كم شخصًا في محيطك يعاني من التفكير المفرط؟ هل يمكنك أن تلاحظ المعاناة البادية على وجوههم باستمرار، تلك الهالات السوداء من جراء الإجهاد، الشكوى المستمرة من صعوبة النوم، الربط السريع للأحداث بعضها ببعض والسيناريوهات المستمرة والحساب اللانهائي لكل الاحتمالات الواردة وغير الواردة.

يعد فرط التفكير أو الـ«Overthinking» واحدًا من منغصات الحياة؛ إذ يتسبب في ساعات نوم أقل، وإجهاد ذهني أكبر، وحياة عامرة بالقلق والاضطراب نتيجة للحسابات التي تجري دون توقف حول ما حدث وما يحتمل أن يحدث.

في ورقة بحثية بعنوان «العقد العاطفية والتفكير المفرط» أعدها الباحث دومينا باتريك، خلص إلى أن التفكير المفرط عبارة عن حلقة من الأفكار غير المنتجة، أو ما يمكن وصفه بكم من الأفكار غير الضرورية، والذي يرتبط عادة بالقلق.

وخلصت دراسة نشرت عام 2008، أجريت على مجموعة من لاعبي الجولف عقب شكوى عدد من الرياضيين من التأثير السلبي للتفكير الزائد، والذي وصفوه بأنه يعطل مهاراتهم الحركية، إلى أن الرياضيين الذين يفرطون في التفكير، يتسبب تفكيرهم الزائد في التأثير في المهام المزدوجة التي يقومون بها خلال اللعب، بل إنه يترك تأثيره في ذاكرتهم الطويلة!

قلبك في خطر.. 6 آثار سلبية صحية يسببها التفكير المفرط

التحكم في التفكير المفرط ليس رفاهية، صحيح أن التفكير المستمر له بعض المميزات، لكن التأثيرات السلبية الناتجة منه سوف تجبرك على إيجاد صيغة من أجل السيطرة على جموح الأفكار، حيث تتأثر كل من الصحة النفسية والجسدية على المدى الطويل، وهذه بعض التأثيرات التي يمكن أن تتوقعها في حال كنت مفرط التفكير:

Embed from Getty Images

1- الدماغ  أبرز ضحايا الإفراط في التفكير والتوتر

ففي بحث بعنوان «الإجهاد وضمور الدماغ» خلص الباحث دوجلاس بريمنر إلى أن الكورتيزول يتسبب في تدمير وقتل خلايا المخ؛ ما يؤدي مع مرور الوقت إلى حدوث تغير في وظائف الدماغ وتغير في بنيته ووصلاته، نتحدث هنا عن إجهاد مزمن يتسبب في مشكلات عقلية كالقلق واضطرابات المزاج.

2- مشكلات الهضم المزمنة من آثار التفكير الزائد

في بحث أجري عام 2011، جرى الربط بين الإجهاد ومشكلات الأمعاء؛ إذ تبين أن التفكير الزائد يعد سببًا أساسيًّا في الشعور بالإجهاد والذي يؤثر بدوره في الجهاز الهضمي، نتحدث هنا عن التهاب القولون، ومتلازمة القولون العصبي، وتغيرات في حركة الجهاز الهضمي ككل وكم الإفرازات المعوية، حتى إنه يتسبب في تغييرات في البنية البكتيرية في الأمعاء.

3- قلبك في خطر أيضًا!

 هذا ما تأكد للباحثة سيلفيا أوكينيني، والتي خلصت في دراسة لها منشورة عام 2016، بعنوان «القلق كعامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية»، إلى أن الإفراط في التفكير والقلق المزمن يعرضان صحة القلب والأوعية الدموية للخطر، ويعرض الأشخاص المفرطين في التفكير إلى آلام في الصدر وعدم انتظام في دقات القلب، والدوار، فضلًا عن إمكانيات الإصابة بالاكتئاب، واحتمالات تعاطي المخدرات، وكذلك صعوبات النوم المرتبط بالقلق المزمن.

4- جلدك يتأثر من تفكيرك أيضًا

ثبُت هذا عبر دراسة أجريت عام 2001 أشارت إلى دور التفكير في القلق الذي يتسبب بدوره في مفاقمة عدد من الاضطرابات الجلدية، مثل الصدفية والتهاب الجلد التأتبي، والحكة، والثعلبة، وغيرها من المشكلات الجلدية.

5- جهازك المناعي ليس في مأمن

بالرغم من كل التفاصيل السابقة، فإن جهاز المناعة يعد في مقدمة أجهزة الجسم التي تتأثر بالقلق والتوتر؛ إذ يتسبب التفكير المفرط في إطلاق الكورتيزول في الجسم والذي يؤدي بدوره إلى إضعاف الجهاز المناعي، في هذه الحالة، وبحسب بحث أجري عام 2004، فإن حالات الاجهاد والتوتر الشديدة تتسبب في قمع دفاعات الجسم الطبيعية ضد الأمراض والعدوى؛ ومن ثم تجد أنك صرت أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض.

6- ربما ينهي السرطان التفكير المفرط إلى الأبد!

هذه ليست مبالغة؛ إذ يؤدي فرط التفكير إلى حد الإجهاد إلى تطور بعض أنواع السرطان نظرًا إلى ضعف الاستجابات المناعية في الجسم، هذا ما توصل له مجموعة من الباحثين عام 2004 في دراسة بعنوان «الإجهاد والاكتئاب والجهاز المناعي والسرطان».

النصف المملوء من الكوب: مزايا التفكير المفرط التي لا نتوقعها

الخبر الجيد أنه ثمة فوائد لفرط التفكير، هذا بحسب ورقة بحثية تعود إلى عام 2015 ربطت بين فرط التفكير وبين الإبداع؛ إذ يركز الأشخاص مفرطو التفكير على حل المشكلات، فضلًا عن أن أحلام اليقظة لديهم يمكن أن تقود إلى حلول إبداعية، وذلك بحسب آدم بيركنز، المحاضر في البيولوجيا العصبية  للشخصية في الكلية الملكية بلندن.

Embed from Getty Images

يقول بيركنز «الطلبة مفرطو التفكير أحرزوا درجات أعلى في قسم الأعصاب، وهو ما يمكن ربطه بقدرتهم على حل المشكلات؛ إذ يتمتعون بالقدرة على أن يكونوا أكثر إبداعًا، وذلك لأنهم أكثر عرضة لأحلام اليقظة والتي ترتبط بدورها بالاكتشافات.

أشارت الدراسة إلى العلاقة الوثيقة بين أحلام اليقظة والإبداع، فـ«التفكير الإبداعي يحدث في جزء من الدماغ، حيث ينفصل المرء عن العالم الخارجي. فأحلام اليقظة هي البوابة الحقيقية للمزيد من الخيال والذي يقود بدوره إلى الكثير من الأفكار الفريدة».

وعليه، يمكن اجترار التفكير المفرط لاتجاه إيجابي وإبداعي بحسب بيركنز عبر خطوتين أساسيتين:

1-  محاولة الانخراط في أنشطة إبداعية منها الرسم على السيراميك، أو الأنشطة المملة التي تستهلك طاقة عقلية؛ لأن ذلك يوجه التفكير الزائد إلى نشاط صحي.

2-  اكتب قائمة بكل ما يقلقك وابتعد لفترة، ثم انظر إليها مرة أخرى عبر تقييم كل عنصر لتحديد المشكلة الحقيقية بشأنه وما الذي لا يمكن حله، ثم ابتعد وألق نظرة جديدة على القائمة، هذه المرة تخلص من المشكلات التي لا تعد مشكلات بالفعل، وأصلح السهلة واحفظ المشكلات الصعبة للتفكير المركز.

وفي مقابلة مع تيموثي كوبوك، أستاذ علم النفس والإرشاد، أشار إلى أنه ثمة فوائد للتفكير المفرط ساعدته على تحقيق نجاحات أكاديمية،  فيقول: «حين يكون المطلوب عددًا من المهام مثل كتابة ورقة علمية أو إكمال مهمة معقدة، أو كتابة أطروحة تتطلب الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، أجدني مهتمًّا بأدق التفاصيل بطريقتي المعتادة كشخص مفرط التفكير، وهذا يلخص باختصار كيف ظللت عميدًا لأربعة فصول دراسية متتالية».

من جانبه يشير ستيفن سميث، أستاذ علم النفس بجامعة تكساس في مقابلة مع موقع «توداي»  إلى أن الأشخاص ذوو العقول المشغولة يجدون حلولًا ملهمة، فالأستاذ المتخصص في تدريس مادة التفكير الإبداعي قال إن «التفكير الذاتي المفرط مكون مهم للفكر الإبداعي».

وهكذا يمكن أن تتعايش مع التفكير المفرط بنجاح

«أجيب عن أسئلة أطفالي قبل أن يسألوها، حتى إنهم صاروا يعتقدون أن لدي قوة عظمى»* أناليزا باربيري، الصحافية وكاتبة عمود أسبوعي في صحيفة «الجارديان» 

كتبت أناليزا باربيري مقالًا تعبر فيه عن امتنانها لكونها من ذوي التفكير المفرط، فقد توصلت إلى عدة مزايا لفرط التفكير الذي يحولك مع الوقت لقارئ أفكار وضابط إيقاع لحياة من حولك؛ إذ تلاحظ أمورًا لا يلاحظها سواك وتجيب بسرعة لا يصل إليها من من حولك.

منوعات

منذ سنة واحدة
وداعًا للتشتت.. 9 نصائح فعالة لتتمتع بالتدفق الذهني والإبداع

الأمر الذي جعلها تهتدي إلى الطريقة المثلى للتعامل مع فرط التفكير، ليس عبر مقاومته، ولكن عبر التعايش معه بنجاح والاستفادة القصوى منه، عبر الخطوات التالية:

  1. اليوجا، تساعد على تهدئة العقل، خاصة تمرينات التنفس التي تحقق التوازن بين الجوانب العاطفية والعقلية.
  2. لا تحاول تصفية ذهنك أبدًا، هذا لن يحدث، ولكن حاول أن تتحدى عقلك، عبر أمور بديلة، كالعد التنازلي من 100 إلى 1، أو تأمل الشارع عبر نافذة السيارة، أو حتى تأمل القطارات.
  3. المهام المتكررة كالحياكة والموسيقى الإيقاعية تبعث على الاسترخاء بشكل مدهش.
  4. اسأل نفسك ما الذي أحتاجه الآن، ما الذي أسمعه الآن؟ ما الذي أراه الآن، هكذا توقف رأسك عن الاهتمام بالعالم الخارجي مع التركيز على ذاتك ومشاعرك.
  5. الاستحمام بمياه باردة سوف يدفعك للتوقف عن التفكير سوى في شعور السعادة والاسترخاء تحت المياه الباردة.

المصادر

تحميل المزيد