أفريقيا معروضة للبيع بالهكتار ولأعلى سعر. ولكن كيف يمكن تبرير صادرات الأرز من إثيوبيا إلى المملكة العربية السعودية؟

جذب الاستيلاء على الأراضي الاهتمام العالمي. فالأمر كان مدرجًا على قائمة جدول أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد الشهر الماضي، وبما أن الاتجاه نحو الاستحواذ على الأراضي تتسارع وتيرته، فقد تحول من كونه قصة تدفق أموال البترول من الشرق الأوسط نحو أفريقيا، إلى ظاهرة تنتشر على نطاق أوسع من ذلك بكثير وتؤثر على أجزاء كثيرة من جنوب شرق آسيا، مثل الفلبين وكذلك أمريكا اللاتينية.

في كمبوديا، تم بيع 15٪ من الأراضي إلى الشركات الخاصة منذ عام 2005، ثلث تلك الشركات كانت أجنبية. وقد كشفت مجموعة جديدة من الدراسات البحثية صادرة عن التحالف الدولي للأراضي عن أن المنافسة على الاستحواذ على الأراضي تتزايد على مستوى العالم وبشكل غير متكافئ.

إن العديد من تلك الصفقات يجري في سرية تامة، وبالتالي فإن حجم ما يحدث ليس واضحًا، كما أنه ليست واضحًا من الذي يستفيد من هذه الصفقات؛ وقد سعت عدة تقارير جديدة لإثارة هذه القضايا، مثل تقرير تحليل العقد القانوني الصادر عن المعهد الدولي للبيئة والتنمية والذي جرى نشره يوم الاثنين (مايو 2014).

ليس من الصعب إدراك لماذا يولد هذا الموضوع الكثير من الاهتمام. الأمر يعود في جزء منه إلى عنصر السرية، وفي جزء آخر على الخوف: من الذي يشتري المستقبل؟ إن عمليات شراء الأراضي على نطاق واسع تبرز بوضوح تام المستقبل البائس الذي يجري فيه استبعاد الملايين من الجياع من أرض أجدادهم عبر الأسوار والأسلاك الشائكة وحراس الأمن، في الوقت الذي يجري فيه تصدير المواد الغذائية لإطعام العالم الغني.

لم يعد هذا مجرد خوف من المستقبل. يشير خبير البيئة الأمريكي ليستر براون في كتابه الجديد “العالم على حافة الهاوية” أنه في عام 2009 تلقت المملكة العربية السعودية أول شحنة من الأرز المنتج على الأرض التي استحوذت عليها في إثيوبيا، في الوقت الذي كان فيه برنامج الأغذية العالمي يقوم بإطعام 5 ملايين إثيوبي. وبالمثل في جمهورية الكونغو الديمقراطية، استحوذت الصين على 7 ملايين هكتار لإنتاج زيت النخيل ومع ذلك فثمة الملايين من الناس في جمهورية الكونغو الديمقراطية يعتمدون على المساعدات الدولية للأغذية.

يحذر براون من أن “الاستيلاء على الأرض هو جزء لا يتجزأ من صراع القوى العالمية على الأمن الغذائي”. يقول إن الجغرافيا السياسية هيمن عليها لعدة قرون مسألة الوصول إلى الأسواق، ولكن في المستقبل سيتم الاستعاضة عنها بالأهمية المتزايدة لتوفير الإمدادات. تقوم البلدان المستوردة للغذاء بتأمين إمداداتها من الغذاء، ويدرك جميعنا أيضا أن البلدان المصدرة يمكنها فرض حظر على التصدير لتلبية احتياجاتهم. ففي عام 2007 فرضت كل من روسيا والأرجنتين، وهما دولتان رئيسيتان مصدرتان للحبوب، حظرًا على الصادرات مما أثار موجات من الذعر في جميع أنحاء العالم، والتي ربما لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج صفقات الاستحواذ على الأراضي.

تركز الكثير من الاهتمام حتى الآن على أفريقيا. ومعظم الصفقات الكبيرة تمت في بلدان مثل إثيوبيا ومالي والسودان. كما شهدت دولة جنوب السودان المستقلة حديثًا اصطفاف المستثمرين لاستغلال واحدة من المناطق التي تشتد فيها احتمالات تنمية الأراضي الزراعية في دولة نامية. وبالمقارنة مع مناطق أخرى كثيرة من العالم، فإن الأراضي في أفريقيا رخيصة جدًا، حيث يمكن تأجيرها في إثيوبيا مقابل أقل من 1 دولار للفدان.

تستحوذ الصين على الأراضي بأسرع معدل، ولكن كوريا الجنوبية ليست بعيدة عن هذا الركب. فقد خصصت الآن وكالة لإبرام صفقات مباشرة مع المزارعين وملاك الأراضي لتأمين إمداداتها.

إن العديد من الحكومات الأفريقية تدافع عن تلك الصفقات. فمن المتوقع أن يتحدث الرئيس الاثيوبي ملس زيناوي حول هذا الموضوع في منتدى دافوس هذا الأسبوع (مايو 2014)؛ وكان قد جادل في الماضي بأن الاستثمار في الزراعة في أفريقيا أمر حاسم لتحسين الإنتاجية الزراعية المنخفضة في القارة. وأضاف بأن المستثمرين الأجانب يجلبون الآلات والخبرات وهو أمر حيوي للتنمية. ويوافق العديد من النشطاء على أن هناك حاجة ماسة للاستثمار، ولكنهم يصرون على أن مستقبل الزراعة الأفريقية ليس في استخدام الآلات الزراعية ولكن في دعم المزارعين الصغار بشكل دائم. يقولون أن الشق الأخير من المرجح أن يضمن الأمن الغذائي لأفقر ساكني القارة.

بعض صفقات الأراضي تلك يزعم أنها تهدف إلى تلبية احتياجات أصحاب الأراضي الصغيرة وجلب الاستثمار في نفس الوقت. يقول الكاتب أنه عندما زار مالي مؤخرًا، أخبره عدد من النشطاء المحليين أن “مشروع تحدي الألفية” قد استثمر في عمليات الري الضرورية وجرى تدريب المزارعين المحليين.

ولكن هذا المثال الصغير اندثر أمام القلق البالغ في مالي بسبب قيام المستثمرين الأجانب باستئجار مئات الآلاف من الهكتارات في بلد عدد سكانه آخذ في التوسع وتتقلص فيه مساحة الأراضي الصالحة للزراعة مع توسع الصحراء. يشير الكاتب إلى أن المشكلة الحقيقية هنا ليست صفقات الأراضي بقدر ما تكون صفقات الماء. فما يدفع نحو الاستيلاء على الأراضي هو ندرة المياه. لقد اعتادت السعودية إنتاج الكثير من القمح، لكن تراجع طبقات المياه الجوفية بها هو ما يجبرها على النظر إلى الخارج لتأمين الغذاء في المستقبل.

إن تأجير وشراء الأراضي كان يهدف دومًا إلى الحصول على المياه، وقد يكون ذلك مصدرًا رئيسيًا للصراع في المستقبل في أجزاء كثيرة من أفريقيا. يغذي كل من السودان وإثيوبيا نهر النيل بالمياه؛ وقد يؤدي تكثيف الإنتاج في هذه المناطق إلى تحويل وجهة المياه. وقد شمل عقد الإيجار الليبي لمائة ألف هكتار في مالي بناء سد ضخم وتحويل المياه من نهر النيجر، وهو نهر تعتمد عليه عدة بلدان بما في ذلك النيجر ونيجيريا.

فما الذي يمكن عمله؟ اقترح البنك الدولي صياغة مبادئ توجيهية لهذا النوع من الصفقات، ولكنه يفتقد إلى وسيلة لإنفاذها. العديد من النشطاء مثل المنظمات غير الحكومية الدولية الخاصة بالحبوب تعمل مع الجماعات في البلدان المتضررة الذين يطالبون بالمساءلة والشفافية من حكوماتهم. يقول الكاتب أنه سمع في مالي كيف تحدت منظمة التنسيق الوطني للفلاحين الحكومة بشجاعة، ولكن كان من غير الواضح إلى أي مدى حققت النجاح في التحقق من وتيرة استملاك الأراضي.

هذه الظاهرة تعكس بشكل صارخ جدًا عجز المزارعين من أصحاب الأراضي الصغيرة في جميع أنحاء العالم. فهم يفتقرون إلى الحق الرسمي في ملكية الأراضي أو الوصول إلى السلطة السياسية في بلدانهم والتي تمكنهم من ضمان تحقيق هذه الصفقات لمصالحهم. ولكن بدلًا من ذلك، يباع مستقبل أطفالهم فوق رؤوسهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد