ظلت جبال الهندوكوش الأفغانية، الواقعة في شمال دولة أفغانستان، ملمحًا رئيسيًّا من تاريخ تفاعلات السلطة والخارج، فهذه الجبال امتد دورها التاريخي، لتكون أكثر من مجرد معلم سياحي، يتباهى به الأفغان، ولتكون مخبأً للحركات «الأصولية المتشددة»، حركات ظلت، على مدار عشرات السنين الأخيرة، مُحركة لبوصلة الأحداث، داخل أفغانستان وخارجها، قبل أن تخفت قليلًا، وتتبادل الأدوار مع الحركات الصوفية الأفغانية.

تبادل الأدوار الحادث، بين «الأصوليين المتشددين» والمتصوفة الأفغان، شمل جبال الهندوكوش، التي استعادها المتصوفة الأفغان في الفترة الأخيرة، واستعادوا معها أنشطتهم بداخلها، وفي الأقاليم المحيطة بها.

 

جبال الهندوكوش الأفغانية.. عندما كانت حصنًا للقاعدة وطالبان

على شكل قوس، يصعب اجتيازه، تمتد سلسلة جبال هندكوش، كحائط صخري، وكأهم مانع طبيعي في أفغانستان، مانحًا الدولة حدودًا طبيعية شديدة الصلابة، لا يمكن اختراقها، حيث يتراوح ارتفاع هذه السلسلة الجبلية من 3900 مترًا حتى 6300 مترًا.

أفغانستان

لا تنحصر أهمية هذه الجبال، في كونها حدودًا طبيعية لا يمكن اختراقها فقط، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي المهم، للبلدان المجاورة لأفغانستان، فتخترق السلسلة الجبلية ممر واكان شرقًا، ثم تتجه غربًا نحو الحدود الإيرانية، حيث تتوزع إلى اتجاهات مختلفة، ويتجه أحد جبال السلسلة نحو الشمال الغربي، حيث يصل ارتفاعه إلى 4000 مترًا، وآخر يتجه نحو الجنوب الغربي، حتى تلتحم بالمرتفعات الجنوبية. هذه الاستثنائية الجغرافية لموقع الجبال، جعلتها عبر عشرات السنوات، ملجأ العديد من «الأصوليين المتشددين»، بعيدًا عن أعين أجهزة المخابرات، العاجزة على مدار فترات طويلة عن الوصول إليهم.

كما تتمثل أهميتها الجغرافية الكبرى، في تقسيمها لأفغانستان، لثلاثة أقاليم: الأقاليم الشمالية، وهي منطقة السهول والتلال الخصبة، وتنحدر تدريجيًا نحو نهر أمو دريا، والأقاليم الجنوبية، حيث أقاليم الهضاب العالية والصحارى، والأقاليم الوسطى، والمتميزة بجبالها الشامخة ووديانها الضيقة وطبقاتها العميقة.

بدأت صلة هذه الجبال مع الحركات السياسية، باستيطان حركة طالبان الإسلامية المسلحة لها، مع بداية ظهورها، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، شمالي باكستان، عقب انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي السابق من أفغانستان.

نجحت حركة طالبان في نسج شبكة علاقات، مع مجموعة من القبائل، القاطنة بهذه المناطق الجبلية، لتنجح بهذه العلاقات في ترسيخ وجودها، في الثقافة القبلية المحلية في تلك المنطقة، وكحليفة لقبائل البشتون، وكحليفة لبعض الطاجيكيين الأفغان، والبنجابيين الباكستانيين، في جبال الهندوكوش.

وفي المناطق التي نجحت في السيطرة عليها، والتي تُحيط بالسلسلة الجبلية الصخرية، طبقت طالبان عقوبات «وفقًا للشريعة الإسلامية»، مثل الإعدامات العلنية للمدانين بجرائم القتل، أو مرتكبي الزنا، أو بتر أيدي من تثبت إدانتهم بالسرقة، كما أمرت الحركة الرجال بإطلاق لحاهم، والنساء بارتداء النقاب، وحظرت مشاهدة التلفزيون، والاستماع إلى الموسيقى، وارتياد دور السينما، ورفضت ذهاب الفتيات من سن العاشرة إلى المدارس.

تزامن نشوء تنظيم القاعدة، بتمتعه بعلاقة جيدة مع حركة طالبان، امتدت لصداقة مُقربة، بين زعيم التنظيم الراحل، أسامة بن لادن، وأمير طالبان، علاقة وثيقة ومتينة، كانت كفيلة باستيطان أعداد كبيرة، من تنظيم القاعدة، في هذه الجبال كمخبأ لهم، وكمعسكر ضخم لإعداد عناصرهم، تحت مظلة وحماية طالبان.

عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، على مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة، سعت واشنطن لحصار حركة طالبان، متهمة إياها بتوفير ملاذ آمن لأعضاء التنظيم، الذين اتهموا بالمسؤولية عن تلك الهجمات، في أفغانستان وخصوصًا في جبال الهندوكوش، حيث أطاح غزو التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، بطالبان من السلطة في أفغانستان.

 

كيف حاربت حركة طالبان الصوفيين؟

مع بروز حركة طالبان بأفغانستان في منتصف التسعينيات، انضوى تحت لواء الحركة عشرات المتصوفين الأفغان، الذين وجدوا في بدايات الحركة أملًا لنشر الإسلام، خصوصًا مع جاذبية المتصوفة الأفغان، التي ظهرت لمواطني دولة أفغانستان، بكافة أقاليمها المختلفة، شاملة أحاديثهم المُحببة لنفوس المواطنين، وطرق زيهم، ونموذج الإسلام الذي يقدمونه.

أفغانستان

برز هذا الانضواء في أكثر من مناسبة، أبرزها سلسلة المواجهات مع الاتحاد السوفيتي، على مدار عشرة أعوام، حيث كان الشيخان الصوفيان، أحمد غيلاني وصبغة الله مجددي، وهو شيخ الطريقة النقشبندية، يعتبران من أهم قادة المقاتلين المجاهدين، وتم تصعيد مجددي رئيسًا مؤقتًا للبلاد، بعد استيلاء المقاتلين الأفغان على كابول، في عام 1992.

لكن هذا الانضواء، تحت مسار الحركة، أخذ مسارًا انفصاليًا، بعد أساليب قيل إنها «قمعية» من جانب الحركة للمتصوفين، حيث شملت هذه الإجراءات «القمعية» حبس بعضهم، وتجريدهم من المنازل التي يقيمون بها، جنبًا إلى جنب مع التضييق على تحركاتهم وحرياتهم، وبصورة خاصة «مريدي الطريقة الجِشْتية»، المعروفة بحبها للموسيقى، وكبح جماح «انتشار أيديولوجيتهم»، عبر منع إقامة دروس لهم.

كانت نتيجة هذه الإجراءات «القمعية» للمتصوفيين داخل الحركة، تراجع دورهم بوصفهم فاعلين في مصير البلاد، وانحسار تواجدهم إلى مناطق بعيدة، لا تتقاطع مع المناطق التي تتمركز فيها عناصر طالبان، أو الأعضاء التابعيين لتنظيم القاعدة.

ومثل ارتباط أفغانستان بالصوفية مرحلة قديمة، سابقة لنشوء حركة طالبان، وبروز أعضاء تنظيم القاعدة و«الأصوليين المتشددين»، بكافة المناطق الجبلية في أفغانستان، حيث ترتبط أفغانستان بكونها مسقط كبار الصوفيين المسلمين، مثل الشاعر الفارسي الخواجة عبد الله الأنصاري، وحكيم سنائي، وجلال الدين الرومي، وعبد الرحمن الجامي، كما تُعد مدينة هرات الأفغانية، معروفة باسم «أرض الأولياء»، حيث اشتهرت باعتبارها مركز الشعر الصوفي، ولا تزال حتى يومنا هذا تحمل نفس اللقب.

كما تولى هؤلاء الصوفيين، بعد فترة قصيرة، مناصب مهمة في المجالات الدينية «الروحية»، والدنيوية في أفغانستان، حيث أصبح خاصة صوفيو الطريقة النقشبندية مستشارين، لدى الملوك والأمراء، وتولوا الإشراف على التعليم الديني «الروحي»، لمئات الآلاف من المسلمين هناك.

 

الصوفيون الأفغان يستعيدون جزءًا من بريقهم المفقود

في السنوات الأخيرة، بدأت مجموعات الصوفيون الأفغان استعادة بريقها المفقود، بعد خفوت نجم «الأصوليين المتشددين» في جبال الهندكوش، والأقاليم المترامية على جانبيها، وترتبط استعادة النفوذ، للصوفيين الأفغان، كذلك بدعوات الغرب للسلطة الأفغانية، لإتاحة المجال لمزاولة الصوفيين أنشطتهم، ودعم هذا الأمر، كوسيلة فعالة لمحاربة «التطرف»، من خلال دعم يكمن في تقديم الدعم الهادف، إلى الإسلام الصوفي.

تقول في هذا الصدد المؤرخة الأفغانية هيلانة ملكيار: «إنَّ هذا سوف يُوَفِّر على الغرب جهودًا كثيرة، والأهم من ذلك، هو أنَّ من شأن هذا العمل أن يُقرِّب مرة أخرى الأفغان، الذين مزَّقتهم الحرب، من جذورهم الثقافية الثرية».

كذلك فإن أحد المظاهر الدالة على استعادة الصوفيين نفوذهم، في أفغانيا، هو إعادة إحياء الجلسات الصوفية بالمساجد، وانتشار حلقات الذكر، دون تضييق من السلطات الأفغانية، وفتح قنوات اتصال مستمرة مع رجال الحُكم، وعلاقات بالسلطات الغربية، الداعمة لهم ماليًا، في بعض مُناسباتهم التي يقيمونها، وإتاحة الفرصة لهم في المراكز البحثية الغربية، لشرح أفكارهم والترويج لها، كي تكتسب زخمًا قد يدفعها للسلطة، في محاولة للتضييق على «الأصوليين المتشددين» المستوطنين للمدن الأفغانية لعشرات السنوات، وكانوا فاعلًا في أي حركة تغيير داخل البلاد، ومُحركًا أساسيًا لأي هجمات خارجية على الغرب، أو أهداف أمريكية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد