لقرون مضت بُنيت حضارات العالم الأول بسواعد أبناء القارة السمراء ومواردها التي لا تنضب، في البدء كانت العبودية والاستعمار هما عنوان العلاقة بين المستعمر الأوروبي وأفريقيا، فإذا انقضى ذلك العهد بقيت قوانين العنصرية تضع فواصلًا بين مراتب البشر وفقًا لأعراقهم، وحين انتهى زمن العنصرية ظل الاستغلال عنوان العلاقة بين هذا العالم وذاك، استغلالًا يضع المصلحة المادية للعالم الغربي فوق كل اعتبار، حتى لو كان ذلك الاعتبار دماء وأرواح أبناء القارة الأفريقية كما يخبرنا فيلم الماس الدموي على سبيل المثال. 

وخلال عقود مضت بدأت مساعي الدول الأفريقية لبناء تكتلات اقتصادية توجّه خيرات القارة لصالح أبنائها، وخرجت أول بلورة لفكرة التكامل والاندماج بين التجمعات الاقتصادية الأفريقية في «خطة عمل لاجوس» سنة 1980، ثم في «معاهدة أبوجا» سنة 1991 بهدف إنشاء «المجموعة الاقتصادية الأفريقية»، وهي المعاهدة التي انبثق منها في سنة 2012 فكرة إطلاق منطقة تجارية حرة والوصول إلى الاتحاد الجمركي بين دول القارة، وذلك أثناء القمة التي انعقدت في أديس أبابا بعنوان «تعزيز التجارة البينية في أفريقيا»، وفي شهر يوليو (تموز) من العام الجاري بدأ الاتحاد الأفريقي أخيرًا الخطوات العملية لتأسيس منطقة تجارة حرة قارية.

كان الوصول لاتفاقية اقتصادية موحدة عملًا شاقًا خاصة أن أفريقيا قارة تشتتها النزاعات والحروب الأهلية والديكتاتوريات العسكرية الحافلة بالانقلابات، فكيف خرجت الاتفاقية إلى النور أخيرًا؟ وما هي ملامحها والمكاسب المنتظرة منها؟ والعقبات التي تواجهها؟ وما هي أبعادها الأخرى بخلاف البُعد الاقتصادي؟ تلك أسئلة نتناولها في هذا التقرير.

أضعف عملات أفريقيا.. بين «حلم» الوحدة الاقتصادية و«كابوس» الركوع أمام الدولار

 

ماذا تتوقع أفريقيا من اتفاقية التجارة الحرة؟

تعتبر اتفاقية التجارة الحرة جزءًا من أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي، وقد خرجت الاتفاقية إلى النور لأول مرة في مارس (آذار) 2018 حينما وقع عليها قادة 44 دولة أفريقية بشكل مبدئي، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا إلى 54 ليشمل جميع دول القارة، ما عدا إريتريا التي لا زالت تدرس الاتفاقية، ويُعد توقيع رؤساء الدول على الاتفاقية خطوة مبدئية تستلزم بعد ذلك مصادقة برلمان كل دولة ليكون انضمامها رسميًا، وقد وضع الاتحاد الأفريقي حدًا أدنى 22 دولة ينبغي أن تصدق على الاتفاقية بشكل نهائي ليبدأ العمل بها.

أصبحت الاتفاقية رسمية في مايو (أيار) الماضي بعدما بلغ عدد الدول المصدقة عليها 22 دولة، ثم ارتفع العدد إلى 27 دولة قبل انعقاد القمة الأفريقية في نيامي شهر يوليو الماضي، وهي القمة التي أطلق الاتحاد الأفريقي فيها «المرحلة التشغيلية» لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، في خطوة اعتبرها «تاريخية نحو السلام والازدهار».

ويسعى الرؤساء الأفارقة لأن تكون المنطقة التجارية جاهزة للعمل بحلول يوليو 2020، وتُلزم الاتفاقية غالبية الدول بخفض الرسوم الجمركية بنسبة 90% بشكل تدريجي على مدار خمس سنوات، باستثناء الدول المدرجة على لائحة الأمم المتحدة للدول الأقل نموًا والتي سيكون أمامها 10 سنوات لخفض الرسوم، وتزداد المهلة إلى 15 سنة لمجموعة أخرى من الدول نظرًا لظروفها الاقتصادية المتردية، ولا تشمل المهل الزائدة أي من الدول العربية في أفريقيا.

وتضم أفريقيا بالفعل أربعة تكتلات اقتصادية تشكل خليطًا من المناطق التجارية المتنافسة والمتداخلة، وهي «مجموعة شرق أفريقيا (ايك)» و«مجموعة غرب أفريقيا (إيكواس)»، و«مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك)»، و«السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا)»، ومن المفترض أن تنضم تلك التكتلات تحت لواء الاتفاقية الجديدة.

Embed from Getty Images

الحفل الافتتاحي لخطة عمل التنمية  والفرص الأفريقية في أبيدجان

من المنتظر كذلك أن تعالج الاتفاقية بشكل كبير مشكلة انخفاض التعاون الاقتصادي بين دول القارة، حيث تبلغ نسبة التجارة البينية بين دول القارة 16% فقط من تجارتها الخارجية، بينما تبلغ النسبة نفسها 59% بين دول آسيا، و68% بين دول أوروبا، ويتوقع الاتحاد الإفريقي أن ترتفع نسبة التجارة البينية في القارة إلى 60% بحلول عام 2022، وأن ترتفع معدلات التنمية الصناعية والنمو الاقتصادي لدولها. 

ويتجاوز الناتج المحلي السنوي لدول أفريقيا 3 تريليون دولار، وهو الاقتصاد الذي ستعمل على تنظيمه الاتفاقية التي تُعد أكبر اتفاقية تجارية من حيث عدد الدول التي تشملها بعد اتفاقية التجارة العالمية، ويفترض أن يشمل تأثيرها جميع سكان القارة البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة، وتتنافس عدة دول على استضافة مقر المنطقة الحرة، أبرزها مصر في شمال القارة، وكينيا في شرقها، وغانا في الغرب، ودولة إي سواتيني (سوزايلاند سابقًا) في الجنوب، وتعد مصر وكينيا هما الأوفر حظًا في المنافسة لاحتوائهما بالفعل على مقار هيئات إفريقية وأممية أخرى.

«لنفتح الحدود ونحارب الإرهاب»

تندرج عدد من البروتوكولات والملحقات تحت مظلة اتفاقية التجارة الحرة، منها إنشاء مؤسسات مالية مثل «البنك المركزي» و«صندوق النقد» الأفريقيين، وبروتوكول تسوية المنازعات الذى يهدف إلى توضيح القواعد والإجراءات المتعلقة بتسوية المنازعات، لكن البروتوكول الأهم قد يكون بروتوكول حرية حركة الأشخاص، الذي سيجري تطبيقه تدريجيًا على ثلاث مراحل، وفقًا لخطة تتضمن إصدار جواز سفر أفريقي موحد لسكان القارة.

وفي إطار السعي لتحقيق خطط الاتفاقية، طالب الاتحاد الدول الموقعة بالتصديق على سوق موحد للنقل الجوي أو ما يعرف بـ«مبادرة السماوات المفتوحة»، كما يجري العمل أيضًا على مشاريع بنية تحتية تشمل طرقًا برية وسككًا حديدية وموانئ بحرية، بعضها أوشك على الانتهاء بالفعل مثل الطريق البري الذي يصل بين الإسكندرية في أقصى شمال القارة وكيب تاون في أقصى الجنوب، وكذلك محوريْ «مومباسا – نيروبي»، و«نادجامينا – داكار».

وعلى هامش الاتفاقية تسعى دول مجموعة الساحل (مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وموريتانيا، وتشاد) إلى الحصول على دعم الدول الأفريقية والأمم المتحدة للتصدي للهجمات الجهادية التي تواجه صعوبة في منعها بسبب نقص الموارد، وتشكل تلك الدول قوة مشتركة للتصدي للهجمات المسلحة، فيما يدعو رئيس النيجر، محمد إيسوفو، إلى «إقامة تحالف دولي للتصدي للإرهاب في الساحل وبحيرة تشاد على غرار التحالف الذي شكل ضد داعش في الشرق الأوسط».

لكن الطريق  ليس مفروشًا بالورود

لم يكن الطريق إلى الاتفاقية سهلًا رغم ذلك، في البداية رفضت نيجيريا وجنوب أفريقيا التوقيع تخوفًا من أن تؤدي الاتفاقية إلى تقويض الصناعة ورجال الأعمال المحليين، ومثّل ذلك تهديدًا لنجاح الاتفاقية حيث تعد الدولتين من أكبر 3 اقتصادات بالقارة إلى جانب مصر، وتشكّل الدول الثلاث وحدها 50% من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا، لكنهما انضما في وقت لاحق وكانت نيجيريا آخر الموقعين على الاتفاقية بعد بدء سريانها بشكل رسمي بعدما اكتملت الدول المصدقة عليها 22 دولة.

بالإضافة إلى ذلك أشار مسؤولون إلى عدم التوصل إلى حل لبعض القضايا الأساسية حتى الآن خاصة فيما يتعلق بقواعد المنشأ لعدد من القطاعات مثل قطاع النسيج وقطاع السيارات، ويرى مفوض الاتحاد الأفريقي للتجارة والصناعة، ألبرت موشانجا، أن التنفيذ «سيكون صعبًا جدًا، فالوضع الحالي ليس جيدًا لأفريقيا، لدينا 55 دولة متناثرة؛ وهذا يجعلها صغيرة وضعيفة في النظام العالمي، لكنني أعتقد أن لدينا القدرة».

Embed from Getty Images
ميناء كازابلانكا في المغرب

ومن التحديات التي تواجهها الاتفاقية أيضًا هي النسبة المنخفضة التي يساهم بها قطاع الصناعة في الاقتصاد الأفريقي، والتي تشكل 10% من إجمالي الناتج المحلي للقارة ويقول موشانجا إنه «إذا استمر الوضع الحالي قائمًا، فسيكون لدى أفريقيا في الواقع آفاق تنمية متدنية للغاية»، كما تواجه القارة مشكلة استمرار الصراعات الداخلية والنزاعات المسلحة التي يراها مراقبون أبرز العقبات أمام تحقيق الاتفاقية، ويسعى الأفريقي لوقف النزاعات المسلحة بحلول 2020، فيما يعتبر مراقبون تحقيق ذلك صعبًا خلال عام واحد، لكنهم يؤكدون أيضًا على ضرورة حل النزاعات لنجاح الاتفاقية.

ويواجه بروتوكول حرية الحركة كذلك معارضة من بعض الدول مثل الجزائر التي قال رئيس وزرائها السابق أحمد أويحيى إن الجزائر «أجلت التوقيع على البروتوكول حتى لا تفتح المجال أمام الهجرة غير الشرعية، لكنها تتمسك بالتزامها في مساعدة اللاجئين القادمين إليها إنسانيًا»، كما توضح النقاشات داخل الاتحاد الأفريقي حجم تخوف بعض الدول من المخاطر الأمنية، وأن تؤدي حرية الحركة إلى تسهيل عمليات الحركات المسلحة والإرهابية.

ويرى باحثون أن هناك أزمة ثقة كبيرة بين الدول الأفريقية، وهو ما أدى إلى عدم البدء بتنفيذ بروتوكول حرية الحركة والمعاهدة التي تسمح لشركات الطيران في الدول الأعضاء بالوصول المجاني إلى مطارات بعضها البعض، رغم تصديق أكثر من 20 دولة على بنودها، كما عبّر الباحث الإثيوبي ديسو ماريسا عن تشاؤمه بشأن خطة إنشاء شبكة عالية السرعة لربط السكك الحديدية الوطنية في 54 دولة أفريقية، قائلًا: إنه لا يتوقع تنفيذها في المستقبل القريب.

ثمة تحدٍ آخر آتٍ من خارج القارة، وهو ما يخص علاقتها بالقوى الدولية وخاصة القوى الاستعمارية السابقة، حيث يرى بعض الخبراء أن إحدى مشاكل اقتصاد أفريقيا هي تبعية أسواقها لأسواق رأسمالية عالمية خارجية، وأنها خاضعة لسيطرة قوانين العولمة ومبادئها ومواقفها، ويتخوف البعض من رغبة تلك القوى في إبقاء دول أفريقيا على ما هي عليه دون تنمية أو تطور، لما في ذلك من خدمة لمصالحها وأهدافها التوسعية.

لكن بعض المصادر تشير إلى دعم الصين – التي تستثمر في أفريقيا بنحو 150 مليار دولار – للاتفاقية، وأنها لعبت دورًا هامًا كوسيط مستخدمة نفوذها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي للموافقة عليها، ويرى مسؤولين أفارقة أن الدول الأفريقية يمكنها أن تستغل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لصالحها، لتحقيق أكبر استفادة ممكنة لتطبيق الاتفاقية والتغلب على مشاكل قصور الدعم الدولي للاتفاقية.

حلم مانديلا الذي أصبح كابوسًا.. هل تخسر جنوب أفريقيا ريادتها في القارة السمراء؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد