8,544

في إحدى ليالي خريف أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، كان السفير السعودي آنذاك عادل الجبير قد قرر تناول العشاء في إحدى مطاعم العاصمة «واشنطن»، القريبة من شارع «نيو هامبشير»، الذي توجد فيه السفارة السعودية، وكان اليوم ثقيلًا كنهاية العام الذي وصلت فيه بعض الثورات العربية للصراع المُسلح؛ لكنّ السفير الذي كان يتردد في تلك الأيام على مجلس الأمن والكونجرس ووزارة الخارجية؛ من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بالتصعيد ضد الرئيس السوري بشار الأسد في مجلس الأمن، لم يكن يعلمُ أن الاستخبارات الإيرانية اخترقت تحركاته، وكلفت عميدًا بالحرس الثوري «غلام شكوري» من أجل التخلص من السفير المُزعج، وهي الرواية التي مازالت إيران تنفيها حتى الآن.

وبحسب المعلومات التي تشكك فيها إيران دائمًا، قام العميد بتجنيد مواطن أمريكي من أصول إيرانية «منصور أربابسيار» لتنفيذ العملية التي سُميت فيما بعد بـ«التحالف الأحمر»، وكانت عبارة عن سلسلة تفجيرات تبدأ بالمطعم المتواجد فيه السفير وصولًا للسفارة السعودية، وتنجح العملية في حال اغتيال السفير السعودي فقط، لكن الاستخبارات الأمريكية كشفت المؤامرة التي نجا منها وزير الخارجية الحالي الذي يدعو العالم كل يومٍ إلى شنّ حرب على أعدائه الذين حاولوا قتله، وبالرغم من أنّ إيران نفتْ التهمة، إلا أنّ الوثائق التي ظهرت فيما بعد، والتي أوضحت أن العميل الإيراني اتفق مع زعيم عصابة متعاون سري مع الاستخبارات الأمريكية ظلت تلاحقها بقوة.

مُجيب الأسئلة الصعبة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001

في مدينةٍ تقتربُ من القصر الحاكم شمال الرياض «المجمعة»، وُلد عادل الجبير قبل خمسة وخمسين عامًا، في أسرةٍ نال أبناؤها حظًا وافرًا من المناصب؛ فالأب عمل بالسلك الدبلوماسي، والعمُ كان وزيرًا للعدل، ورئيس ديوان المظالم، ورئيس مجلس الشورى، لكنّ «الجبير» الذي تلقى تعليمه الأساسي في ألمانيا، وعاش عشرين عامًا في الولايات المتحدة، لم يبدُ عليه أنه سيصبح ثاني وزير من خارج الأسرة الحاكمة يحصل على حقيبة الخارجية، خاصًة مع وجهه الهادئ الذي بدا وكأنه لا يجيد الغضب، وذلك الصوت الناعم الذي لن يُخيف الخصوم، لكن من وصفوه بتلك الصفات في البداية عرفوا افتقار رؤيتهم جميعًا للدقة فيما بعد.

دخل عادل الجبير السفارة السعودية في واشنطن أول مرة عام 1986، على يد السفير السابق الأمير بندر بن سلطان الذي كان سببًا في صعود نجمه بتعيينه في البداية كمتعاقد محلي؛ بسبب إجادته للغة الإنجليزية، لكن المهنة البسيطة لم تكن لترضي طموح الشاب الهادئ، الذي سرعان ما وثّق علاقته بالسفير؛ حتى أصبح المساعد الخاص له في شؤون الكونغرس وفي الشؤون الإعلامية، وبعد أربع سنواتٍ فقط من العمل الدبلوماسي أصبح الجبير المتحدث الرسمي باسم السفارة، وكان اختباره الأول أثناء حرب الخليج، التي انتهت بالرجل ليصبح ذائع النفوذ قبل أن ينتقل إلى الوفد الدائم للولايات المتحدة بمساعدة أستاذه، وفي الوقت الذي كانت الرياض تسعى فيها لبناء علاقات ممتدة مع الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، كان الجبير يخطط لأن يصبح أهم طرف اتصال، لكن الحُلم حتى الآن لم يبدأ بعد.

وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، تفاجأ الإعلام الأمريكي بالشاب الذي درس العلوم السياسية في اثنين من جامعاتها «نورث تكساس وجورجتاون» وهو يدافع عن بلاده ضد تهم الإرهاب، ويحتل عشرات من الساعات التليفزيونية ليقدم للأمريكيين صورة  بلاده الحقيقة من وجهة نظره. ويقول الجبير عن نفسه: «أصبتُ بصدمة حينها، فكيف تثبتُ للعالم أن بلادك لا تدعم الإرهاب بعدما شارك 15 سعوديًا من أصل 19 في الهجمات»، لكن المتحدث الرسمي آنذاك خرج ببدلة أنيقة وتحدث الإنجليزية بطلاقة، وأجاب عن الأسئلة الصعبة بطريقته التي لم تتغير حتى الآن.

وبينما كانت السعودية تدفع ملايين الدولارات لجماعات الضغط من أجل تحسين صورتها، كان عادل الجبير يقوم بالنصيب الأصعب من المهمة، إذ كان يظهر يوميًا على وسائل الإعلام الأمريكية، ويجتمع بالصُحافيين قائلًا: «وطننا تعرض للأذى بصورة غير عادلة، ونحن نؤمن بأننا تعرضنا لانتقادات لا نستحقها»، وفي الوقت الذي اضطربت فيه العلاقات السعودية مع إدارة الرئيس بوش على إثر هجمات سبتمبر (أيلول)، إضافًة لعدم قيام الولايات المتحدة بالسعي نحو التعهد ببناء دولة فلسطينية على حدود 1967، كان الجبير وقتها قد فاز بشخصية الأسبوع في صحيفة «التايمز» الأمريكية التي علّقت على اختياره: «بسبب الدور الذي لعبه كمتحدث باسم الحكومة السعودية في وقت تواجه فيه معركة علاقات عامة لإقناع أمريكا بأنها حليف معادٍ للإرهاب، وسط سيلٍ جارف من الشكوك».

الحُلم الذي بدأ في 1986، تحقق بعد عشرين عامًا في 2006، عندما أصبح عادل الجبير سفيرًا للسعودية بأمر مَلكي خلفًا للأمير تركي الفيصل الذي استقال بعد عامين فقط من توليه المنصب، والرجل الذي أثار الصحف في أحداث سبتمبر (أيلول) عاد للأضواء مرة أخرى مع المنصب الجديد، ولم يُعرف عنه قبلها ضلوعه في العمل السياسي أو مشاركته في الملفات التي كانت تقلق السعودية، فقط كان مستشار الملك في الديوان الملكي قبل عام من توليه المنصب، وما يزيد الموقف تعقيدًا، أن أستاذه الأمير بندر بن سلطان مكث في منصبه أربعين عامًا، قبل أن يُعفى من مصبه لصالح الأمير تركي الفيصل الذي مكث فترة صغيرة، إضافة إلى أنها كانت فترة مضطربة من عهد الرئيس بوش، وهو دورٌ اعتقد الجميع أن السفير المقرب جدًا من الملك لن يتحمله، وربما لم يكن هو نفسه يعلمُ أن للحُلم بقية.

ثمان سنوات في المنصب قضاها الرجل الذي يتحدث الألمانية بطلاقة إضافة للإنجليزية، لينجح في أن يجعل منصبه امتدادًا لأربعين عامًا من عهد أستاذه، وبدأ الجبير الذي تصفه الصحف الأجنبية بأنه معروفٌ جدًا في الأوساط الأمريكية، بالسعي ليصبح أهم نقطة اتصال بين الرياض وواشنطن، فقد أصبح المهندس الجديد للعلاقات الأمريكية السعودية، وبرز هذا الدور بشدة أثناء أزمة «قانون جاستا»، والذي يسمح بمقاضاة المحاكم الأمريكية للسعودية استنادًا على ما اعتبر من الطرف الأمريكي، تورطها في هجمات سبتمبر (أيلول)، لذلك فقد حرص الجبير على ألا يصدر القانون في عهده، خلال تصريحاته التي أكد فيها أن الولايات المتحدة أكبر المتضرررين من ذلك القانون؛ وهو الآن مطارد بنفس القانون بعدما أصبح وزيرًا للخارجية.

وخلال أحداث الربيع العربي كان للسفير السعودي دورًا بارزًا في نقل وجهة نظر المملكة، إضافة إلى محاولة إقناع الإدراة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما بالتصعيد ضد الرئيس السوري في مجلس الأمن، وضرورة محاربة «تنظيم الدولة» في العراق، إضافة للتحرك سريعًا لوقف التدخل الإيراني في سياسات الشرق الأوسط، كما أنه في ذلك الوقت كانت بدأت علاقة أخرى تجمعه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي أراده وجوده في العهد الجديد.

اقرأ أيضًا: «فاينانشال تايمز»: السعودية وعلاقتها السامة مع أمريكا إثر قانون جاستا

إرث سعود الفيصل الثقيل

عادل الجبير يُشبه الأمير بندر بن سلطان وليس الأمير سعود الفيصل

المفارقة التي لن ينساها عادل الجبير أنه في عام 2006 تسلم السفارة من الأمير فيصل التركي، بينما في عام 2015، أصبح وزيرًا للخارجية خلفًا لشقيقه الأمير  سعود الفيصل الذي تولى الخارجية أربعين عامًا ثُم أُعفي نتيجة تدهور صحته، وتلاحق الخبرة هذا الرجل مرة أخرى في المنصب الجديد الذي عُيّن فيه خلال حركة التغييرات الأخيرة التي يتبناها الأمير محمد بن سلمان؛ والمملكة التي تروج له بأنه ثاني وزير خارجية يتولى المنصب من خارج الأسرة المالكة، تروج له أيضًا بأنه تلميذ سعود الفيصل، إلا أنه يفشل في كل مرة في إثبات ذلك في نظر الكثير من المراقبين، بالرغم من الشعبية التي يحظى بها.

أربعة عقود سبقت عادل الجبير، كانت الخارجية السعودية يمثلها شيخٌ من أبناء الملك فيصل آل سعود، لطالما صرّح بأن «حالته الصحية تُشبه حالة الأمة العربية»، وهو في منصبه الذي بقى فيه فترة طويلة، ظل يؤيد القضية الفلسطينية، ويهاجم إسرائيلُ دفاعًا عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، قائلًا: «كيف نقول إن إسرائيل تدافع عن مواطنيها وهي بالأساس دولة محتلة لفلسطين، وحماس تقوم بأعمال للدفاع عن الأراضي المحتلة»، وبخلاف هجومه الدائم على إسرائيل، فهو صاحب مبادرة السلام العربية، التي أعاد إطلاقها عام 2007؛ لإنهاء أزمة الفلسطينيين، وتتلخص في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وقيام دولة فلسطينة على حدود 1976، ووضع حل جذري للاجئين.

في المقابل، فإن وزير الخارجية الحالي، دعا قطر للتوقف عن دعم حماس، قائلًا: «طفح الكيل»، وهو التصريح الذي جاء عقب قطع العلاقات مع قطر، والذي سبقه زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي وصف فيه حماس بالمنظمة الإرهابية.

وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن شخصيات سعودية من الأسرة الحاكمة كانت تدفع نحو تعزيز العلاقات مع إسرائيل لإيمانها بضرورة الإفادة منها في مواجهة إيران، وكان على رأس الأسماء الأمير بندر بن سلطان الذي شغل منصب، رئيس الاستخبارات، ويضيف المغرد الشهير «مجتهد» إلى ما أكدته الصحيفة، أن عادل الجبير الذي أمضى عشرين عامًا في الولايات المتحدة، كان أحد قنوات الاتصال مع اللوبي الصهيوني «إيباك» التي لها تأثير في الكونجرس، وبصفته مستشارًا خاصًا للأمير بندر في ذلك الوقت، فإنه من المتوقع أن تكون له صلة بما نشرته «معاريف»، وبالرغم من عدم ثبوت ضلوعه في تلك الملفات حتى الآن، إلا أن عهده بدأ بالتقارب الإسرائيلي على عكس الأمير سعود الفيصل الذي ألقى خطابه الأول في الأمم المتحدة يهاجم فيه إسرائيل بعد شهرين فقط من توليه المنصب.

اقرأ أيضًا: أبرز عشرة مواقف لوزير خارجية السعودية الراحل سعود الفيصل

واجهة المملكة في صراعاتها

الرجل الثري الذي تلقى تعليمه الأساسي في ألمانيا، ويعيش جزء من أسرته في واشنطن، كما أن عائلته كان لها نصيب من السُلطة، تروج له المملكة بأنه ممثل للشعب، كما يعرضه بن سلمان على أنه وجه شبابي يخدم المرحة القادمة، بينما في الخارج يمثل الجبير واجهة المملكة في صراعتها؛ وهو دور أكبر من منصب وزير خارجية.

ففي اليمن؛ هناك جيش عربي مكون من عشرة دول، تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان، والحرب التي أطلقها الملك سلمان تحت اسم «عاصفة الحزم» في مارس (آذار) من عام 2015، تجاوزت عامها الثاني دون جديد، في الوقت الذي تعاني فيه المملكة أزمة اقتصادية من انخفاض سعر البترول؛ وحتى لا تُتهم المملكة بالفشل في حسم أولى حروبها تحت لواء ولي العهد، يأتي دور الرجل الذي يتفنن في إحراج الخصوم بالتصريح الجديد بأن الحرب مستمرة في اليمن بسبب رفض الحوثيين الاستجابة للإرادة الدولية، نافيًا بالإشارة أن تكون إطالة الحرب وراءها أي فشل عسكري أو سياسي.

وخلال الأزمة الخليجة الأخيرة، برز دور مُنسق حصار قطر، فهو المتحدث باسم مطالب الدول الأربعة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) التي أعلنت قطع العلاقات مع الدوحة، كما أن بلاده أوكلت إليه حرب التصريحات التي لم تهدأ منذ بدأت الأزمة قبل أربعين يومًا، فهو أعلن أنه لا يتمنى التصعيد العسكري، وفي الوقت نفسه تحدث بأن بلاده على استعداد لتقديم المساعدات الإنسانية لقطر، وبدا وكأنه يدير الصراع بطريقته الخاصة، حيث أعلن مؤخرًا أنّ مقاطعة قطر ليست حصارًا، وأن بلاده تقود حملة ضد الإرهاب ولا تستهدف الإضرار بقطر؛ وبينما تصل الأزمة حتى الآن إلى طريق مسدود، إلا أن الفائز فيها حتى الآن في نظر الكثير من المتابعين، هما قناة الجزيرة، وتصريحات الجُبير.

الواجهة الأخرى التي يقودها الجبير بديلًا عن المملكة، تتمثل في تهديد قانون «جاستا»، ففي حال إقراره ستتحول سياسات الرياض تجاه واشنطن كما صرح سابقًا، إذ هدد في مارس (آذار) من العام الماضي، بأن بلاده قد تبيع الأصول التي تمتلكها في الولايات المتحدة، إذا ما أقر أو مر هذا القانون، وتُقدر الأصول بنحو 750 مليار دولار، ويحاول الجبير إقناع الإدارة الأمريكية أن القانون سيؤدي للإضرار بالاقتصاد الأمريكي، لذلك يسعى لإقناع ترامب لإستخدام حق الفيتو، وتتخوف السعودية أن يقوم الكونجرس بإبطاله مثلما حدق في عهد الرئيس أوباما.

وإلى جانب حرب اليمن والأزمة القطرية، وتهديدات القوانين، فإن تزايد الوجود الإيراني في العراق يمثل معركة جديدة للجبير تبدأ مباشرًة بعد انتهاء معركة الموصل؛ والتي بدأت ملامحها بدعوى إحدى قيادات الحشد الشعبي باغتيال السفير السعودي، ثامر السهبان،لذلك قام عادل الجبير في خطوة استثنائية بزيارة العراق في أول زيارة رسمية منذ 14 عامًا، وكأنها وجه آخر لحل الصراع مع الحكومة المدعومة من طهران والتي تكن عداءً مباشرًا للمملكة، والرياض أرسلت رسالتها بالفعل لحكومة حيدر العبادي «نتطلع للعمل معكم وفق شروطنا».

والنجاح الذي حققه الرجل الذي بدأ عمله كمتعاقد محلي وانتهى وزيرًا للخارجية، لن يكتمل إلا بالملفات العاجلة التي ربما ستحدد بقاءه في عهد محمد بن سلمان القادم، وحتى الآن فلازال الجبير مُنسق حصار قطر الذي فشلت إيران في اغتياله سابقًا بحسب الوثائق.