تتناقض الأخبار الواردة عن فساد أبناء الحكام في أفريقيا بسبب نفقاتهم التي تتجاوز الملايين من الدولارات، مع المشاهد التي تنقلها شاشات التلفاز عن فقر شعوب هذه الدول، وهروب حُكامها من المسؤولية عبر التظاهر بالموارد الشحيحة، وغياب الدعم الدولي من المنظمات الدولية.

وفي ظل غياب جهات رقابية على مخصصات رؤساء هذه الدول التي تنتمي لدول العالم الثالث؛ برز فساد أبناء الحكام في هذه الدول، خلال السنوات الأخيرة، في صور متعددة، أبرزها تعيينهم في مناصب سياسية نافذة داخل السلطة، أو فساد مالي عبر استخدام نفوذ الآباء في إنفاقات بملايين الدولارات.

يستعرض التقرير التالي نماذج فساد أبناء الحكام الأفارقة، ممن تحولوا مؤخرًا لرموز فساد بفعل تجاوز نفقاتهم ملايين الدولارات على رفاهيات لا يسمع شعوبها الأكثر فقرًا عنها سوى في الأفلام التي يشاهدونها.

قصر في باريس ويخت بميزانية وزارة الصحة

مستفيدًا من سلطات والده الواسعة باعتباره رئيسًا لدولة أفريقية، منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ارتضى سكانها العيش تحت خط الفقر ومُسالمة حاكمها، وفي واحدة من أكثر وقائع فساد أبناء الحكام فجاجة، ترقى يودورين أوبياننغ، نجل رئيس غينيا الاستوائية، لمناصب سياسية كُبرى دون خبرة كافية أو تدرج في المناصب، ليشغل منصب وزير الزراعة والغابات في بلاده، قبل أن يترقى ليصير نائبًا لرئيس غينيا الاستوائية، ويبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من الفساد المالي دون رقيب على اختلاسه من مخصصات موازنة بلاده.

Embed from Getty Images

رئيس غينيا الاستوائية في لقاء مع مسؤول صيني

ويُقدر عدد سكان غينيا الاستوائية الذين يعيشون تحت خط الفقر بنحو 76%، بينما يصل حجم إجمالي الناتج المحلي للبلد الذي يعيش على البترول باعتباره موردًا رئيسيًّا، بنحو 12 مليار دولار، والتي من المُفترض أن يتوزع على عدد سكانها الذي يصل نحو 1.4 مليون نسمة.

بدأت أولى وقائع الفساد المالي ليودورين في عام 2011، حين اشترى يختًا، بمبلغ مالي ُقدر بنحو 100 مليون دولار، وهو الرقم الذي يوازي مُخصصات ميزانية وزارة الصحة لبلاده، لتستمر وقائع فساد الابن المالي بعد اتهامه بتبييض أموال عبر استغلال مساعدات اجتماعية وغسل أموال عامة مختلسة لحسابه الشخصي في فرنسا؛ ليصدر قرار قضائي في نهاية العام قبل الماضي، من جانب محكمة الجنح في باريس على تيودوران أوبيانغ أيضًا بدفع غرامة قدرها 30 مليون يورو مع وقف التنفيذ.

وقد انكشف حجم ثروات الرجل من واقع التقارير الرقابية الصادرة عن منظمات فرنسية في ضوء تورطه في قضايا فساد مالي؛ وتشمل ممتلكاته داخل فرنسا فقط قصرًا بمنطقة جادة فوش يتألف من 100 غرفة ومقتنيات قيمة أخرى بملايين اليوروات، إلى جانب سيارات فارهة أخرى.

مُتنقلًا بين قصوره بالعواصم الأوروبية، عبر طائراته الخاصة، أنفق يودورين ملايين الدولارات على ملابسه التي يرتادها من أزياء العاصمة، وأخرى على العقارات التي توزعت بين أوروبا وواشنطن، والتي يواجه فيها اتهامات مماثلة بغسل الأموال بالولايات المتحدة حيث يمتلك عقارًا يقدر بعشرات الملايين من الدولارات.

لم يترك ابن الرئيس بلدًا دون ترك بصمات فساد مالي فيها، والتي كان آخرها سويسرا، حيث أمرت سلطاتها بمصادرة نحو 11 سيارة فاخرة ورياضية مملوكة لنجل رئيس غينيا الاستوائية، قدرت بنحو مليوني يورو، وذلك في إطار تحقيق أولي في فساد مزعوم؛ ليظل الشاب الأفريقي مُطاردًا من دول أوروبية بتهمة نهب أموال بلاده، في حين تلوذ بلاده بالصمت تجاه ممارساته.

جنوب أفريقيا.. لصاحبها جاكوب زوما ونجله

في فبراير (شباط) العام الماضي، أرغم جاكوب زوما، 78 عامًا، الرئيس السابق لجنوب أفريقيا على تقديم استقالته، وعدم استكمال مدة رئاسته، راضخًا بذلك لأوامر الحزب الحاكم، بعدما واجه أكثر من تصويت بسحب الثقة منه، في ضوء التقارير التي تتحدث عن فساده المالي هو ونجله.

من بين 22 ابنًا وابنة من زيجاته الستة، احتل ابنه دودوزان زوما البالغ 38 عامًا، موقعًا خاصًا لدى والده، كان أبرزها حصوله على عقود عامة للمشاريع حكومية بملايين الدولارات، بطرق غير شرعية، أدت لإهدار الدولة لملايين الدولارات.

وفي السنوات التسعة لحُكم زووما، استغل الابن مع شركائه التجاريين من عائلة جوبتا نفوذ والده رئيسًا لحزب المؤتمر ثم رئيسًا للبلاد، في توسيع حجم استثمارات الشركة التي تتنوع من الإعلام وحتى التعدين؛ فضلًا عن الدفع بعدد من عائلة جوبتا في مناصب وزارية، لتسهيل كافة الأمور الإدارية، واستخدام سلطات والده في الضغط على المسئولين للحصول على امتيازات قُدرت أرباحها بنحو ملايين الدولارات وذلك بطرق غير شرعية.

وتزامن ارتباط نجل زووما بقضايا فساد مالي، مع تزايد الضغوط السياسية على والده لتقديم الاستقالة في ضوء ذلك إلى جانب تورطه في قضايا جنسية، جعل الأول يهرب إلى دبي، ويستقر هناك سنوات طويلة، معولًا على نسيان هذه القضايا، ومؤكدًا في سلسلة مقابلات أن «ضميره مرتاح وإنه لا يعتقد أن ذلك سيكلفه السجن».

مُعتقدًا أن قضيته ذهبت إلى طي النسيان، عاد دودوزان زوما، إلى بلاده، عودة اضطرارية، في نهاية العام الماضي، لحضور جنازة شقيقه، ليكتشف أن السلطات تتبعه؛ ليلقى القبض عليه بعد وصوله، في تهم تتعلق بالفساد المالي، إلى جانب تورطه في حادث سيارة مميت عام 2014، بعدم اصطدمت سيارة تابعة له بأخرى، مما أدى إلى مقتل مواطنة وإصابة أخرى، ولكنه أفلت من العقوبة آنذاك.

ولا يزال دودورزان حبيسًا في بلاده، وممنوعًا من السفر، في ضوء القضايا المفتوحة تجاهه، والتي تؤكد جميعًا استخدامه لنفوذ والده في تكوين ثروات قدرت بملايين الدولارات، بطرق غير شرعية، ووسائل تخالف الدستور والقوانين؛ في بارقة أمل لدول أخرى، تعني أن فساد أبناء الحكام قد لا يمر دومًا دون عقاب.

«قارة المستقبل».. إلى أين وصل صراع الشرق الأوسط على أفريقيا؟

1.5 مليار دولار مكافأة لأحد أبناء الحكام

لأب سنغالي وأم فرنسية تدعى فيفيان واد، ولد كريم واد، في العاصمة الفرنسية باريس، مستكملًا مراحل تعليمه الأساسي والجامعي في كُبرى جامعات فرنسا؛ متنقلًا في العمل بعد ذلك في كُبرى البنوك الاستثمارية في العواصم الأوروبية؛ قبل أن يستهويه نفوذ والده في موطنه الأصلي السنغال، بعدما صعد لمنصب رئيس للبلاد، واستحوذ على كافة السلطات، وبات الرجل الأوحد في الدولة الأفريقية.

Embed from Getty Images

الرئيس السنغالي في لقاء مع بابا الفاتيكان

عقب عامين من صعود الأب إلى السلطة، عاد الابن، فنال نفوذًا سياسيًا واسعًا بعدما استعان به والده في منصب مستشار، مكلفًا بتنفيذ المشاريع الكبرى، ليرتقي بعدها إلى منصب جديد هو رئيس للوكالة الوطنية المعنية بتنظيم القمة الحادية عشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في السنغال، ليكتسب من وراء هذا المنصب سلطات واسعة، ونفوذًا مؤثرًا في صناعة السياسة الخارجية لبلاده، والتمتع بعلاقات قوية مع قادة الدول الأفريقية.

المنصب الأخير أهله للدفع به في منصب الوزير المكلف بالطاقة والتجهيز، مُضافًا إليها ملفات من بينها الاستصلاح الترابي والنقل الجوي والتعاون الدولي؛ ليتحول الابن لظل والده في السلطة، وخليفة مُحتمل له، وحائز على لقب «وزير السماء والأرض» من وسائل الإعلام الأفريقية، في إشارة على نفوذه الواسع.

عزز من ذلك المعلومات التي تحدثت عنها وثائق سرية للسفارة الأمريكية بداكار سنة 2011 سربها موقع «ويكيليكس» عن سعي الرئيس واد لتهيئة كريم لخلافته في السلطة، وهو ما تحايل عليه الأب دومًا بالتأكيد أن من حق كريم الترشح لرئاسة البلاد في المستقبل بوصفه مواطنًا سنغاليًا.

تزامن الصعود السياسي السريع لنجل الرئيس السنغالي السابق مع اتساع دائرة الشبهات حول ثرواته التي كونها خلال سنوات الحُكم، وانكشاف تورطه في قضايا فساد مالي، في وقائع مُحددة أبرزها تهمة أخذ عمولة 15% من كل صفقة تعقدها الحكومة مع أي شركة خصوصية محلية أو أجنبية، إضافة لارتباطه بشركات أجنبية تعمل في البلاد، مثل شركة «موانئ دبي» التي تدير صالة تفريغ الحاويات بميناء داكار، والبنك المغربي، وشركة الخدمات الأرضية بمطار داكار.

مع هزيمة والده في الانتخابات الرئاسية لعام 2012 أمام المرشح ماكي صال -الذي أصبح رئيسًا للبلاد؛ بات كريم مُجردًا من سلطاته ونفوذه السياسي والمالي الذي تباهى به دومًا؛ لتعتقله السلطات على إثر تضخم ثروته التي بلغت نحو 1.4 مليار دولار، بطرق غير شرعية بحسب ملف أعده فريق التحقيق تكون من 2000 صفحة، ليحكم عليه في 23 مارس (آذار) 2015 بالسجن النافذ ست سنوات وبدفع غرامة مالية بقيمة 209 مليون يورو، لإدانته بالإثراء غير المشروع، وإخفاء ثرواته في شركات خارجية تقع في الملاذات الضريبية بجزر فيرجن البريطانية وبنما؛ لتكون من بين قصص فساد أبناء الحكام -القليلة- التي لقت نهاية عادلة.

ابنة زعيم الكونغو أصلحت قصرها بخمسة مليون يورو

في الكونغو، نجد مثالًا آخرًا على فساد أبناء الحكام وبناتهم، ولم يقتصر عليهم، بل امتد إلى زوجاتهم أيضًا. يحظى دنيس ساسو نغيسو رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية بوضع استثنائي، ساعده في البقاء منفردًا على كرسي الحُكم لثلاث عقود متواصلة، بعدما تجاوز كافة العثرات، وتخلص من خصومه السياسيين، ممن شكلوا عقبات رئيسية في طريق بقائه في الحُكم.

في خضم حملته الساعية للتخلص من معارضيه؛ سعى ساسو بشكل أساسي للجم كل من يتحدث عن نفوذ نجلته وزوجها، والتي كانت من أوائل من حققوا ثروات طائلة، ونفوذًا غير مسبوق، جعلها محل انتقاد واسع من جانب المعنيين بتغطية قضايا الفساد.

الحماية التي وفرها رئيس الكونغو لنجلته وزوجها في بلاده من محاكمات قضائية فشلت في أن تستمر خارج بلاده، وتحديدًا فرنسا، بعدما أخضعهما القضاء للتحقيق بتهم تتعلق بـ«غسل الأموال وإساءة استخدام الأموال العامة».

من بين هذه التهم التي أشار لها القضاء هو تكوينها لثروتها بطرق غير مشروعة، والتي سمحت بشراء قصر خاص في العاصمة الفرنسية عام 2006، يتكون من سبع غرف ومسبح داخلي، بقيمة تجاوزت 3 ملايين يورو، وأضيف عليه 5.34 مليون يورو لعمليات إصلاح في القصر تمت بين عامي 2007 و2011 إلى جانب عدة ممتلكات أخرى وعشرات السيارات الفاخرة.

10 ملايين قتيل وأمة مدمرة.. تاريخ استعمار بلجيكا للكونغو البلد الأصلي لـ«لوكاكو»

 

 

المصادر

تحميل المزيد