بينما كانت المدرسة القرآنيّة في منطقة «داشتي أرتشي» شمال أفغانستان تحتفل بتخريج دُفعة من حفظة القرآن الكريم، دوّى صوت انفجار ضخم تسبّبت فيه غارة جويّة نفّذها سلاح الجو في الجيش الأفغاني ليسقط على إثرها 100 قتيل – على الأقل – بينهم أطفال المدرسة وعدّة جرحى آخرين، وقد أشار مسؤول أفغانيّ إلى أنّ سبب الغارة كان تواجد أعضاء من حركة طالبان في المدرسة أثناء حفل التخرّج، وأضاف أنّ اجتماعًا جرى لقادة التنظيم في ذات المكان.

وقال متحدّث باسم وزارة الدفاع الأفغانيّة: «إنّ 20 من قيادات حركة طالبان قد سقطوا في الغارة»، وقد أثار عدد القتلى الكبير، بالإضافة إلى وجود أطفال المدرسة ضمن الضحايا، أسفًا وصدمة شديدين بين السكّان المحليّين، كما تناقلت المواقع الاخباريّة ومواقع التواصل الاجتماعيّ الخبر وسط صدمة وأسف على بداية حلقة جديدة من مسلسل العنف الذي لا ينتهي في أفغانستان، يكون ضحاياها الرئيسيّون هذه المرّة هم الأطفال.

ولم يتورّع الجيش الأفغاني عن استهداف المدرسة، رغم امتلائها بالأطفال المدنييّن أثناء تجمّع العشرات منهم داخلها؛ ممّا اعتبر انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وقواعد الاشتباك المسلّح، وقد نشرت البعثة الأممية في أفغانستان تغريدة على موقع «تويتر» أدانت فيها الحادثة، ودعت إلى حماية المدنيين في مناطق النزاعات.

وليست هذه المرّة الأولى التي يجد الجيش الأفغاني نفسه فيها تحت وابل من الانتقادات؛ إذ إنّه غارق في السنوات الأخيرة بعدّة مشاكل وفضائح أخلاقيّة تنخره من الداخل، وتزيد من تعقيد المشهد الأفغاني ومن سوء الأوضاع التي يعيشها المواطنون الذين يعانون جرّاء الصراع الذي طال بين الجيش وطالبان من جهة، وبين غارات طائرات «الدرونز» الأمريكيّة التي تصيب في 90% من الحالات الأهداف الخطأ، فتوقع ضحايا من المدنيين.
في هذا التقرير نستقصي أبرز المشاكل والأزمات التي يعاني منها الجيش الأفغاني في السنوات الأخيرة، من بينها مشكلة المخدّرات، والتحرّش الجنسي بالأطفال، وهروب المجنّدين.

خسائر الجيش الأفغاني.. مجزرة كلّ يوم

20 قتيلًا يسقطون في صفوف الشرطة أو الجيش الأفغاني يوميًا، هذا ما توصّل له تقرير حكوميّ أمريكيّ؛ إذ أشار أنّ أكثر من 2500 قتيلًا في صفوف الجيش قد سقطوا في الأربعة أشهر الأولى من سنة 2017 وحدها؛ بينما سقط أكثر من 6 آلاف في العشرة شهور الأولى من سنة 2016.

هذه الأرقام الكبيرة لأعداد الضحايا تطرح تساؤلات حول جاهزيّة الجيش الأفغاني في صراعه مع حركة «طالبان» وباقي الجماعات المسلّحة، ومدى جديّة القيادة السياسية والعسكريّة في تجهيز الجنود للمواجهة.

قوّات أفغانيّة

وقد أضاف التقرير بأنّ أحد أبرز العوامل التي يفسّر هذا الرقم المرتفع هو العدد الكبير للكمائن المنتشرة في كلّ أنحاء البلاد، غير المؤمّنة كما يجب، والتي كثيرًا ما تكون هدفًا سهلًا لهجمات التنظيمات المسلّحة، وعن سبب اعتماد الحكومة على هذه الكمائن رغم عدم جاهزيّتها للتصدّي للهجمات؛ قال التقرير: إنّ السياسييّن المحليّين يرون بأن هذه الكمائن «دليل على حضور الحكومة في المناطق المعزولة»، دون الأخذ بعين الاعتبار أمن وسلامة الجنود الأفغان أو الحصيلة الثقيلة التي يُمنى بها في كلّ مرّة تحت نيران الحركات المسلّحة.

كيف صنعت الولايات المتحدة «الجهاد» و«تجارة المخدرات» في أفغانستان؟

المُدمنون في الجيش.. المخدرات تُذهب عقول الجنود الأفغان

إحدى الأزمات الحادة التي تعصف بأفغانستان كلها، بما فيها المنتسبون للجيش والشرطة، هي مشكلة إدمان المخدرات؛ إذ تعتبر أفغانستان أكبر منتج للأفيون (Opium) على مستوى العالم، بإنتاج يصل إلى 3 آلاف طن سنويًا.

وبسبب هذا الإنتاج الضخم تتوفّر وظائف ودخل مادي للكثير من الأسر، خصوصًا في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة المزريّة التي تمرّ بها البلاد بفعل الحرب القائمة والفساد وهشاشة الوضع السياسيّ. وكما أنّ هذه الزراعة تسبّبت في توفّر مداخيل للكثيرين، فإنّها تسبّبت في ملايين المدمنين أيضًا؛ إذ بلغ عدد مستهلكي المخدّرات حوالي 5.3% من مجموع السكّان، أي حواليّ مليون ونصف شخص، وتُعدّ هذه النسبة من بين الأعلى في العالم.

Embed from Getty Images

جنود أمريكيّون في حقل للأفيون في أفغانستان

ظاهرة إدمان المخدّرات داخل صفوف الجيش الأفغاني هي ظاهرة متفشية؛ إذ أكّدت عدّة تقارير صحافيّة أنّ الجنود الأفغان لا يتورّعون عن استهلاك الهيروين والأفيون والماريجوانا حتى أثناء أدائهم لمهامهم العسكريّة وسط أنظار الجميع، وقدّرت بعض الصحف نسبة المدمنين على المخدرات في صفوف الجيش بـ15% سنة 2009، كما سجّلت بعض حالات إطلاق «نيران صديقة» من قبل أعضاء من الشرطة الأفغانيّة كانوا تحت تأثير المخدّرات على مترجمين تابعين للقوات الأمريكيّة حسبما نقلت وثائق «ويكيليكس».

«الجارديان»: كيف انتصرت «تجارة الهيروين» على أمريكا في أفغانستان؟

هذا كله يصعّب – حسب المصادر الصحافيّة – من مهمّة التعاون بين الجيش الأمريكي المتواجد في أفغانستان وبين الجنود الأفغان، خصوصًا بعد الاستراتيجيّة التي اتّبعتها الولايات المتّحدة أثناء إدارة الرئيس أوباما بتغيير الدور الذي تلعبه في أفغانستان من الاشتباك المباشر مع طالبان كما كانت تفعل سابقًا، إلى تدريب وتوجيه القوات الأفغانيّة لتنفيذ المهام القتاليّة بنفسها، وتزويدها بما تحتاج من معلومات استخباريّة وغيرها من المهام التي لا تتضمّن الاشتباك المباشر مع عناصر طالبان.

«الجارديان»: كيف انتصرت «تجارة الهيروين» على أمريكا في أفغانستان؟

إرمِ خوذتك واهرب! لماذ يفرّ الجنود الأفغان من الجيش؟

نقلت رويترز قصّة أحد الجنود الأفغان الفارّين من الجيش بعد أن كان متحمّسًا لمهمّته الجديدة – حسب قوله – وذلك بعد الأوضاع الكارثيّة التي عاشها أثناء خدمته؛ فقد شهد معركة دامت لثلاثة أيام كاملة دار بين فرقته ومجموعة من المسلحين المدججين بالقنابل والرشاشات الآلية تهاجمهم من جميع الاتجاهات، بينما يحارب هو بأمعاء فارغة، وبراتب شهريّ متأخّر منذ عدّة شهور، وقد كانت القشّة الأخيرة التي حسمت قرار ترك الجيش – حسب التقرير – هو رفض طلبه الحصولَ على دعم في مواجهة الهجوم، وعدم الردّ عليه أثناء الهجوم، بالإضافة إلى مشاهدته لزملائه الذين نزفوا أمامه حتّى الموت في غياب رعاية صحيّة كما ينقل تقرير رويترز.

وكانت تقارير صحافيّة قد أشارت إلى استفحال ظاهرة هروب الجنود الأفغان المتدرّبين في الولايات المتّحدة؛ إذ إنّ هؤلاء يستغلّون فترة تواجدهم في أمريكا من أجل إيجاد مخرج من مأزق البزّة العسكريّة الأفغانيّة؛ فقد سجّل فرار 13% من هؤلاء المتدرّبين في سنة 2016.
وتتلخّص الاسباب التي يترك بسببها الأفغان مواقعهم في الجيش الوطنيّ في الرواتب المتدنيّة التي عادة ما تتأخّر لشهور، كما أنّ الخسائر الكبيرة التي تلحق به كما ذكرنا في النقطة السّابقة تزيد من احتماليّة الموت أو الإصابة جرّاء هذه الوظيفة الخطرة.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ الجانب العائليّ والقبليّ يلعب دورًا في هذا القرار، خصوصًا أنّ حركة طالبان تلعب على هذا الوتر من خلال تهديد العائلات والقبائل وإرغامهم على منع أبنائهم من الانضمام إلى الجيش الوطنيّ.

أضافت تقارير إلى أنّ الفساد المستشري داخل الجهاز العسكريّ، وغياب الشفافيّة بالنسبة للترقيات في سلك الجيش، وانتشار الرشاوى وغياب الثقة في القيادات عليا كلّها جعلت نسبة كبيرة من المجنّدين تقرّر رمي خوذهم وتطليق الحياة العسكريّة، وقد أثارت إجراءات وزارة الداخليّة الأفغانيّة في التعامل مع أحد الفارّين من الجيش جدلاً واسعًا، بعد أن قرّرت حجز والده إلى غاية تسليم نفسه.

وقد علّق على هذه الظاهرة لصحيفة «فورين بوليسي» الخبير في الشؤون الأفغانيّة أنثوني كوردسمان بقوله: «هذا يذكّر بالتحذيرات التي رأيناها في فيتنام؛ فقبل أن تنهار القوّات، كان فرار الجنود في الجيش الفيتنامي الجنوبيّ (الموالي للولايات المتحدة الأمريكية) قد بدأ في التصاعد».

أطفال أفغانستان.. ضحايا قنابل الجيش وتحرّشاته الجنسيّة أيضًا

إحدى أخطر الممارسات المتفشّية داخل أروقة الجيش، وسط صمت أو تواطئ كبير من طرف السلطات، هي التحرّش الجنسيّ بالأطفال، لكن القضيّة ليست مجرّد جنود معزولين يرتكبون ممارسات انتهاكية جنسيًا، بل إنّ هنالك تواطؤًا كبيرًا تتدخّل فيه عدّة عناصر، من قيادات سياسيّة وأمنيّة، بالإضافة إلى ما يشير إليه بعض الكتاب حول التقاليد الآسيويّة القديمة التي تشرعن هذا التحرّش.

بعيدًا عن الحروب وطالبان والمخدرات.. ماذا تعرف عن أفغانستان؟

«باشا بازي» هو تقليد موجود في الثقافة البشتونيّة، ويعدّ مقبولا اجتماعيًّا؛ إذ يتم إلباس أطفال في التاسعة من عمرهم لباسًا أنثويًّا ويُجبرون على الرقص أمام قاعة ممتلئة بالجمهور، ثم يتمّ الاعتداء عليهم جنسيًّا لاحقًا، كما أنّه من الشائع أن يتّخذ أحد أمراء الحرب أو حتى كبار قيادات الجيش والشرطة صبيًّا باعتباره «مُرافقًا جنسيًّا» له، وقد أشارت تقارير صحافيّة إلى تورّط شركة أمنيّة متعاقدة مع الجيش الأمريكي «DynCorp» في إحياء بعض هذه الحفلات من أجل «كسب ودّ السكّان المحليّين».

Embed from Getty Images

باشا بازي سابق في حوار له مع AFP.

بسبب النقص الفادح في أعداد المنتسبين في الجيش الأفغاني وحاجته لزيادة أعداد أفراده بسبب الضغوط الأمريكيّة على الحكومة الأفغانيّة من أجل تسريع إنهاء الدور الأمريكي في أفغانستان، بالإضافة إلى أزمة هروب المجنّدين التي يعيشها الجيش باستمرار؛ فقد شهدت أفغانستان حالات كثيرة من استقدام أطفال للعمل في صفوف الجيش؛ وذلك بسبب ظروفهم المعيشيّة السيّئة وحاجتهم للمال، بالإضافة إلى سعي السلطات المحليّة إلى «تضخيم» أعداد المنتسبين إلى صفوفها، وهو ما زاد من تفاقم ظاهرة التحرّش الجنسيّ بالأطفال من قبل القيادات الأمنيّة، في ظلّ عدم وجود قانون يحميهم، وصمت مجتمعيّ إمّا بسبب الخوف، أو بسبب التقاليد.

التحرّش الجنسي بالأطفال ليس حوادث معزولة يمكن التعامل معها من خلال القانون، بل هي ظاهرة منتشرة على نطاق واسع داخل الجيش وفي أروقة السياسة؛ ممّا يجعل محاربتها مهمّة في غاية الصعوبة؛ لأنّ المسؤولين السياسيين المنوط بهم علاج هذه المشكلة هم أنفسهم متّهمون بممارستها.

على سبيل المثال، هنالك تقارير تفيد بأنّ المُحافظ السابق لقندهار، غول آغا شيرزاي، قد شوهد في عدّت أماكن عموميّة برفقة أطفال ومراهقين يضعون مواد تجميل على وجوههم، يُعتقد أنّهم «باشا بازي»، فيما نفى مكتبه ذلك. وقد شهد هذا الاعتداء على الأطفال تراجعًا جذريًّا خلال فترة حكم حركة طالبان القصيرة؛ إذ اعتبروه «مخالفًا للشريعة الاسلاميّة»، لتعود الممارسة بقوّة بعد سقوط حكمهم.

Embed from Getty Images

وقد أدرجت الأمم المتّحدة أفغانستان في تقريرها لسنة 2016 عن البلدان التي يُستخدم فيها الأطفال كجنود، كما أدانت الاعتداءات الجنسيّة على الأطفال في صفوف الأجهزة الأمنيّة وثقافة «باشا بازي» بقولها: «يبقى القلق مطروحًا فيما يتعلّق بثقافة (باشا بازي)، والتي تتضمّن استغلالًا جنسيّا للأطفال الذكور من قبل الرجال في السلطة، بما فيها الدفاع الوطني وقيادات أجهزة الأمن».

10 حقائق حول الحرب على أفغانستان لا يريدك أوباما أن تعرفها

وقد عملت بعض القيادات من حلف «الناتو» المتواجد في أفغانستان، بعد الكثير من العرائض والمطالبات من منظّمات المجتمع المدني بالتدخّل، بالتعاون مع مجلس العلماء المسلمين الأفغان على محاولة الحدّ من هذه الظاهرة؛ إذ أفتى مجلسُ علماء المسلمين أنّ هذا الفعل – أي التجنيد والتحرّش – حرام شرعًا.

مترجم: رغم مرور 16 عامًا على الحرب الأمريكية.. لماذا تظل أفغانستان الأولى في إنتاج الهيروين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد