«إيران الصغيرة»، هكذا تسمى ولاية هيرات الأفغانية الواقعة قرب الحدود الإيرانية، مصطلح يُشير إلى حجم النفوذ الإيراني على الأرض الأفغانية، وتحديدًا جراء تحالفها مع حركة طالبان الأفغانية.

إذ أصبح من المؤكد وقوف إيران في الخفاء وراء قرار السلم (المفاوضات) وقرار الحرب (عمليات «طالبان») في أفغانستان، وهو وضع نجم عن استراتيجية واضحة لطهران تقوم على التحالف مع «عدو الأمس» طالبان، من أجل إغراق الولايات المتحدة التي تخوض حربها منذ أكثر من 17 عامًا، بصورة أكبر في المستنقع الأفغاني الزلق.

طهران وطالبان.. من العداء الشديد إلى التحالف «الغريب»

في عام 1998 قتل تسعة دبلوماسيين إيرانيين في هجوم على قنصليتهم الكائنة في مدينة مزار الشريف الأفغانية، وبسبب هذا الهجوم الذي اتضح أن طالبان هي من تقف خلفه؛ كادت تندلع حرب، خاصة أن طهران حشدت 200 ألف جندي على حدودها مع أفغانستان لمقاتلة الحركة التي كانت تحكم البلاد آنذاك.

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني حسن روحاني (إلى اليسار) يصافح الرئيس الأفغاني محمد أشرف غني خلال حفل ترحيبي رسمي

إيران دولة شيعية المذهب، بينما حركة طالبان حركة سنية المذهب، وبرغم نفوذ طهران بين نسبة كبيرة من الأفغان أصحاب المذهب الشيعي كانت فكرة التحالف بين الطرفين تبدو غريبة، فطهران عام 2001 وتحديدًا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) دعمت الولايات المتحدة في غزوها للإطاحة بطالبان من حكم أفغانستان.

وفي عام 2010 كُشِف النقاب عن تقارب إيراني مع الرئيس الأفغاني آنذاك حامد كرزاي؛ إذ تزايد النفوذ الإيراني في البرلمان الأفغاني لدرجة أن إيران دفعت أموالًا على مراحل وبشكل متقطع للحكومة الأفغانية، في إطار محاولاتها لمواجهة الوجود الأمريكي بأفغانستان، كما عملت على منع عمليات الإعمار في المناطق القريبة من حدودها غربي أفغانستان.

لكن مع عدم تحقيق استراتيجية إيران لأهدافها في توظيف الحكومة الأفغانية لخدمة مصالحها، اضطرت طهران لتغيير خطتها وتقاربت مع حركة طالبان، فحين أعلنت طهران تأييدها لإجراء محادثات سلام بين الحكومة وطالبان وعرضت استضافتها لهذه المحادثات في عام 2011، فتحت قناة تواصل بين طهران وطالبان، وبرز تقارب واضح في أعقاب تولي أختر محمد منصور زعامة الحركة، بعد مقتل الملا عمر عام 2015، وذلك بعد أن اتفق الجانبان على ضرورة التعاون ضد عدوهما المشترك: الولايات المتحدة الأمريكية.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث مع رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض جون كيلي في مؤتمر صحافي

وشهدت الفترة الأخيرة استجابة واضحة من قبل طالبان للاستراتيجية الإيرانية، فحين عرض الرئيس الموالي لواشنطن أشرف غاني في فبراير (شباط) الماضي على طالبان إجراء محادثات غير مشروطة لإنهاء الصراع المستمر منذ 17 عامًا، كان الدعم الإيراني قد فرض حوافز أقل على الحركة للمشاركة في المفاوضات، وهو الأمر الذي شجع طالبان على تصعيد هجماتها أكثر، حتى أوشك أن يصبح العام الحالي بأفغانستان هو الأكثر دموية في العالم، متقدمًا حتى على النزاع في سوريا، وذلك لأن حصيلة الصراع في أفغانستان في عام 2018 قاربت على مقتل 20 ألف شخص، فيما أحصى برنامج «أوبسالا» لبيانات الصراعات، والذي يحصي الخسائر البشرية في النزاعات منذ أربعين عامًا، سقوط 19694 قتيل في عام 2017.

وفي قراءة لخارطة نفوذ طالبان، فقد أصبح مسلحو الحركة نشطون الآن في 70% من مساحة أفغانستان؛ إذ تُشن من هذه المناطق هجمات متكررة منظمة ضد مواقع الحكومة الأفغانية، كما أن هناك هجمات فردية ومتفرقة ضد المواكب العسكرية ونقاط التفتيش التابعة للشرطة الأفغانية.

وحسب موقع «الحرب الطويلة» التابع لمشروع الدفاع والديمقراطية المموَّل من البنتاجون الأمريكي، فإن القوات الحكومية الأفغانية غير قادرة على وضع حد لتقدم طالبان المطرد، فطالبان هي التي تملك زمام المبادرة العسكرية في كثير من المناطق الأفغانية، وحسب الموقع فإنه: «ليس من الواضح كم ستستمر خسارة القوات الأفغانية للأفراد والمواقع، خصوصًا مع تردِّي معنويات القوات الأفغانية، بعد الخسائر الفادحة في صفوف القوات الخاصة والشرطة».

سياسة

منذ سنة واحدة
«تنظيم الدولة» و«طالبان»: من سينتصر في معركة أرض الجبال؟
501
ميرفت عوف

الدعم الإيراني لطالبان يزيد والإمارات والسعودية تتحركان

في مايو (أيار) 2018، وقف عدد من المدربين العسكريين وسط مجموعة من الشباب الذين أتوا للانضمام في تدريب مكثف بمعسكرات خاصة أقيمت على أرض محافظة كرمنشاه الواقعة غرب إيران، كان المدربون يتحدثون اللغة البشتونية (اللغة الرسمية للأفغان) علاوة على لغتهم الأصلية، المدرِّبون كانوا قوات خاصة إيرانية، والمتدربون شباب أفغاني أرسلتهم حركة طالبان للتدريب العسكري.

Embed from Getty Images

عرض أسلحة وذخائر تم ضبطها أثناء العمليات العسكرية الباكستانية ضد مقاتلي طالبان

وحسب التقرير المعنون بـ«أفضل مقاتلي طالبان يجري تدريبهم في إيران»، تؤكد صحيفة «التايمز» البريطانية أن «المئات من مقاتلي طالبان يتلقون تدريبًا متقدمًا على أيدي مدربي القوات الخاصة في الأكاديميات العسكرية الإيرانية»، وتنقل الصحيفة عن قيادي شاب من طالبان اسمه إلياس نوهيد قوله: «بدأ تدريبي في كرمنشاه قبل 10 أيام من شهر رمضان وثمة ما بين 500 إلى 600 مقاتل منا في مختلف مراحل التدريب هناك، تعلمنا كل شيء، من الخبرات التكتيكية والقيادية والتجنيد إلى صنع القنابل والتدريب على السلاح».

وبالرغم من أن طهران نفت آخر المعلومات حول قيامها بتدريب ودعم طالبان عسكريًا وماليًا، إلا أن سلسلة من المعلومات كُشفت قبل ذلك؛ تتحدث عن تورط طهران في تدريب عناصر طالبان في إيران. فالحرس الثوري الإيراني وفر تمويلًا ومأوى ومالًا وأسلحةً لمقاتلي طالبان، وذلك بحسب ما كُشف عنه في 29 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما عرضت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) للمرة الثانية أسلحة إيرانية، قالت إنها كانت بأيدي مسلحين في اليمن وأفغانستان.

وكذلك أعلنت الحكومة الأفغانية في الثامن من فبراير 2016؛ أنها صادرت كمية من الأسلحة وجدتها ضمن ذخيرة أسلحة لطالبان في إقليم باميان (شمال أفغانستان)، وقد كانت هذه الأسلحة إيرانية الصنع، وتنوعت بين قنابل عادية وقنابل مضادة للدبابات ومدرعات وصواريخ ومسدسات. وبشكل عام وبحسب قوات الناتو، فقد زادت إيران خلال العقد الماضي من إرسال شحنات الأسلحة الإيرانية إلى طالبان، حتى شهد عام 2015 زيادة في هذه الإمدادات وزيادة في تمويل وتجنيد وتدريب مقاتلي طالبان.

Embed from Getty Images

أسلحة وذخيرة إيرانية تم الاستيلاء عليها من مدينة مزار الشريف في شمال أفغانستان

وتعود باكورة الكشف عن العلاقات العسكرية بين طالبان وطهران إلى عام 2007، حين ذكر قائد قوات حلف الأطلسي الجنرال دان ماكنيل أن شحنة من العبوات الناسفة التي تُزرع على جوانب الطرق في إقليم فرح الأفغاني مصدرها إيران لا تجار السوق السوداء، وكان النقاب قد كُشف أيضًا في عام 2010، عن تسليم الحركة أطنانًا من الأسلحة، بما فيها المتفجرات البلاستيكية ومدافع الهاون والقنابل اليدوية والكتيبات التقنية من إيران.

وهنا يمكن الإشارة إلى الجهد السعودي والإماراتي في مواجهة النفوذ الإيراني، فالرياض التي نشر ديوانها الملكي بيانًا يبارك فيه تجديد الهدنة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان في 20 يونيو (حزيران) الماضي، تحركت لقطع الطريق على إيران في أفغانستان بمحاولتها دمج طالبان في العملية السياسية، كما أن الإمارات سارت على نفس النهج، لتطالعنا وسائل الإعلام أن أبوظبي تستضيف الآن محادثات بين الولايات المتحدة وطالبان تهدف إلى الإعداد لمفاوضات سلام في أفغانستان.

كما أن وفدًا من طالبان اجتمع قبل هذه المفاوضات مع مسؤولين من السعودية وباكستان والإمارات، وفي المحصلة تنظر السعودية والإمارات إلى الاختراق الإيراني لحركة طالبان باعتباره ضربة قاسية لهما؛ إذ يعني ذلك أن طهران أفعل منها في تجنيد الحركات السنية.

طهران تنتقم من واشنطن على الأرض الأفغانية

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبينما كان ضابط شرطة أفغاني يباشر عمله في نقطة عسكرية تقع بمدينة فرح الأفغانية المتاخمة لحدود إيران، تلقى عبر الهاتف تحذيرًا بقرب شن المئات من مسلحي طالبان هجومًا مسلحًا على نقطته.

Embed from Getty Images

جندي من القوات الخاصة الأمريكية يلقب بـ(كاوبوي)  يؤمن مهبطًا للطائرات خلال عملية عسكرية

وقبل مُضى نصف ساعة على هذا التحذير هاجم بالفعل مئات المسلحين من الحركة النقطة العسكرية وتمكنوا من فرض حصار على المنطقة، لم يُفك إلا بعد ثلاثة أسابيع، حين تمكن الطيران الحربي الأمريكي من دحر المقاتلين، ومع تلاحق المعلومات الأمنية حول هذا الهجوم الذي اعتبر الأقوى منذ عام 2001؛ كشفت مفاجأة مدوية تفيد أن إيران تقف خلف هذا الهجوم لتمكين طالبان من الاستيلاء على مزيد من الأراضي الأفغانية، وقد شيعت طهران أربعة من كبار الكوماندوز الإيرانيين سقطوا قتلى في هذا الهجوم، كما نقل إليها جثامين عدد من قتلى طالبان، وعالجت جرحى آخرين نقلوا عبر الحدود إلى أراضيها.

وفي هذا الهجوم قرأت واشنطن الدليل الأكبر على أن إيران متورطة في أعمال العنف الأخيرة في أفغانستان، ضمن محاولاتها ملء الفراغ وإيجاد موطئ قدم بعد تضاؤل النفوذ الأمريكي في أفغانستان، فقد أخذت طهران تقدم تمويلًا مباشرًا وتوفر السلاح لطالبان، وأصبح معدل ونوع التدريبات التي تتلقاها عناصر الحركة في إيران أمورًا غير مسبوقة، وحسب تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فإن «إيران تدعم طالبان بالسلاح والمال وتوفر لهم التدريب، ووفرت ملجأ آمنًا لقادة الحركة وقدمت وقودًا لشاحناتهم، وأنها تقوم بتجنيد المزيد من اللاجئين الموجودين داخل إيران من الأفغان السنة من أجل الانضمام إلى صفوف طالبان»، وبحسب الصحيفة أيضًا فإن «حركة طالبان تقوم بتطوير علاقاتها مع إيران وروسيا مما يعد تحولًا هامًا، فإيران استفادت من الحرب الأفغانية الطويلة والمكلفة التي أدت إلى الإطاحة بأعدائها السابقين، لكن طهران الآن تتبع استراتيجية تتمثل في محاولة زيادة التكلفة على الأمريكيين».

Embed from Getty Images

جنود من الجيش الأمريكي من فريق اللواء القتالي الرابع ينقذون جنديًا جريجًا بعد أن تعرضوا لهجوم من قبل طالبان

فإيران التي يجمعها مع طالبان العداء لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» بأفغانستان، تعيد تشكيل سياستها في هذا البلاد بشكل أهم الوجود الأمريكي؛ الذي أثار طوله مخاوفها من أن تستخدم واشنطن الأراضي الأفغانية قاعدة لتوجيه ضربة لمنشآتها النووية، وفي الفترة الأخيرة ومع التوجه المتشدد لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي أفضى إلى إلغاء الاتفاق النووي، كثفت إيران من دعمها لحركة طالبان انتقامًا من واشنطن، وأخذ النفوذ الإيراني يتنامى في أفغانستان مع تصاعد التوتر في العلاقات مع واشنطن.

ويبدو أن واشنطن التي ما تزال متورطة في الحرب الأطول التي تخوضها والتي أدت إلى مقتل نحو 150 ألفًا من الجانبين، تتحرك بمسار محدود وغير مُجْدٍ، كأن تستهدف الدعم الإيراني لطالبان حين فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عقوبات جديدة على ثمانية أشخاص، بينهم إيرانيون لهم صلة بالحرس الثوري، العقوبات تستهدف أيضًا أعضاء من طالبان تورطوا في هجمات وأنشطة فتاكة، فضلًا عن الإيرانيين الذين يقدمون دعمًا ماديًا وماليًا لطالبان.

سياسة

منذ سنتين
هل تتحد إيران وطالبان وترامب لمواجهة «تنظيم الدولة»؟
3252
ميرفت عوف

المصادر

تحميل المزيد