالاتفاق، ويتوقف عن دعمه وتمويله وتسليحه وتدريبه للإرهابيين».

المنطقة الآمنة.. ورقة ترامب التي قد تُعيد تشكيل اللعبة في سوريا

مقترح المنطقة الآمنة أم «اتفاقية أضنة».. إلى أين تميل الكفة التركية؟

في الواقع، هناك عدة إشكاليات تواجه تنفيذ «اتفاقية أضنة»، فناهيك عن أن الاتفاقية تتطلب من تركيا التعامل الرسمي مع النظام السوري، فإنها أيضًا لا تضمن لتركيا أن يلتزم النظام السوري بقتال ميليشيات حزب العمال الكردستاني، بعد رحيل القوات الأمريكية، خاصة أن النظام الآن يتعاون مع الأكراد لتحقيق عدة مصالح له.

Embed from Getty Images

الرئيسان التركي والروسي

كما تفرض الاتفاقية على تركيا الانسحاب من المناطق الواقعة شرق الفرات، والانسحاب من جميع المناطق التي سيطرت عليها أنقرة، لتحقيق عدة أهداف أقلها تحقيق الأمن والاستقرار في هذه المناطق؛ من أجل دفع اللاجئين داخل تركيا إلى العودة إليها، أما الإشكالية الكبرى فهو أن الاتفاقية تتجاوز الولايات المتحدة التي ليس من السهل أن تقبل بأن يمسك الأسد زمام الأمور في هذه المناطق التي ستنسحب منها، ويسيطر على المزيد من الموارد المالية والنفطية.

لكن الكاتب والمحلل السياسي طه عودة أوغلو يشدد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن ما زاد من أهمية الطرح الروسي لـ«اتفاقية أضنة»، واحتمالية تطبيقها، هو تشديد أردوغان على ضرورة إعادة طرح الاتفاق ومناقشته، ويضيف: «دعوة أردوغان المفاجئة إلى إعادة طرح اتفاقية أضنة التي وقعتها بلاده مع النظام السوري عام 1998، ومناقشتها مجددًا، جاءت بعد ساعات قليلة من لقائه مع الرئيس الروسي في موسكو، وهو ما يطرح الكثير من التساؤلات حول ما جرى خلف الأبواب المغلقة بين الزعيمين في روسيا».

ولذلك، يرى أوغلو أنه سرعان ما خلطت الأوراق من جديد، وزادت حالة الغموض في المشهد السوري المعقد حين قالت روسيا إنه «يجب أن يكون اتفاقًا بمشاركة الحكومة السورية»، ويوضح أوغلو: «يأتي طرح الاتفاقية من جديد للنقاش في ظل عزم تركيا على إقامة منطقة آمنة في شمالي سوريا، ومحاولة طرد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور، لذا فإن إعادة التلويح باتفاقية أضنة (لا تنص على قيام منطقة آمنة) هي اعتراف بالنظام السوري شريكًا على نحو يتناقض مع الموقف الرسمي المعلن لأنقرة منذ سنوات»، وتابع القول المحلل السياسي لـ«ساسة بوست»: «لعدم تحقيق زيارة أردوغان لروسيا أهدافها المرجوة، فقد تواصلت خلال اليومين الماضيين أنقرة والولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة في سوريا، برغم تعنت واشنطن في بعض النقاط، إلا أن أنقرة يبدو أنها أقرب للمنطقة الآمنة، والتعامل مع واشنطن في المرحلة المقبلة دون إغلاق الباب في وجه موسكو».

أما الباحث لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية، يمان دابقي، فيؤكد أن واشنطن رمت بورقة المنطقة الآمنة دون أي توضيح لها، وتركت الباب مفتوحًا لجس نبض جميع الأطراف، فواشنطن لم تفِ حتى اللحظة بوعودها للأتراك في الملف السوري، خصوصًا بما يتعلق بملف منبج، ومصير ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية، ونظرًا إلى حجم التناقضات والصراعات داخل الولايات المتحدة، فلا يمكن معرفة الثابت والمتحرك في سياساتها، خاصة مع وجود شخص مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «هذا الأمر دفع تركيا أكثر للتنسيق مع موسكو، وقد شهدت العلاقات الثنائية بينهما مؤخرًا أعلى مستويات التنسيق، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، لكن موسكو وتماشيًا مع المخاوف التركية ترى أن تثبيت شرعية النظام السوري واسترداده المزيد من المناطق سيقوي موقفها أكثر في سوريا، من أجل ذلك ألمحت باتفاقية أضنة، مع العلم أنها اتفاقية أمنية ولا تناسب ظروف المرحلة الراهنة، إلا أنها تأتي في سياق وضعها للتطوير والتعديل»، ويتابع دابقي القول: «رغم أن اتفاق أضنة مغاير تمامًا للمنطقة الأمنة التي تسعى تركيا للحصول عليها، لكنها في الوقت نفسه ممكن أن تقدم رافعة قانونية للتحركات التركية داخل الأراضي السورية، ويمكن أن تكون نقطة الارتكاز المتفق عليها بين الأطراف الثلاثة؛ لإعطاء دور تركي شرعي في سوريا بموافقة النظام السوري».

القصة الكاملة لمناطق ترامب الآمنة في سوريا: أبعاد سياسية وعسكرية

احتمالية دمج المقترحين قائمة

ومن المعطيات المطروحة على الساحة، يمكن القول بأن تركيا تريد أن تحصل على منطقة آمنة بعمق يصل إلى 32 كيلومترًا، تعزلها عن مناطق سيطرة الوحدات الكردية السورية، لكنها في مفاوضاتها مع الجانب الأمريكي تجد مماطلة وابتزازًا، حتى أن واشنطن حذرت تركيا من الدخول إلى الشمال السوري بشكل أحادي دون تنسيق معها، أو مع روسيا التي تحرص تركيا على إقناعها بأهمية هذه المنطقة.

من جانبه، يشير الصحافي السوري إبراهيم العلبي إلى أنه برغم من أن «اتفاقية أضنة» المبرمة كانت أحد مبررات الوجود التركي داخل سوريا، إلا أنها باتت من الماضي لكون تركيا تجاوزتها بمراحل في تحركاتها داخل سوريا، مستندة إلى ضرورة حماية أمنها القومي، ومواجهة خطر الأكراد.

لكن سعي روسيا لإحياء الاتفاقية بهدف تقييد تركيا من جهة، وإجهاض مشروع المنطقة الآمنة الذي يجري التباحث حولها بين تركيا والولايات المتحدة، جعل أردوغان -حسب العلبي- يتحدث عن أهمية الاتفاقية والمشروعية التي تضفيها على وجود قواته في سوريا، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «في الحقيقة هذه تصريحات أقرب إلى أن تكون مناورة مع روسيا التي طرحت العودة إلى الاتفاقية، وقد لاحظنا في تصريحات المسؤولين الأتراك قبل أيام أنهم يؤيدون إعادة طرح اتفاقية أضنة للتداول؛ بمعنى إعادة النظر فيها، وهذا كان الرد التركي الأول على روسيا».

وفي مقابل حرص الولايات المتحدة وروسيا على العمل مع تركيا التي باتت لاعبًا أساسيًّا في العملية السياسية، ليس من السهل أن تطوي «اتفاقية أضنة» المفاوضات حول المنطقة الآمنة وعمقها؛ وذلك رغم عدم قدرة تركيا على التحرك في شرق الفرات بتجاوز روسيا، إذن ما الحل الذي يمكن أن يفرض على أرض الواقع بعد طرح هذين الخيارين؟

يعتقد الباحث لدى مركز «برق» للاستشارات والدراسات المستقبلي، يمان دابقي، أنه قد ينتهي الوضع إما بدمج المقترحين في مقترح واحد، وصولاً إلى تشكيل المنطقة الآمنة، أو العازلة القانونية التي تضمن لتركيا حماية أمنها القومي، وإما أنها قد تكون الغطاء القانوني للمنطقة الآمنة والركيزة الأولى في طريق تحقيق المنطقة الآمنة، وذلك يتحقق في حال تم إدخال بنود جديدة على «اتفاقية أضنة»، كأن يتم مثلًا تعديل بند التدخل التركي بمسافة خمسة كيلومترات، ليصل حتى 15 أو 20 داخل العمق السوري.

ويضيف دابقي: «أمام هذه الحالة فإن تركيا وموسكو ستمضيان في المباحثات للوصول إلى صيغة توافقية، مقابل حصول موسكو على إعادة تدوير النظام، وإجراء تنسيق غير مباشر بين أنقرة ودمشق، إضافة إلى بسط النظام سيطرته على بقية المناطق في شرق الفرات الخارجة عن حدود هذه المنطقة»، وختم حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول: «تركيا مصرة على إنشاء المنطقة سواء كانت آمنة، أو عازلة، أو حتى الوصول إلى صيغة ثالثة من خلال اتفاق أضنة أو غيره، فمن الواضح أنها لن تترك الساحة عرضة لتهديد أمنها القومي من التنظيمات الكردية، وقد صرح أردوغان أن بلاده بمقدورها إنشاء المنطقة من دون أي مساندة خارجية، وأكد أنه سيتم إنشاؤها في حال عدم وفاء الأطراف الأخرى لمصالح أمنه القومي».

«نيويورك تايمز»: تعرَّف إلى المستفيدين والمتضررين من الانسحاب الأمريكي في سوريا

المصادر

تحميل المزيد