عندما نريد أن نصف سلوكًا مميزًا، أو إبداعًا خاصًّا يمارسه أحد الفنانين؛ نقول عليه مجازًا «له بصمة خاصة في هذا الأمر»، وهذا لما نعرفه عن بصمات الأصابع الآدمية من تفرد؛ إذ تخص البصمة شخصًا واحدًا بذاته، ولا تتشابه بصمات إنسان بآخر على ظهر الكوكب.

لذلك تعد البصمات وسيلة أساسية يمكن للشرطة أن تثبت بها التهمة على مرتكب الجريمة مما لا يدع مجالًا للشك، أو تصبح وسيلة بديلة معترفًا بها ومعتمدة، في إمضاء العقود والأوراق الرسمية، لمن لا يعرفون القراءة والكتابة.

ظلت البصمات لفترة طويلة، هي الوسيلة الأكيدة لتحديد هوية الإنسان. فحتى عام 2007 كانت ولادة الإنسان ببصمة الأصابع أمرًا بديهيًّا لا يمكن الشك فيه، حتى بدأ العلم يلقي الضوء على بعض الأشخاص الذين يولدون دون بصمة أصابع، في ظاهرة أطلق عليها العلم «أدرماتوجليفيا» أو «اللانحت الجلدي» وهي ظاهرة ما زلت تندرج تحت بند الأمراض رغم الغموض الذي يحوم حولها، والحالات المسجلة بها، أربعة عائلات ممتدة حول العالم؛ فما حقيقة تلك الظاهرة؟ وما السبب في حدوثها؟ هذا ما نحاول استكشافه معكم في هذا التقرير.

أن تعيش بلا هوية!

 كانت شيريل ماينارد تحلم بأن تكون مضيفة جوية، لكن هذا الحلم واجهته عقبة أدركت وجودها منذ كانت طفلة صغيرة. فوالدها ضابط الجيش، يجب أن يقدم أوراقًا رسمية للأمن تخص أسرته كاملة، وتلك الأوراق تتضمن بصمات كل فرد من أفراد الأسرة، وهو ما فعله بالضبط لكل أفراد أسرته عدا شيريل، فقد اكتشفوا أنها لا تملك بصمات للأصابع، الأمر الذي جعله هو وأسرته عرضه للعديد من التساؤلات؛ حتى أثبتت الحالة النادرة الغامضة التي تعاني منها طفلته، وهي «اللانحت الجلدي».

تلك الظاهرة يطلق عليها أيضًا «مرض تأخير الهجرة»، وهذا الاسم يعود إلى بداية اكتشافه في عام 2007 عندما حاولت سيدة سويسرية السفر إلى أمريكا واستوقفوها في المطار لأنها لا تملك بصمات أصابع، وحاولت أن تشرح لهم كثيرًا أن هذا أمر تعاني منه منذ لادتها هي و16 فردًا آخر من أسرتها، لكن بلا جدوى.

تلك الحالة الصحية النادرة تتسبب في نعومة الجلد وعدم ظهور المسام والتعرجات التي تكون البصمات على أطراف الأصابع، وعلى الرغم من أن 16 فردًا في تلك العائلة السويسرية يعاني من الـ«أدرماتوجليفيا»، فإن سبعة منهم فقط، هم من لا يملكون بصمات للأصابع.

الجين المتهم.. إن لم يكن مرضًا فهو طفرة!

أصبحت تلك الظاهرة النادرة موضع الدراسة الطبية منذ واقعة السيدة السويسرية، وما أدهش الأطباء الذين سخَّروا الكثير من الوقت والجهد، أن تلك الظاهرة يصعب وصفها بكلمة «مرض»؛ لأنها ليس لها أي أعراض صحية شديدة الخطورة على من يعاني منها، فهي فقط تمحو بصمات الإصبع وتغير من ملمس الجلد، فيما عدا ذلك فأصحاب تلك الظاهرة النادرة يتمتعون بصحة جيدة.

ولهذا افترض العلماء ألا يكون هذا مرضًا، بل ربما يكون «طفرة جينية»، فما هي الطفرة الجينية؟

تعرف الطفرة الجينية في علم الأحياء بأنها أي تغير يقع في شبكة المعلومات الجينية في الجسد البشري، ولهذا إذا أراد الأطباء القائمون على استكشاف طبيعة هذه الظاهرة إثبات أنها طفرة جينية، فعليهم في البداية اكتشاف الجين البشري الذي وقعت له تلك الطفرة، وهنا جاء اللغز الآخر.

رحلة البحث عن الجين «الخفي» استمرت ما يقرب من أربعة أعوام، حتى استطاع الأطباء والعلماء في عام 2011 العثور على الجين المسئول أو «المتهم» كما أطلق عليه بعض الأطباء، ولكن اسمه العلمي هو «SMARCAD1».

جدير بالذكر أن الأطباء لم يكونوا على علم بوجود هذا الجين، حتى كشفت عنه ظاهرة ولادة بعض البشر بدون بصمات للأصابع.

لكن.. كيف نعيش بدون بصمات؟

«لا توجد بصمة إصبع»

هذا ما كُتِب لأبو ساركر في بطاقة الهوية الخاصة به، والتي تُصدر تلقائيًّا للبالغين في بنجلاديش؛ حيث يعيش أبو هو وأسرته، وقد نشرت شبكة «بي بي سي» مؤخرًا تقريرًا طويلًا عن معاناة أبو وأفراد أسرته الذين يعانون من هذه الطفرة الجينية، خاصة فيما يخص استخراج رخصة القيادة، والتي تقع عقبة في طريق مهنة والد أبو بوصفه سائقًا.

وعلى الرغم من دفعه لجميع الرسوم واتباع الإجراءات الروتينية لاستخراج الرخصة، فإنهم رفضوا تسليمها له بسبب عدم توفر بصمات الأصابع، ما يضعه في الكثير من المشكلات على الطريق أثناء مزاولة عمله!

وبغض النظر عن «كوابيس» تحديد الهوية التي يتعرض لها أصحاب تلك الحالة القلائل في أنحاء العالم، وبرغم غياب أي أعراض مرضية تصاحبها، فإن قلة المسام الجلدية التي تسببها الـ«أدرماتوجليفيا» تتسبب في انخفاض عدد الغدد العرقية، مما يمنع الجسم من التعرق تعرقًا صحيًّا، الأمر الذي يساعد الجسم على توازن حرارته؛ ما يجعل المصابين بهذه الحالة معرضين للإصابة بضربة شمس في الطقس شديد الحرارة، وهذا هو الخطر الجسدي الوحيد الذي رصده الأطباء لهذه الحالة النادرة.

تحكي ماينارد أنها عندما كانت طفلة، لم تكن تسبح في حمام السباحة مثل بقية الأطفال، وعلى الرغم من برودة الماء في الحمام، فإن حرارة جسدها كانت ترتفع ارتفاعًا شديدًا إذا بذلت مجهودًا في السباحة مثل ما يبذله بقية الأطفال.

ويوضح خبير البصمات، بيل ريفز، الاختصاصي في قسم شرطة مقاطعة فيرفاكس في ولاية فيرجينيا، أن من يعاني من هذه الحالة النادرة قد تتحول حياته إلى فوضى عارمة مع السلطات خاصة الجنائية منها، وهذا نظرًا لتاريخ طويل حافل لبعض العصابات التي حاول بعض أفرادها إزالة بصمات أيديهم بأنفسهم؛ حتى يسهلوا على أنفسهم ارتكاب الجرائم دون أن يتركوا أثرًا على وجودهم، فالشخص الذي لا يملك بصمات للأصابع، هو غير موجود على وجه الأرض بالنسبة للحكومات والسلطات.

وعلى الرغم من المعاناة التي يتعرض لها من لا يملكون بصمات، فإن هناك جانبًا إيجابيًّا واحدًا في الأمر، وهو عدم إمكانية تعرضهم لسرقة الهوية المنتشرة خاصة في أمريكا والبلدان الأوروبية، والتي تعتمد على سرقة كلمات المرور وتفاصيل بطاقة الائتمان وسرقة بصمات الأصابع المستخدمة في تحديد الهوية باستخدام المقاييس الحيوية.

هل هي مرحلة من مراحل التطور؟

عدم وجود بصمات للأصابع لدى بعض البشر، لم يكن وحده الأمر الغريب في تلك الظاهرة، فهناك بعض الأمراض التي تصيب البشر والتي تتسبب في فقدانهم بصمات أصابعهم، مثل خلل التنسج الأديمي الظاهر، والذي يعرف أيضًا باسم متلازمة نايجيلي، وكذلك مرض اعتلال الجلد الصباغي الشبكي، لكن تلك الأمراض كانت معروفة للطب ويمكن لصاحبها تفسير سبب عدم امتلاكه لبصمات الأصابع، لكن الغريب أن أصحاب ظاهرة الـ«أدرماتوجليفيا» إذا لم تقف الأمور الروتينية والقانونية عقبة أمام استكمال حياتهم، فربما لم يكن الطب ليعلم شيئًا عن تلك الطفرة الجينية؛ نظرًا إلى تمتع أصحابها بصحة جيدة.

ويؤكد الطبيب إيلي سبرتشر القائم على دراسة هذه الطفرة، أن تلك الطفرة هي الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الأحداث التي تؤثر في النهاية في تطور البصمات داخل رحم الأم، موضحًا أن بقية الحلقات في تلك الطفرة ما تزال لغزًا للعلم، فلا يمكن الجزم بأنه مرض وراثي، أو طفرة جينية هي حلقة من حلقات التطور لدى البشر.

وعلى الرغم من هذا الغموض الذي يحوم حول ظاهرة «أدرماتوجليفيا»، فإن سبرتشر يؤكد أنها ساعدت العلم في الحصول على نظرة ثاقبة إلى الآليات التي تنظم تكوين بصمات الأصابع، ولولا اكتشافها في عام 2007 لما عرف الطب بوجود هذا الجين من الأساس، وتوضح الدراسات أنه على الرغم من ظهور حالات قليلة في أنحاء العالم، فإنه من المرجح وجود تلك الظاهرة لفترات أبعد من ذلك؛ عندما لم يكن على البشر الاصطدام بالاحتياجات التكنولوجية لتحديد الهوية.

والسؤال الأخير.. كيف تتكون بصمات الإنسان؟

تتكون بصمة الأصابع للإنسان وهو ما يزال جنينًا في رحم أمه، تبدأ عملية ظهور البصمات للجنين خلال الشهر الثاني أو الثالث من الحمل، وتستمر في التحور والتطور حتى ولادة الطفل، وينتهى الأمر ببصمات هي نمط فريد من الدوامات والحلقات والتعاريج والمسام بنهاية الشهر التاسع من مدة الحمل، ويلعب وضع الطفل في رحم الأم دورًا مهمًّا في تشكيل خريطة البصمات، نظرًا إلى أن الجنين أثناء تكونه يلامس بأصابعه بطانة الرحم والهياكل المحيطة به؛ ما يشكل الأنماط المميزة للبصمة.

ووجد الأطباء مايكل كيكن، وآلان نيويل، من جامعة أريزونا في إطار بحث أنجزاه عن طبيعة اليد البشرية والبصمات؛ أن إنشاء تلك الأنماط يتضمن ضغوطًا في طبقة محصورة من الجلد تسمى الطبقة القاعدية. تنمو الطبقة القاعدية في الجنين بشكل أسرع من الطبقات المحيطة مثل البشرة في الخارج والأدمة الداخلية. تنثني الطبقة القاعدية في عدة اتجاهات؛ مما يؤدي إلى خلق أشكال معقدة. يجري إنشاء الإجهاد عند حدود الجلد، بما في ذلك أظافر الأصابع وثنيات المفصل، وكذلك حول تقلص وسادات الأصابع.

«هذه الطيات تقوم بترميز نمط بصمات الأصابع المستقبلي الذي يصبح مرئيًّا على سطح الجلد في الأسابيع اللاحقة، ونظرًا إلى أن نمط بصمات الأصابع يجري ترميزه تحت سطح الجلد، فلا يمكن تدمير النمط بواسطة إصابات الجلد السطحية» حسبما صرح الباحث مايكل كيكن.

علوم

منذ 3 شهور
هل يعمل «التطور» بشكلٍ غبي؟

وبعيدًا عن تلك الظاهرة الغامضة، فبصمات الأصابع وجلد اليد بشكل عام، يحوم حولهما الغموض الذي يحير العلماء؛ وهذا لأن الجلد في راحة اليد يختلف عن الجلد في باقي الجسم البشري كليًّا وفي العديد من النواحي، فلا يقتصر الأمر على وجود بصمات الأصابع الفريدة من نوعها لدى كل إنسان، ولكن أيضًا يكون الجلد في راحة اليد أكثر سمكًا من باقي الجسم، وعلى الرغم من وجود عدد كبير من الغدد العرقية والمسام في راحة اليد، فإنها خالية تمامًا من بصيلات الشعر، كما أن بصمات الأصابع تتشابه مع العديد من الأشكال الرياضية في الطبيعة، مثل الكثبان الرملية.

وربما لهذا السبب ما يزال تفسير تلك الظاهرة وإدراجها تحت تفسير مؤكد يعد أمرًا صعبًا؛ لأن راحة اليد في حد ذاتها تعد فريدة من نوعها عن باقي جسم الإنسان، ما يرجح أنه على الرغم مما وصل إليه العلم والطب من تقدم؛ فإن هناك المزيد من الغموض والأسرار تحوم حول الجسم البشري.

المصادر

تحميل المزيد