أنت تقف في واحدٍ من أحلامك الذي يمنحك السعادة وقدرًا ولو قليلًا من الهروب من مشكلات الواقع، وتنظر إلى البحر الممدود أمامك، والذي لم تستطع زيارته لفترةٍ طويلة بسبب انشغالك في العمل؛ فقرر عقلك الباطن أن يمنحك تلك اللحظة منحةً من جانبه، تتنهد وأنت تشعر بالهدوء والسلام النفسي منذ فترةٍ طويلة، ثم فجأة يظهر أمامك هذا الرجل ممسكًا بمنتجٍ ما، يخبرك بأن وزنك قد زاد وأنك في أمسِّ الحاجة لهذا المنتج، وإذا طلبت عبوتين؛ ستحصل على الثالثة مجانًا.

تلك ليست مزحةً ولا مشهدًا من الخيال العلمي، هذا أمر قد يحدث لنا جميعًا في المستقبل بالفعل، وهي ظاهرة يُطلق عليها الآن «التلاعب التجاري بالأحلام»، فهل تكون أحلامك المنصة القادمة للإعلانات؟

«دورميو».. بماذا تريد أن تحلم اليوم؟

في الأيام القليلة الماضية نشر ثلاثة من الباحثين عريضةً ووقع عليها ما يقرب من 40 باحثًا آخر، وتلك العريضة كانت تناقش التطورات العلمية الجديدة في تقنيات «حضَّانة الأحلام» وآثارها الأخلاقية في البشر، عندما أدركوا أن هناك شركات تسعى لإدخال الإعلانات لأحلام البشر من خلال استغلال ما توصل له الباحثون في دراسات الأحلام وخاصةً «حضانة الأحلام» أو «TDI»، فما معنى تلك التقنية؟

في دراسة نُشرت في نهاية عام 2020 تحت عنوان «دورميو: جهاز حضانة الحلم المستهدف»؛ أكد القائمون على الدراسة أن معالجة المعلومات أثناء النوم عملية نشطة ومستمرة ومتاحة «للهندسة»، وهذا من خلال استهداف منبهات حسية معينة أثناء النوم لإعادة تنشيط الذاكرة واستخدامها في تفاصيل الحلم، بمعنى – على سبيل المثال – إذا أردت أن تذهب إلى هذا الحلم الذي بدأنا به التقرير، فسيكون مطلوبًا من الباحثين تجهيز محفزات فعَّالة للمخ تذكره بآخر مرة كان فيها أمام البحر، مثل رائحة اليود، وصوت البحر والأمواج؛ وهذا مثال لتبسيط العملية التي يجريها الباحثون في تحفيز العقل؛ لأنها في المعامل البحثية تكون أكثر تعقيدًا من ذلك مثل استخدام جهاز «دورميو».

هذا الجهاز هو جهاز إلكتروني جديد يمكن ارتداؤه قبل النوم، ويتكون من سوار لليد مع تطبيق مصاحب يمكن من خلاله اختيار طبيعة الأحلام، واختيار المحفزات المطلوبة لحلمٍ ما، وتظل تتكرر تلك المحفزات، والتي وضعها خبراء في دراسة مخ الإنسان والأحلام، فلن تكون محفزات بسيطة مثل صوت بحر أو رائحة يود؛ إذ ستكون محفزاتٍ أكثر تعقيدًا قد لا يفهمها مخك الواعي، فهي في الأساس تستهدف عقلك اللاواعي ومراقبة مؤشرات المخ لتحديد الوقت المناسب الذي يكون فيه المخ أكثر استجابة للمحفزات الخارجية من حوله.

وحسب طبيعة الحلم الذي يريده المخ؛ تُختار المحفزات، وتلك العملية يطلق عليها «حضانة الأحلام المستهدفة» أو «TDI»، وقد أكد الباحثون الذين اختبروا هذا الجهاز «دورميو» أن 67% من المشاركين في الدراسة، أجابوا بالتأكيد بأن الجهاز نجح معهم، فقد اختاروا «التفكير في الأشجار»، وتلك النسبة من المشاركين حلموا بالأشجار بالفعل، وعلى اختلاف باقي تفاصيل الحلم، كانت الأشجار هي العامل المشترك بينهم جميعًا.

حتى الآن تبدو تلك التقنية غير مؤذية، ويمكن للفرد أن يتحكم فيها بنفسه بعد شرائها، ويمكن استخدامها أيضًا في الأهداف الأساسية التي بدأت بسببها هذه الأبحاث، وهي علاج الكوابيس، واضطرابات النوم التي تصاحب اضطراب ما بعد الصدمة، ولكن مع انتشار نجاح تلك التقنيات التي يمكنها التحكم في الأحلام، نظرت بعض الشركات المنتجة إلى هذا الإنجاز على أنه فرصة لمنصة دعايات جديدة؛ وهي أحلامك وعقلك.

أحلامك منصة إعلانات

مع بداية هذا العام 2021، أعلنت شركة الجعة الشهيرة «مولسون كورز» أنها لن تستطيع الإعلان عن منتجها أثناء عرض واحدة من أهم الأحداث الرياضية في أمريكا، لأن هناك شركة منافسة قد تعاقدت مع القنوات بالفعل، ولذلك – وفقًا للإعلان – اختارت «كورز» أحلام المشاهدين منصةً جديدةً لدعاياتهم لهذا العام.

وتُنفَّذ تلك الفكرة عن طريق مشاهدة مقطع صنعته تلك الشركة مدته 91 ثانية، عدة مرات متتالية قبل النوم، وسوف يقوم هذا المقطع بعمل يشبه التنويم المغناطيسي للعقل حتى يغفو وهو جاهز لاستقبال إعلان تلك الشركة، وكل فرد سوف يحلم بأشياء محددة مثل المناظر الجبلية مع صورة المشروب، وهي المحفزات التي اختارتها الشركة، ولكن قصة حلم كل فرد ستكون مختلفةً، وبذلك تكون الشركة وفرت إنتاج الإعلان، وأصبح لديها بتلك التقنية الجديدة مجموعة متنوعة من الإعلانات من صنع اللاوعي الخاص بالمشاهد الذي اختار أن يشاهد هذا المقطع ويركز عينه عليه حتى يغفو.

شاهد الإعلان الذي شرحت فيه «كورز» كيف يتم الأمر.

في هذا الإعلان الذي كانت مدته حوالي ثلاث دقائق، استعانت الشركة بأستاذة علم النفس بجامعة «هارفارد» ديردري باريت، والتي نشرت العام الماضي- 2020 – كتاب «أحلام الوباء»، وكان يرصد تأثير الأوبئة في أحلام الفرد، وفي المقطع الدعائي أكدت ديردري أن هناك بالفعل طريقة يمكن من خلالها التحكم في تفاصيل بعينها أثناء الحلم والتحكم في محتوى الأحلام، وهذا بعد أن لجأت لها شركة الجعة لتساعدهم على تصميم المقطع المُحفز للأحلام.

وقد وقَّع بالفعل مجموعة من المواطنين على إقرارات تمنح الشركة الحق في اختبار هذا المقطع القصير عليهم دون أن يعرفوا الشركة المعلنة، وقد نجحت تلك التجربة؛ إذ اختارت الشركة العلامات المميزة لإعلاناتها مثل الشلالات ومناظر الجبال الثلجية، فواحد من المشاركين قال «لقد رأيت شلالًا»، وقال آخر «لقد رأيت ثلجًا»، ثم جاءت المشاركة التي أكدت للشركة أنها على الطريق الصحيح عندما قالت «رأيت شيئًا يتعلق بكورز –الجعة-»، مع تأكيد أن المشاركين لم يعلموا أي شركة معلنة تختبر هذا المقطع، ولم يظهر «كورز» في المقطع الذي شاهدوه من الأساس.

كان الهدف من تلك الحملة هو استهداف 100 مليون مشاهد قبل الليلة التي تسبق المباراة، حتى يحلموا بالجعة، ثم يشربوا العبوات التي يحصلون عليها من الشركة هدية إذا مرروا تلك الدعايات لفردٍ آخر وهكذا حتى تكبر شبكة الإعلانات، وكانت تلك الطريقة في الإعلان مصدرًا للفخر للشركة حتى أن نائب رئيس التسويق بـ«كورز» صرَّح قائلًا: «تلك دعايا لم يسبق لها مثيل في العالم» ووصفت الشركة تلك التجربة بكونها «أكبر دراسة للأحلام في العالم».

«تلاعب تجاري» و«عواقب وخيمة»

تلك التقنية حلم بها العلماء منذ الثمانينيات، وها هي تتحقق الآن، ولكن وقتها كان الغرض منها هو تحويل «المعرفة إلى أحلام»، بمعنى أن تلك التقنية قد تكون قادرةً على زرع الأفكار في مخك أثناء نومك من خلال الأحلام، على سبيل المثال المناهج الدراسية قبل الامتحانات.

 هل يتراءى لبعضكم مشاهد من فيلم «Inception»؛ نعم عزيزي القارئ الذي شاهد الفيلم، الأمر أشبه بقصة الفيلم بالضبط، مع تنحية الخيال العلمي والمبالغات الدرامية، ولكنها الفكرة نفسها، ومَن لم يشاهد هذا الفيلم قد تساعده مشاهدته على استيعاب فكرة زرع المعرفة أو الفكرة من خلال الحلم بشكلٍ مسلٍّ ومثيرٍ للعقل.

ولكن حلم العلماء بدأت تقف أمامه مشكلات أخلاقية؛ وهو ما دفع 40 باحثًا قضوا سنوات من حياتهم المهنية للعمل على هذا المشروع؛ للانسحاب من المشروع الذي تموله كل من شركة «برجر كينج» و«إكس بوكس» و- السابق ذكرها- «كورز»؛ مؤكدين أن ما تسعى إليه الشركات يعد «منحدرًا زلقًا له عواقب وخيمة» ووصفوه بكونه «تلاعبًا تجاريًّا بالأحلام، وهو ما يقف عائقًا أخلاقيًّا أمام أهداف البحث العلمي الذي بدأوه مؤكدين في بيانهم : «لن نسمح بأن تكون أحلامنا مجرد ملعب آخر للشركات المعلنة».

«برجر كينج» تصنع لك كابوسًا طازجًا

في عام 2018 ومن خلال تمويل «برجر كينج» لتلك المشروعات، ابتكرت الشركة بمناسبة عيد الهلع في أمريكا «كابوسًا»، وقالت إن تلك المقاطع إذا شاهدها الناس نوعًا من أنواع الاحتفال في هذا اليوم؛ سيحلمون بكابوس يتخلله «برجر كينج»؛ كأنه دعايات لهذا العيد ولكن بدلًا من أن تعرض على التلفاز؛ فهي ستظهر في أحلام المشاركين، وقد أقبل بالفعل مجموعة من المواطنين للاشتراك في هذه التجربة، ويمكن أن تشاهد تفاصيل تجربة «برجر كينج» لصناعة كابوس في المقطع التالي.

أكد الباحثون الذين اعترضوا على مجريات الأبحاث في بيانهم، أنه كان لتجاربهم العديد من الجوانب الإيجابية، فقد أكدت دراستهم أن محاولة السيطرة على الأحلام وتحفيزها في اتجاهات معينة يكون لها القدرة على علاج الصدمات وحالات الاكتئاب، كما أكدوا أن تحفيز حاسة الشم أثناء النوم ساعدتهم على مكافحة الإدمان لدى 30% من المدخنين الذين شاركوا في الدراسة.

ولكن – وفقًا للباحثين- ما تهدف إليه تلك الشركات ليست المصلحة العامة أو الصحة النفسية والعقلية للمشارك، بل سعيهم هو وراء ضمان شراء منتجهم، وإذا كانت الدعايات التقليدية على شاشات التلفاز، قد نجحت خلال العقود الماضية في التأثير النفسي على المستهلك وخلق احتياجات لم تكن لديه من قبل حتى يُقبل على شراء المنتج؛ فما بالك بما يمكن أن تفعله تلك الإعلانات إذا تسلمت مفتاح عقلك الباطن، وأصبح لها القدرة في التحكم فيه، وبرمجته على الشراء؟ تلك الاحتمالية وهذا التساؤل هو ما دفع الباحثين بأن يخرجوا عن صمتهم وينشروا هذا البيان للعالم تحذيرًا.

وفي نهاية بيانهم، وضح الباحثين أنه إذا لم يكن هناك قوانين تحكم هذا النوع من المحفزات وانتشارها، سرعان ما سنجد تلك المحفزات في كل صوب من حولنا، كما توجد اللوحات الإعلانية، وعلى مدار اليوم سيتعرض الفرض لتلك المحفزات سواء من خلال الإنترنت أو التلفاز دون وعي منه بخطورتها، وتتحول أحلامه إلى منصة للأحلام، وإذا حلمت بمنتج خاص لو كان طعامًا أو شرابًا، قد يكون شراؤك له  شيئًا تفعله في صباح اليوم التالي.

الأمر يشبه إلى حد ما التنويم المغناطيسي، فهناك أطباء يستخدمونه لمحاربة الإدمان، وهو ممارسة لا يسمح قانونًا لأي فرد باستخدامها على الآخرين؛ لأنه قد يحاول استخدمها في برمجة مخ الشخص على ارتكاب الجرائم على سبيل المثال، ولذلك يعد مثل التنويم المغناطيسي، ولكن تخيل لو كان في استطاعة شركات الإعلان أن تستخدم تلك التقنية للتحكم في الأحلام بعرض منتجاتها وبرمجة مخك على الشراء، وإذا لم يكن هذا هدفها الأول والأساسي، فلماذا قد تمول شركة مأكولات مثل «برجر كينج» أو شركة جعة مثل «كورز» تجارب تخص التحكم في الأحلام؟

علوم

منذ سنتين
«ذي أتلانتك»: الأحلام من وجهة نظر العلم.. هل لأحلامنا تفسير علمي فعلًا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد