يُحكى أن رجلًا ثوريًّا وعالمًا فقيهًا يدينُ بالثورة والخلافة، لديه مكتبةٌ ضخمة تجاوزتْ 80 ألف كتاب، في بعض رفوفها يتدلى غلاف «المثنوي» لجلال الدين الرومي، ومجلدات أبي حامد الغزّالي، وسيرة كفاح الأستاذ محمد عبده، وترجمات تشارلز داروين، ونظريات ستيفن هوكينغ، بالإضافة لتاريخ الدولة الإسلامية؛ واجتمعتْ العلومُ كُلها في عقل الرجل الذي بدأ نجمُه يشتعل في عام 2011، حين سبّ الملوك ودعا على «شيوخ السلاطين»، وأيّد غضب الشعوب في ثوراتها، واستمر يجذبُ الحشود التي التفَّتْ حوله بحديثه البليغ وموضوعاته الفريدة، ففاز بلقب «الإمام المُجدد» الذي يُبعثُ على رأس كل مائة سنة، على الأقلّ بالنسبة للعديد من الشباب المتأثر بالربيع العربي.

لكنّ القصة لم تكتمل بعد، شأنها شأن الربيع العربي، فعدنان إبراهيم اليوم يهاجم «الانتفاضة السورية»، ولديه علاقاتٌ وطيدة مع حُكَّام الإمارات، إضافة إلى ظهوره اللافت على قناة «روتانا» الخليجية المملوكة للأمير السعودي الوليد بن طلال، كما أنَّ له رصيدًا كبيرًا من الآراء الدينية التي حَشَدَت ضده جمعًا كبيرًا من العلماء، تُرى ماذا سيحدثُ إذا عُدنا بالسنوات قليلًا إلى الوراء، هل سنجد أن الزمان تغيّر كثيرًا بأصحابه؟

«صحوة» الأفكار التحررية

ظهر عدنان إبراهيم على الساحة بطابعٍ تحرُّرِيّ، كان سمته الغالبة طيلة السنوات الستّ الماضية تمثلت أولًا  في صورته غير النمطية بين العلماء التقليديين «أصحاب العمامة البيضاء»، كما استطاع الخوض في مواضيعٍ علمية لم يقترب أحدٌ من العلماء منها من قبل، ولأول مرة يقوم رجل دين بالتحدث عن  نظرية «فيزياء الكم»، أو يتلو قصة للأديب الروسي العالمي «تولستوي»، أو يتجه إلى كتب الدكتور مصطفى محمود، أو يقوم بشرح وصايا جلال الدين الرومي، كما أنه لا ينسى أن يطوف على عقول الجميع، ويُغرقهم في فلك الأسئلة الوجودية في نمطٍ فلسفي واضح، ويدعوهم إلى البحث عن الله في الجمال.

لم تكن هذه فقط بصمة «إبراهيم» التي تميّز فيها، لكنه في المقابل كانت له سلسلة لقاءات دينية ممتدة حول الإلحاد، وأسباب انتشاره في العالم العربي، كما أنه فاجأ جمهوره بدروسٍ في التنمية البشرية، إضافةً إلى حديثه المُختلط بالسياسة الحاضرة دائمًا، ولأنه يعتقد أن «التقليد يُعلمنا ألا نتساءل، وأن نُبقي الأمور دائمًا كما هي عليه»؛ وهو يظنُّ أن السؤال هو الذي يخلق العلماء والعباقرة والمُجددين؛ لذلك صحوته لم تقف عند هذا الحدّ.

ولأنَّ «الدهشة هي أمّ الفلسفة» كما يقول؛ فهو ينادي دائمًا بأنّ القرآن يرفض التقليد؛ لذلك تعتمد صحوة عدنان إبراهيم الدينية على التحرر من النصّ، إضافةً إلى الاجتهاد في الفقه والأحكام، وهو دائمًا ينسبُ فعله ويبرره بأنَّ عمر بن الخطاب سبقه في الاجتهاد؛ ولعل ما آثاره قبل أيامٍ من تعديل إرث المرأة في القرآن وما قبله يؤيد ذلك بشدة.

قال الداعية الإسلامي، خلال برنامج «صحوة 2» الذي يُقدِّمُهُ الدكتور أحمد العرفج على قناة «روتانا»، إنَّ الوقت قد حان لإعادة النظر في إرث المرأة ، مبررًا أنه من باب تحقيق المناط، مفسرًا: «خروج المرأة إلى العمل يلزم القيام بذلك؛ فالبنت التي تأخذ نصف أخيها، إنما كان في السابق من العدل كما قال فخر الرازي؛ لأنها تأخذ حقها في مجتمع يعصب ويسند سوق المهور والنفقات بأشكالها بجبين الرجال وليس النساء». وأضاف: «وفي ظل ارتفاع عدد النساء في سوق العمل، فإن هذا الأمر يستدعي إعادة النظر في الإرث، مبررًا أن نسبة النساء العاملات ارتفعت إلفى أكثر من 60%».

الصحوة لم تتوقف عند الاجتهاد في الآيات والنصوص، بل امتدت إلى أفكارٍ أكثر انفتاحية نحو الثوابت الدينية التي لا يُقبل بها المساس عادة؛ فهو يعتقد بأن أقصى عقوبة سيقضيها الكافرون في النار هي يومٌ واحد على سبيل المثال، إضافة إلى أنه لا يؤمن بحدّ الرجم في الإسلام، ولا يعتقد أن عيسى سينزل إلى الأرض في آخر الزمان، كما أنَّه يشكُّ في سند الأحاديث الصحيحة، ويدعو لإعادة النظر في مئات الأحاديث. وفي خطبة بعنوان«مشكلتي مع البخاري ومسلم»، قال إن البخاري ومسلم بشرٌ لهما أخطاء، ليس فقط أخطاء وإنما «مصائب» حسب تعبيره.

وبالرغم من دعوة التجديد التي يتبنَّاها عدنان إبراهيم، إلا أنه يقع دائمًا في فخ الاعتذار عن مواقفه المثيرة للجدل السياسية والدينية التي كان يتبناها في السابق بنفس القوة التي يعارضها الآن؛ مما قد يضعه في موقف حيرة أمام مُتابعيه.

إمام التناقضات.. من سوريا إلى الأزهر

في مُدوَّنة منشورة على موقع «هافينغتون بوست»، بعنوان «لو لم يكن عدنان إبراهيم في حياتي» عبّرت الكاتبة المغربية جهاد البريكي عن حالة التيه التي لحقتْ بها بسبب «إمام التناقضات»، إذ كتبت: «تجربتي معه هي تجربة طالبة صعبة الإقناع مع أستاذٍ قويِّ الحجة، لا هي اقتنعت بكلِّ ما يقول، ولا هو تنازل عن شيءٍ مما عنده، أخاصمه حينًا بعد خطبة أو درس يستفز فيه أفكاري وما تسرب إليّ من المجتمع والتربية؛ وأصالحه حينًا آخر، ويكون أول من أبحث عنه عندما يشقيني البحثُ عن جواب تائه». فما هي التحولات التي حدثت للرجل ذي التقلبات؟

(صورة تجمع الشيخ عدنان إبراهيم، وعلى يساره أحمد العرفج مقدم برنامج صحوة، وعلى يمينه رجل النظام الإماراتي حمد المزروعي) تويتر

لم يصمُد الرجل ذو التقلبات على آرائه الثورية بعد عام 2011، وهو العام الذي شهد ثورات عربية كانت سبب شهرته نتيجة لانحيازه الكامل إلى صفوف الثائرين؛ فقد أيّد الثورة المصرية في عام 2011، وأشار إلى ضباط الشرطة الذين أطلقوا النيران على المُتظاهرين، كما هاجم الأزهر بصورةٍ غير مباشرة، نتيجة الموقف الذي اتخذه من الثورة في البداية، إلا أنه تحوّل للهجوم الصريح على مفتي الجمهورية السابق الشيخ علي جمعة، عقب أحداث 30 يونيو (حزيران) في عام 2013، حين أفتى الأخير بجواز سقوط صلاة الجمعة؛ منعًا لاحتشاد المعارضين الذي وصفهم بأنهم «خوراج وبغاة»، وأيّد بالقول الصريح قتلهم.

والرجلُ الذي نادى بحُرمة الدماء، وحذَّر من قيام حربٍ أهلية في مصر، تغيرت مواقفه كُليًّا بعد أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة، إذ قال: «في الفتنِ يكونُ القتلُ شيئًا عاديًا»، وهو بذلك قد يعتبر أنه أباح للنظام استخدام العنف الذي كان يحاربه من قبل. ولم يكتفِ بذلك؛ ففي عام 2014، اعتذر لـ«علي جمعة»، ومدحه قائلًا: «كان المُفتي مُعارضًا للثورة من أول يوم، ويستحق الثناء لأنه لم يتغير أو يتلوَّن».

أمَّا الثورة السورية فقد كان لها نصيبٌ أكبر، فالحروبُ التي لم تنطفئ حرائقها حتى اليوم، كان لها ساعاتٌ طويلة من خُطب الشيخ الدكتور عدنان إبراهيم الذي هاجم بشًار الأسد قائلًا: «كل شيء يُدمر من أجل أن يبقى حاكم واحد، والنظام لا يعرف سوى العنف، وهو لم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل»، كما أفتى بضرورة رفع السلاح قائلًا: «يا شيعة يا سُنة أنصفوا دينكم».

وبعد اغتيال الشيخ «البوطي» في منتصف عام 2013، وهو الإمام الذي أيّد الرئيس السوري تأييدًا مُطلقًا، قال عدنان إبراهيم ناعيًا الشيخ: «قاتل الله السياسة مزّقت البُلدان وفرّقت بين الإخوان»، ليبدأ التغيير الجذريّ، ويعلن تراجعه عن تأييد الثورة السورية، إذ قال: «أنا لم أؤيد تلك الثورة من أول يوم، لأنِّي لم أقتنع بها، وأنا أعتقد أنّ هذه الثورة لن تكون ثورة بريئة!».

كما قال في خطبةٍ سابقة: «تراجعنا عن مواقفنا السابقة، ليس لأننا راضون عن الزعامات العربية، بل لأن سوريا تخضع لمخطط جهمنيّ تدفع ثمنه، سنخون قناعتنا حتى وإن لعنتنا الجماهير».

يهاجم العلماءُ ثم يمدحهم

حين سُئل «إبراهيم» عن الداعية المصري المثير للجدل إسلام البحيري – وهو يتشابه معه في عدم تمتعه بمرجعية دينية مُعترف بها-، أجاب مدافعًا عن نفسه ومهاجمًا الأزهر بصورة غير مباشرة قائلًا: «البحيري ظاهرة تسببت بها أزمة المرجعية التي يعاني منها العالم السُني، ليس لدينا مرجعيات علمية معتبرة يقع عليها التوافق»، مُضيفًا: «المرجعيات الرسمية محسوبة على السُلطة، لذلك يتشكك الناس في مصداقيتها، ويتجهون للشخصيات التي تظهر في وسائل الإعلام».

وبالرغم من أنه ليس هجومه الأول على مؤسسة الأزهر كما أشرنا، إلا أنه حين جاءت مُناسبة للمدح، عاد واعتذر للشيخين أحمد الطيب وعلي جمعة في خُطبة قال فيها: «عتبت على الشيخين سابقًا لموقفهما من الثورة، لكننا كنا في حالة هياج؛ والله أحيا الأمة بهذا الأزهر المعتدل والمتوسط في منهاجه وفي كل شيء»، وأضاف: «وإلى اليوم علماء الأزهر فيهم خيرٌ كثير»، لكنه بعدها قام وانتقد أحد رجال الأزهر مرة أخرى.

في حلقة سابقة له على إحدى الفضائيات المصرية، انتقد الشيخ أسامة الأزهري، المواضيع التي يطرحها عدنان إبراهيم في خُطبه قائلًا: «المسائل العلمية الشائكة لا يجب أن تُطرح في خُطبة الجمعة»، مُضيفًا: «هذا تدمير للجو العلمي يتسبب به هذا المنهج الجدلي الغريب»؛ ليرد عليه الداعية الإسلامي ساخرًا: «هذه المنابر واجبها ألا تتحدث الأحاديث الموسمية»، مُعتبرًا أن الأفكار التي يطرحها هي «واجب الوقت» التي تنقذ الأمة.

جديرٌ بالذكر أن الداعية الإسلامي وصف «الأزهري» خلال لقائهما في الشيشان بأنه عالم جليل، وأحد نجوم الاعتدال في العالم العربي.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=h1PXfckNCaE” width=”800″ height=”450″ ]

وخلال لقائه الأخير مع قناة «الحرة» قبل يومين، تراجع «إمام التناقضات» بخصوص حديثه عن تغيير إرث المرأة في القرآن قائلًا: «لو كتبتُ وصيتي اليوم، لن أخالف ظاهر القرآن بشأن ميراث الذكر والأنثى»، كما واصل تناقضه مُضيفًا: «أنا لم أتعرّض لأحدٍ باسمه لأنه ليس من شأني ولا من عادتي، وكثير من المُتصدرين على الشاشة يتعرضون لي»، ثم تابع: «ما ينقص المسلمين اليوم أنّ الدعاة لا يقولون لمن أحسن أحسنت، ولا يقولون لمن خالفهم هيا نتداول فيما اختلفنا فيه».

التحول السريع لـ«نجم الفضائيات»

أبرز ما يثير الانتباه في سيرة عدنان إبراهيم أنه في عام 2011 اعتمد على سبّ الملوك، ومهاجمة شيوخ السلاطين، فاشتعل نجمه في الشارع العربي؛ لكنَّه في عام 2012، اقترب من الأمير السعودي الوليد بن طلال آل سعود، صاحب قنوات «روتانا» الخليجية، ليصبح ضيفًا دائمًا مدة خمس سنوات في القناة التي قدّم عليها عددًا من البرامج الرمضانية، وهم «صحوة 2016»، و«ليطمئن قلبي 2015»، و«الأسوة الحسنة 2014»، و«رحمة للعاملين 2013»، و«هو الله 2012»، وآخرها برنامج «صحوة 2» الذي يُقدمه حاليًا الدكتور أحمد العرفج على نفس القناة.

ولعدنان إبراهيم بعض الصور المثيرة للجدل، أبرزها وهو يتناول الغداء مع الوليد بن طلال، والأخرى في يخت في البحر مع الإعلامي الإماراتي المُقرب من النظام حمد المرزوعي، جدير بالذكر أن مركز سلطان بن زايد آل نهيان يقوم بإصدار كتب الداعية الإسلامي.


والمُفارقة الأخيرة هي أن الرجل الذي رأى في حُكم معاوية بن أبي سفيان هزيمة للمُسلمين، ولم يتركه بعد فوات أكثر من 14 قرنًا على أحداث التاريخ، لم يتعرض للأنظمة العربية بشكلٍ شخصيّ، كما كان يفعلُ من قبل في عام الثورات، والتحول الكبير للرجل والمفارقات الكثيرة يفسره البعض بضوابط السياسة التحريرية التي تفرضها القناة، ولتحكم رأس المال في العملية الإعلامية وفي الرسالة الدينية، وهو ما يجعله بقوة «إمام التناقضات».

وهو ما ظهر جليًا قبل عدة أيام حين مدح دولة بها سجنٌ ذائع الصيت، كما أنها مُتهمة بإجهاض الثورات العربية؛ إذ قال: «الإمارات نموذج للدولة التي تحترم حقوق الإنسان، وبها عدالة ناجزة».

ويجب التوضيح أن سجن «رزين» الإماراتي، هو الأسوأ سمعة في البلاد؛ إذ يقضي فيه المئات من المعتقلين السياسيين الإماراتيين أحكامًا مشددة؛ عقابًا لهم على مطالبتهم بالإصلاح السياسي، كما يواجهون اعتداءات من الحراس الذين يقومون بضربهم، ومصادرة مقتنياتهم، وإغلاق كافة النوافذ بالطوب لمنع دخول أشعة الشمس، ويحرمون من النوم، إضافة إلى منعهم من الزيارة.

اقرأ أيضًا: كيف أجهضت الإمارات الربيع العربي؟

المصادر

تحميل المزيد