لعقود طويلة عانت الكثير من الدول الأفريقية من الاحتلال العسكري الفرنسي، وبعد استقلال هذه الدول في منتصف القرن العشرين تقريبًا، لم ينته الاحتلال بشكل كامل، فلم تخرج فرنسا من مستعمراتها السابقة دون أن تضمن تبعية هذه الدول لها سياسيًا واقتصاديًا بشكل أو بآخر.

من بين وسائل فرنسا للسيطرة على اقتصاد هذه الدول الأفريقية عملة «الفرنك الأفريقي» (CFA)، الذي بدأ العمل به في 26 ديسمبر (كانون الأول) عام 1945، وتتعامل به 14 دولة أفريقية تضع احتياطاتها النقدية وفوائضها المالية – إن وجدت – في البنك المركزي الفرنسي، مقابل الحصول على عائد متدنٍّ وأسعار فائدة هزيلة للغاية، بدلًا عن استثمار هذه الأموال في الداخل.

من بين الدول التي تتعامل بالفرنك الأفريقي 12 دولة كانت سابقًا مستعمرات فرنسية، بالإضافة إلى «غينيا بيساو» التي كانت محتلة من البرتغال، و«غينيا الاستوائية» التي كانت محتلة من إسبانيا، وقد تم إنشاء هذه العملة بُعيد الحرب العالمية الثانية لتمكين المستعمرات الفرنسية من تصدير بضائعها إلى الدول الأوروبية. 

دولي

منذ 8 شهور
«تسقط فرنسا».. لماذا تتصاعد المشاعر المعادية لباريس في أفريقيا؟

ما هو «فرنك المستعمرات الأفريقية الفرنسية»؟

تم إقرار تعامل هذه الدول بالفرنك الأفريقي في اليوم الذي صادقت فيه فرنسا على اتفاقيات «بريتون وودز»، وتم إعلانه في صندوق النقد الدولي تحت اسم «فرنك المستعمرات الأفريقية الفرنسية»، وبضمان الفرنك الفرنسي، ووزارة الخزانة الفرنسية، وكان مرتبطًا بالفرنك الفرنسي، ثم أصبح مرتبطًا باليورو حاليًا.

ومن الناحية العملية، فإن الفرنك الأفريقي عبارة عن عملتين تخدمان منطقتين مختلفتين، وتملكان بنكين مركزيين منفصلين، ولكن المنطقتين تعملان معًا كمنطقة اقتصادية وتجارية واحدة.

تضم منطقة الفرنك الأفريقي دول مجموعتي غرب ووسط أفريقيا:

(1) فهناك «فرنك غرب أفريقيا (CFA)»، وهو عملة الدول الثمانية المستقلة في غرب أفريقيا: بنين، وبوركينا فاسو، وغينيا بيساو، وساحل العاج، ومالي، والنيجر، والسنغال، وتوجو.  

(2) وهناك «فرنك وسط أفريقيا (XAF)» ويستخدم في البلدان الستة الأعضاء في التجمع النقدي والاقتصادي لأفريقيا الوسطى هي: الكاميرون، أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية، الجابون. 

وعلى الرغم من أن قيمة الفرنك المتداول في وسط أفريقيا يساوي الفرنك المتداول في غرب أفريقيا، إلا أنه لا يمكن استعمال عملة دول وسط أفريقيا في دول غرب أفريقيا وبالعكس.

انتفاضة غرب أفريقيا ضد الفرنك الأفريقي

في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبعد نحو 75 عامًا من هذه التبعية الاقتصادية، قررت ثمانية دول من بين الأربعة عشر دولة سحب احتياطاتها النقدية لعملتها الفرنك الأفريقي (CFA) من المصرف المركزي الفرنسي، الأمر الذي توقع مراقبون أن يكون له تداعيات سياسية، وإن نُفذ فعلًا سيشكل ضربة للاقتصاد الفرنسي.

وفي تصريحات لـ«إذاعة فرنسا الدولية (إر إف إيه)»، قال رئيس دولة بنين، باتريس تالون: إن خطوة سحب ثماني دول من غرب أفريقيا احتياطاتها الأجنبية من فرنسا تم الاتفاق عليها بالإجماع بين تلك الدول وهي: بنين، وتوغو، وبوركينا فاسو، ومالي، وكوت ديفوار، والنيجر، وغينيا بيساو، والسنغال.

كما عبر عدد من قادة بلدان مجموعة غرب أفريقيا عن انفتاحهم على تبني عملة أخرى بدلًا عن الفرنك الأفريقي، وهو ما أطلق جدلًا واسعًا في أفريقيا وفرنسا حول مستقبل هذه العملة، وتتطلب هذه التغييرات عملية معقدة على المستويات الاقتصادية، والسياسية، والدبلوماسية على حد سواء.

هذا التطور يشير إلى أن بعض حكومات الدول الأفريقية بدأت تتنبه إلى مخاطر إيداع احتياطيات دولها الأجنبية في بنوك المستعمر القديم، خاصة مع تكرار الأزمات الاقتصادية والمالية، وباتت ترفض علنا تحكم مؤسسات الاستعمار المالية والمصرفية في اقتصادها الوطني، خاصة أن تلك المؤسسات لا تضع مصالح دول القارة الأفريقية ومواطنيها واقتصادياتها في حسبانها.

وتعليقًا على هذه التطورات، يرى «نويل ماغلوار ندوبا»، الخبير الاقتصادي الكونغولي والمستشار والعميد السابق لكلية العلوم الاقتصادية في برازافيل، أن تغيير مكان وضع احتياطيات هي مسألة سياسية ورمزية قبل كل شيء، متسائلًا: «لماذا لا تودع هذه الاحتياطيات في مصرف مركزي أفريقي؟ نحن في القرن الحادي والعشرين، وعلى أفريقيا تولي إدارة مصرفها المركزي وعملتها».

رد الفعل الفرنسي حتى الآن جاء عبر كلمات مقتضبة على لسان وزير الاقتصاد والمال «برونو لومير» الذي قال إنه لم يصل إلى وزارته «تقديم مقترحات أو فرض أي شيء بهذا الشأن حتى الآن»، مضيفًا أنه «إذا كانت غالبية من الدول الأعضاء تريد التقدم باتجاه إصلاح طموح فسنرد بنعم»، دون أن يصدر أي رد فعل مباشر على اقتراح رئيس بنين.

دول وسط أفريقيا تلحق بغربها

بعد ذلك القرار التاريخي لدول غرب أفريقيا بأسبوع واحد، وفي يوم الجمعة 22 نوفمبر الماضي، عُقِدَت قمة استثنائية للمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا، التي تضم ست دول، برئاسة رئيس الكاميرون بول بيا الذي صرح بأن «مستقبل الفرنك الأفريقي كان أهم القضايا التي نوقشت على جدول أعمال رؤساء الدول المجتمعين في جلسات مغلقة».

وأضاف أن «العملة الموروثة عن الاستعمار تسبب انقسامًا بين الاقتصاديين ورؤساء الدول في منطقة الفرنك الأفريقي. وإن عددًا من خبراء المال يرون في هذه العملة عقبة أمام التنمية». هذه القمة الاستثنائية أشارت في مضمونها إلى أنه قد جاء دور بلدان وسط أفريقيا، بعد غربها، للنظر في جدوى هذه العملة التي ترى أنها «موروثة من الاستعمار».

وأوضحت رئاسة الكاميرون أن الذين يؤيدون الإبقاء على الفرنك الأفريقي يطرحون حجة الاستقرار الذي تؤمنه هذه العملة في مواجهة المضاربات، بينما تتفق معظم الآراء على أن من مصلحة دول القارة إعادة أموال الاحتياطي النقدي إلى الداخل لتوفير فرص عمل لمواطنيها والحد من البطالة وتمويل مشروعات التنمية والخدمات العامة، ومنها مدّ شبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات.

تاريخ الانتفاضة ضد الفرنك الذي أفقر أفريقيا

انتفاضة دول غرب ووسط أفريقيا ضد التعامل بالفرنك الأفريقي ليست جديدة، بل ترجع جذورها إلى عقود طويلة خلت، وما ظهر من تصريحات حتى الآن يبدو أنه الجزء الظاهر من جبل الجليد فقط، فمنذ فترة الستينات من القرن الماضي والأصوات تتصاعد ضد استخدام الفرنك الأفريقي وكان معظمها من قبل أحزاب اليسار والمعارضة.

وخلال السنوات القليلة الماضية تصاعدت وتيرة المطالبة بفك الارتباط مع اليورو والتوقف عن استخدام الفرنك الأفريقي، ولكن جاء الرفض هذه المرة من مسؤولين ومؤسسات حاكمة وجهات اقتصادية عديدة في المنطقة.

وأبرز التصريحات الرافضة لاستخدام هذا الفرنك الموروث عن فترة الاستعمار جاءت على لسان الرئيس التشادي، إدريس ديبي، في 11 أغسطس (آب) 2015، في خطابه أثناء الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين لاستقلال تشاد عن فرنسا.

وقال ديبي في خطابه «يوجد لدينا الفرنك المضمون من قِبل الخزانة الفرنسية، لكن هذه الأموال هي أموال أفريقية، وطالما أن هذه أموالنا ينبغي علينا الآن أن نفكِّر في استخدام عُملة تسمح لجميع الدول التي تستخدم الفرنك الأفريقي بالنمون وأن نراجع الشروط المجحفة في اتفاقية استخدام الفرنك التي تجر الاقتصاد الأفريقي إلى الأسفل».

وفي يوليو (تموز) 2015 عقد في باريس اجتماع لوزراء مالية منطقة الفرنك الأفريقي مع وزير المالية الفرنسي، وبحسب صحيفة «لوموند» فقد شهد هذا اللقاء تهديدا من قِبل دول مجموعة الفرنك الأفريقي بفكِّ الارتباط مع اليورو في حال ظلت فرنسا تصر على حجم ودائع النقد الأجنبي المرتفع الذي يمثل استنزافًا لمدخرات وودائع دول المنطقة، وتعتبره الدول الأفريقية عقبة أمام تطورها.

خسائر دول القارة السمراء من وراء «الفرنك الأفريقي»

يومًا بعد آخر، يكاد يتفق الاقتصاديون الأفارقة على ضرورة فك الارتباط بين دول منطقة الفرنك الأفريقي واليورو، والتوجه لإقرار عملة موحدة جديدة لهذه الدول، أو قرار عملة خاصة بكل دولة؛ بسبب للدور السلبي الذي لعبه الفرنك الأفريقي في تراجع النمو  الاقتصادي لدول المنطقة.

وقد تسبب العمل بالفرنك الأفريقي طوال هذه العقود السبعة في كبح معدلات التنمية للدول التي تتعامل به وشكل حاجزًا مانعًا أمام كل محاولات الخروج عن الهيمنة الاقتصادية الفرنسية.

ويتداول اقتصاديون توصيات بضرورة أن تكون لكل دولة عملتها المحلية حتى تنضج الظروف المحلية والإقليمية لقيام اتحاد نقدي بشكل حقيقي يخدم مصالح دول المنطقة، وذلك بالرغم من التوقعات التي تتنبأ بحدوث تضخم وتدني قيمة العملة المحلية عند الإقدام على فك الارتباط مع اليورو، إلا أن ثمار الاستقلال الاقتصادي لهذه الدول ستكون أجدى على المدى المتوسط والبعيد.

كما أن حقيقة ارتباط الفرنك الأفريقي بعملة قوية يعوق من القدرة التنافسية للصادرات الأفريقية ويشبه الضريبة على تلك الصادرات، بينما يفتح الباب واسعًا أمام الواردات الفرنسية بمكاسب باهظة للفرنسيين.

 

المصالح التي جنتها فرنسا من وراء «الفرنك الأفريقي»

رغم ضخامة السوق الأفريقية، وبالرغم من أن منطقة الفرنك الأفريقي أقدم الاتحادات النقدية في العالم حيث يتجاوز عمرها سبعة عقود، إلا أنه الأضعف من بينها لاعتبارات عديدة أهمها ارتباط الفرنك الأفريقي باليورو وهو ما يصب في مصلحة فرنسا والدول الأوروبية أكثر منه في مصلحة الدول الأفريقية.

وذلك يرجع إلى أن هذه التبعية الاقتصادية تجعل دول منطقة الفرنك الأفريقي رهينة للسياسات النقدية التي يقررها البنك المركزي الفرنسي، والتي تعطي الأولوية للاقتصاد الفرنسي عن اقتصادات القارة الأفريقية التي تنظر باريس إليها على أنها حديقة خلفية واسعة لها تمنحها كنوزها وثرواتها دون مقابل.

كما أن حجم ودائع النقد الأجنبي التي تلتزم دول منطقة الفرنك الأفريقي بإيداعها لدى البنك المركزي الفرنسي يجعل دول المنطقة تخسر الاستفادة من عشرات المليارات من اليورو سنويًّا في الوقت الذي تستفيد فيه فرنسا من هذه المليارات وتوظِّفها في سد عجزها والاستفادة من فوائدها الضخمة.

فضلًا عن ذلك فإن الشركات الفرنسية الكبرى من أبرز المستفيدين من ربط الفرنك الأفريقي باليورو، وذلك على حساب الشركات المحلية الأفريقية بسبب غياب المنافسة وعدم تطبيق معايير السوق الحر الذي طالما دعت إليه فرنسا ذاتها.

هناك أيضًا نقطة مهمة تتمثل في أن الأمر لا يقتصر على إيداع الاحتياطات النقدية لهذه الدول في البنك المركزي الفرنسي وفقط، بل إن هذا الوضع غير الطبيعي يجعل المسؤولين الفاسدين وكبار الجنرالات والوزراء ورجال الأعمال حين يهربون أموالهم يتجهون مباشرة إلى البنوك الفرنسية، وهو ما جعل دول منطقة «الفرنك الأفريقي» تخسر سنويًا عشرات المليارات المهربة؛ مما يحرم الأسواق المحلية لدول المنطقة من هذه الأموال التي كان يمكن استخدامها لتمويل المشروعات التنموية.

وبدلًا عن ذلك تستفيد من هذه الأموال فرنسا عبر تدويرها في مشروعاتها وخططها الاقتصادية. لكن على أية حال فإن الخطوات التي اتخذتها دول أفريقية مؤخرًا للتخلص من هذه العملة المكبلة لاقتصادها هي خطوات مهمة جدا في اتجاه تحقيق الاستقلال الاقتصادي وفق أغلب الخبراء الاقتصاديين هناك.

تأثير إلغاء الفرنك على الاقتصاد الفرنسي

بعد عقود طويلة من الفقر والبطالة وتراكم الديون، أدركت أفريقيا أن مصلحتها تكمن في مواجهة الاحتلال الاقتصادي الذي لم تتحرر من تبعاته بعد، والابتعاد اقتصاديًا وماليًا عن المستعمر السابق الفرنسي الذي لا يزال يصر على التربص بثروات دول القارة حتى الآن.

ويرى خبراء أنه إن تمت الخطوة التي أعلن عنها رئيس بنين بسحب الاحتياطات النقدية لدول منطقة الفرنك الأفريقي من البنك المركزي الفرنسي، فإنها ستشكل ضربة قوية للاقتصاد الفرنسي الذي يعاني أصلًا من مشاكل وأزمات مالية، واتساع فجوة في الدخل بين الأثرياء والفقراء، حيث يملك 1% من الأثرياء حصة 20% من ثروة فرنسا، بينما تتزايد الأزمات الاقتصادية التي تمثل أبرز ملامحها في زيادة الأسعار وتدني الأجور؛ مما دفع عشرات الآلاف من الفرنسيين للخروج للشارع والتظاهر لفترات طويلة كما فعلت حركة «السترات الصفراء».

كل هذه الأسباب، إضافة إلى حجم استفادة فرنسا من وراء احتكار التحكم في الفرنك الأفريقي والسيطرة على أموال دول منطقة الفرنك الأفريقي، سيجعلها حريصة على إحباط أية محاولة لفكِّ الارتباط بين الفرنك واليورو بشتى السبل، فهل ستنجح مساعي الدول الأفريقية في تحقيق الاستقلال الاقتصادي عن فرنسا بعد نيلها استقلالها العسكري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد