يناير 2015    

يجلس (باتريك كريستيان كارجبو) بوجهه شديد السمرة في مواجهة الكاميرا حاكيًا ما حدث منذ سنوات عديدة، لقد قتل والداه في حرب سيراليون الأهلية وربته جدته في قرية صغيرة، وما يمكنك أن تفعله هنا لا يتعدى شيئين، إما الحياة السهلة عن طريق السرقة وإما الحياة الصعبة بأن تعمل في حمل البضائع المختلفة أو جمع القمامة، وباتريك يحلم، يحلم كثيرًا بأن يدرس القانون ولديه ذلك الإحساس الدائم بأنه سيكون محاميًا لكن جني المصباح أقرب للواقع من حلمه، واختار باتريك الحياة السهلة بالطبع كما يفعل أغلب الشباب السيراليوني، الحياة أيضًا في شوارع العاصمة “فري تاون” صعبة وليست هناك اختيارات كثيرة، إما أن تكون قويًّا بما يكفي أو تموت بلا رحمة، وعندما أتت إحدى عصابات فري تاون العديدة كان كل شيء جاهزًا بداخله ومحسومًا، لقد اختار الانضمام إليهم ونسي الحلم، حتى حين.

في 2015 كان باتريك يحكي ما حدث وهو شاب مختلف بالكلية، لقد قابل ملهمته (مالينس) في 2010 وبدت أشبه بالحلم، (مالينس بارت وليامز) الفتاة السمراء التي تمثل يد القدر بالنسبة له، جاءت مالينس فانتشلته هو وعشرين فتىً آخر من الشوارع والعصابات وأسست بهم منظمة تدعى (فُلورنشو) واضعة فلسفة رئيسية لها بأنها ليست قائمة على التبرعات وإنما المشاركة، استقدمت مالينس عددًا من الفنانين المحليين والعاملين بالتطريز الذين علموا الـ21 شابًا الحياكة والنقش والتلوين، في 2014 كانت منتجات فلورنشو والأحذية التي صنعها الشباب تعرض في قلب باريس في أحد أكبر متاجرها (Collette)، بعدها وفي بداية العام الحالي كان باتريك يحكي ومعه الشباب الآخرون، ومالينس تسجل ثم تحكي هي الأخرى عما فعلته أمام جمهور كبير في قلب برلين، لقد أنقذتهم مالينس وغيرت حياتهم، للأبد.

عندما انتهت مالينس من حديثها كانت الأسئلة معلقة في السماء بإجابات تتمثل في قصص كهذه، كيف يمكن أن ينبت كل هذا الجمال من رحم القارة الأغنى البائس الممزقة أوصاله بالحروب الأهلية؟!، وكيف احتوت إفريقيا الفقيرة في عامنا الحالي على ستة من أكبر الاقتصادات النامية في العالم؟!، ومن طرابلس شمالًا إلى كيب تاون جنوبًا، ومن مقديشو شرقًا إلى فري تاون غربًا أين يمكننا أن نذهب؟!، هذا التقرير يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة وأن يحكي أهم ما في رحلة السمراء بجانبيها الإيجابي والآخر الذي مزقته الحروب وعربد فيه الإرهاب في 2015.

(1) كل رجال أوغندا

 


13 أغسطس/ 2015

عندما استيقظ (ألاك) من نومه قبيل شروق الشمس بقليل وقبل أن يمارس أنشطته الصباحية المعتادة مر أمام عينيه شريط الذكريات الذي لا ينقطع عن زيارته كل يوم، (ألاك) المواطن السوداني الجنوبي الشاب ذو الـ31 عامًا والذي كان من ضمن عشرات الآلاف الذين نزحوا إلى أوغندا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها (رياك ماشار) نائب رئيس جنوب السودان السابق وابن قبيلة النوير متسببًا في صراع دامي أوقع الآلاف من القتلى، عندما وصل ألاك في منتصف العام الماضي إلى مخيم (نيومانزي) للاجئين لم تكن أمامه اختيارات كثيرة كأي لاجئ آخر، لكن قرر اتخاذ طريق ثاني وصنع شيئًا فريدًا وساهم في تحول المخيم بالكامل.

في أغسطس من العام الحالي، كان مشروع ألاك وصل إلى طاقته الاستيعابية القصوى وبدأ الشاب في محاولة تدبير موارد أخرى، المدرسة التي بدأها ألاك بالمبلغ الصغير الذي حمله معه أثناء النزوح وضمانته للعيش لفترة من الزمن كلاجئ بالإضافة إلى شهادته التعليمية ومعرفته بالإنجليزية كشرط أساسي للتعليم في أوغندا، كل ما يملكه من الدنيا وضعه في سبيل تعليم أطفال المخيم، الآن وبعد سبعة عشر شهرًا في المدرسة أكثر من خمسمائة طفل يواظبون كل صباح على المجيء وحضور الدروس اليومية التي يعلمها لهم، لكن العدد يتزايد وموارد ألاك المحدودة توشك على النفاد، ووسط محاولاته لتدبير موارد أخرى للأدوات التعليمية والخامات المختلفة أتت له هدية من السماء متمثلة في قطعة أرض أعطاها له أحد السكان المحليين (بيتر كانيي) بالمجان، يقول ألاك لـ”لوسي بيك” (حاملة شارة مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين) أن المعلم هو من يفتح أعين الأشخاص ليروا ما الذي يمكن أن يصبحوا عليه، وأنه يعمل بجد ليمهد الطريق للأطفال ويثق أن منهم من سيصبح قائدًا في المستقبل.

(لا يمكنني أن أحتفظ بمعرفتي بدون أن أشاركها مع الآخرين، الأطفال يعرفون الآن أن حياة الصراع أدت إلى نزوحنا وأننا عندما نحب بعضنا تسير كل الأمور على ما يرام)، قال ذلك للوسي ثم سكت.

 

ما لا يعرفه الكثيرون أن أوغندا واحدة من أكبر دول العالم من حيث استضافتها للاجئين، ووصل عددهم فيها في ديسمبر الحالي إلى 511 ألف شخص تقريبًا، وهي الثالثة إفريقيًّا بعد إثيوبيا (736 ألف لاجئ) وكينيا (594 ألفًا)، لكن لأوغندا ميزة فريدة لا تتمتع بها معظم الدول التي تستضيف اللاجئين وهي (الدمج المجتمعي السياسي) حيث يحظى اللاجئون بدعم ومحبة المواطنين بشكل كامل بالإضافة إلى الحرية الاقتصادية وحق العمل اللذين تعطيهما لهم الحكومة، هذه الميزة أكسبت أوغندا سمعة أنها الحكومة الأكثر كرمًا مع اللاجئين في العالم مقارنة مع كونها دولة فقيرة لا تمتلك الموارد لاستضافة ربع هذا العدد حتى، عندما يصل اللاجئ إلى الأراضي الأوغندية فإنه يحصل إن أراد على قطعة أرض ويبدأ في ممارسة الزراعة، أما إن كان يستطيع إعالة نفسه فيمكنه الحصول على إذن حركة للانتقال إلى العاصمة (كمبالا) أو أي مدينة يشاء لمزاولة العمل الذي يريد، النتيجة هي أن المخيمات تحولت لشيء أشبه بالمستوطنات بمعناها الجيد، حيث قامت مجتمعات كاملة زراعية وعلاقات تجارية متماسكة مع المصانع وطبقة الأعمال سواء في العاصمة أو مدينة تجارية كـ(هويما) أو غيرهما، وبالطبع ليس كل الحال على هذه الشاكلة، إنهم لاجئون ويعانون من صعوبات معيشية بكل تأكيد.

في 2014 سافر فريق من جامعة أكسفورد يقوده (ألكساندر بيتس) بروفيسور مركز دراسات المهاجرين والمتخصص في الهجرة القسرية بجامعة أكسفورد لدراسة شبكة اقتصاد اللاجئين التي سمحت بها أوغندا، يعمل عدد كبير من اللاجئين هناك في الزراعة بشكل رئيسي لكنهم يزاولون أنشطة تجارية أخرى في قطاعات المجوهرات والأقمشة، ولا يقتصر نشاط اللاجئين على أوغندا فحسب وإنما يزاولون التجارة عبر الحدود في كينيا وجنوب السودان أيضًا، وفي مقابل سوء المعاملة التي يلقاها اللاجئون في كينيا فإن لاجئي أوغندا أقاموا شبكة اقتصاد مترابطة تستحق الدراسة ولا يعوقها أي استياء حكومي أو محلي بل يعززها، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل من حالة اللاجئين في أوغندا بنهاية 2015 إيجابية بهذا القدر، ولأن السؤال البديهي الذي سيطرأ مباشرة على القارئ سيكون (وماذا لو كانت هذه الحرية الاقتصادية التي تسمح بها الحكومة ستثير استياء المواطنين عند نجاح نماذج أعمال اللاجئين؟) فإن الإجابة لدى ألكساندر نفسه الذي قال إن هذا درس للدول الأخرى، وعندما يحين وقت مغادرة اللاجئين للدولة فإنه من الأسهل كثيرًا إعادة شخص كان مشغولًا وطور مهاراته ولديه أعمال وتجارة ناجحة على أن تعيد شخصًا يعيش على المساعدات الغذائية يومًا بيوم.

 

حملت 2015 أيضًا أنباءً سارة للاقتصاد الأوغندي المحدود، حيث قررت شركة (أكسيس إنفرا أفريكا) الناتجة عن تحالف شركتي الطاقة (أكسيس باور) الإماراتية و(إيرين) الفرنسية القيام بإنشاء ثاني أكبر المشاريع المستقلة الإفريقية للطاقة الشمسية في أوغندا، ليس هذا فحسب وإنما وقعت الحكومة الأوغندية اتفاقية مع بنك التصدير والاستيراد الصيني بمبلغ 790 مليون دولار تقريبًا لتمويل إنشاء سد (كاروما)، السد الذي من المتوقع له أن يولد طاقة قدرها 600 ميجا وات سنويًّا، وفي الوقت الذي تبدو لأوغندا جوانب إيجابية لا بأس بها فإن شكوى المعارضة من استبداد (موسيفيني) تتزايد مع مطالبهم المتصاعدة بتركه للرئاسة وتمكين الشباب، الصراع الدائر بأحرفه المتماثلة في كل الديكتاتوريات الإفريقية، وبينما يبدي المعارضون رغبات عارمة في التغيير فإن الرئيس الأوغندي يبدي تمسكًا أكبر بالمنصب على الرغم من حالته الصحية فضلًا عن تعيين ابنه (كاينروجابا موهوزي) قائدًا لوحدة الحرس الرئاسية وهو ما تم وصفه على أنه إعداد للابن لوراثة كرسي الرئاسة، بين الجوانب الإيجابية والسلبية فإن العام الأوغندي الحالي مشتمل على بوابة اللاجئين التي فتحت على مصراعيها كان جديرًا بالرحلة في نهايته.

(2) الرقم 1: موريشيوس

في الأسبوع الأول من نوفمبر من العام الماضي وقفت سيدة خمرية البشرة على مسرح تيدكس لتتحدث عن عملها في واحدة من أهم النقاط الساخنة ذات التنوع البيولوجي في العالم (جزر الماسكارين)، والتي تضم (موريشيوس & رودريغز & ريونيون & مدغشقر)، العالمة وخبيرة الكيمياء العضوية النابهة (أمينة غريب فقيم) الشغوفة بعالم النباتات والتي تسبقها سمعتها العلمية في كل مكان ممكن، والمواطنة الموريشيوسية التي تعامل معاملة الأبطال القوميين في بلدها، إنها تسير دائمًا وبجانبها علمها وعدد ضخم من الجوائز العلمية من مختلف أنحاء العالم، بعد سبعة شهور وفي الخامس من يونيو لـ2015 ستشهد إفريقيا حدثًا تاريخيًّا، وستقف السيدة ذات الأصول الهندية لتقسم اليمين الدستورية ولتصبح الرئيس الحالي لموريشيوس، الدولة الأكثر تنافسية في القارة لعام 2015.

يمكن اعتبار ترأس الدكتورة أمينة لموريشيوس أحد أكبر مفاجآت العام في إفريقيا، مفاجأة لم تتوقعها هي نفسها، في البداية لم يكن هناك أي ترشيح لأحد وإنما اقتراح من رئيس الوزراء المستقيل وزعيم حزب العمل (نافينشاندرا رامجولام) بتعديل الدستور، وإعطاء منصب الرئيس صلاحيات تنفيذية أكبر وأوسع مما يعنيه هذا من تحويل موريشيوس لدولة رئاسية تقريبًا، على الفور رفضت المعارضة ذلك وتم إجراء تصويت برلماني خسره حزب العمل الحاكم، فيما قبل التصويت عرض ائتلاف المعارضة اليميني الوسطي على أمينة المنصب التي عارضت قليلًا، ثم وافقت في النهاية على اعتبار أن هذا لن يحدث وستخسر المعارضة التصويت، ثم عندما فازت المعارضة ظنت أمينة أنها لن تتولى المنصب الآن لوجود الرئيس (كايلاش بوراج) الذي أوضح في يناير من العام الحالي أنه لن يستقيل وسيكمل مدته حتى2017، إنها تقول لقد كان عقلي صغيرًا وفكرت أننا لن نفوز على أي حال، لكن المعارضة فازت والرئيس استقال، كل شيء سار بشكل مثالي لها إذًا، ثم تولت البروفيسورة الجامعية الرئاسة.

في نهاية العام لم تكن نيجيريا الغنية بالنفط هي صاحبة الاقتصاد الأكثر تنافسية وتطورًا ولا أي دولة من الشمال الإفريقي، لقد كانت موريشيوس متربعة على قمة القارة لتزيح جنوب إفريقيا من المركز الأول، تتطور موريشيوس والتي يسكنها مليون وربع نسمة كثيرًا، مجموعة الجزر التي كانت حتى وقت قريب تعتمد بشكل كامل على زراعة القصب وتصدير السكر بلا أي وجود لمصادر دخل قومي أخرى، ما زال السكر هو أساس الاقتصاد لكن الدولة الصغيرة الناشئة بدأت تطور قطاعًا صناعيًّا قويًّا ظهرت ثماره هذا العام، قطاعًا متمثلًا في صناعة الملابس والمنسوجات وأجزاء الساعات والآن الصناعة هناك في مجال المجوهرات أيضًا، ويدر تصدير المجوهرات عليها حوالي 150 مليون دولار سنويًّا وهو ما يمثل 3% تقريبًا من الناتج القومي، فضلًا عن اعتمادها على قطاع السياحة أيضًا الذي يستقبل أكثر من مليون سائح سنويًّا، ومتوسط دخل الفرد السنوي في موريشيوس هو الأعلى في إفريقيا بأكثر من 11 ألف دولار بقيمة الدولار حاليًا.

موريشيوس، مجموعة الجزر المحدودة التي يقطنها عدد أقل من سكان مدينة صغيرة، والتي لا تمتلك أي موارد طبيعية وفيرة إلا مساحات شاسعة مزروعة من قصب السكر لا أكثر، هي الوحيدة في إفريقيا هذا العام القادرة على إجابة سؤال (كيف تصنع شيئًا من اللاشيء؟!).

(3) والجحيم الإفريقي!

 


الأحد/ 26 يوليو/ 2015

وسط كل التحفز الأمني والتفتيش المستمر للزائرين والمارة بدا ذلك الصباح رائقًا لدرجة تثير القلق، وبدا على زوار أحد أسواق (داماتورو) السكينة أخيرًا، لقد كان أسبوعًا دمويًّا وشهرًا أكثر دموية ولم يتوقف القتلى عن التساقط منذ فترة طويلة حتى أصبح اليوم مملًا إن لم يحدث انفجار ما، لكن داماتورو مدينة ولاية يوب بدت هادئة، والمواطنون متعاونون والجنود يفتشون المواطنين قبل السماح لهم بالدخول ويمرون على الأطفال بفحص روتيني، وكل شيء يسير بسلام، تقف طفلة ما تبلغ من العمر عشرة أعوام فقط بعد عبورها التفتيش في السوق، وتمد يدها تحت ثيابها ثم تضغط زرًّا ما، وتحول كل ذلك إلى جحيم.

في صبيحة الأحد استيقظ العالم على انفجار في أحد أسواق نيجيريا قتل 19 شخصًا وأصاب أكثر من 50 آخرين، إلى هنا تبدو الأمور معتادة إلى أن نعرف أن مرتكبة العملية طفلة لا يتعدى عمرها عشر سنوات، لقد دخلت السوق مرتدية سترة مفخخة عطلتها أثناء التفتيش، ثم عندما أصبحت وسط المواطنين فجرت نفسها لتقتل أكبر عدد ممكن، سريعًا أشارت أصابع الاتهام للجماعة المبايعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والتي تتولى الشق الانتحاري في نيجيريا والمعروفة باسم (بوكو حرام)، لم يعلنوا مسئوليتهم لكن الأسلوب ليس غريبًا عليهم، والأهم أن هذا ليس أول هجوم هذا الشهر في داماتورو، لقد سبقه آخر في السابع عشر بين تجمع للمصلين بعد صلاة عيد الفطر قتل تسعة على الأقل وأصاب العشرات، ونفذ الهجوم فتاتان إحداهما تبلغ عشرة أعوام أيضًا، بهجوم السوق انتهى شهر دموي آخر حصيلته تعدت الـ300 قتيل، ونيجيريا تسبح في الدماء.

 

لم يكن الشهر دمويًّا على نيجيريا فحسب وإنما على القارة بأكملها، قبل هجوم السوق بساعات قليلة دخلت فتاة تبلغ من العمر 12 عامًا في ليلة السبت الخامس والعشرين من يوليو إلى بار في (مارووا) المدينة الكاميرونية الواقعة في الشمال على الحدود الكاميرونية النيجيرية المشتركة وفجرت نفسها، قتل الانفجار عشرين شخصًا فورًا، قبل هذا بيوم وفي الجمعة ضربت بوكو حرام عددًا من القرى الواقعة على الحدود في الشمال النيجيري لتقتل 25 على الأقل وتحرق منازل المئات متسببة في تشردهم وإجلائهم للقرى في فيلم رعب يدخل في عامه الخامس على التوالي، ومنذ تولي الرئيس النيجيري الجديد (محمدو بخاري) السلطة في مايو من عامنا الحالي فإن حصيلة القتلى في خمسة شهور فقط منذ توليه تجاوزت الـ800 إفريقي أغلبهم نيجيريون فيما بدا أنه ترحيب من الإرهاب الإفريقي بالجنرال محمدو ذي التاريخ الانقلابي في الثمانينيات.

في مالي أيضًا لم تختلف الأمور كثيرًا، ففي العشرين من نوفمبر ومنذ شهر وينيف دخلت مجموعة من المسلحين التابعين لتنظيم (المرابطين)، الذي يعاني من انقسامات داخلية بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، إلى فندق (راديسون بلو) في العاصمة المالية (باماكو) ليحتجزوا قرابة الـ170 شخصًا كرهائن عدد كبير منهم سائحون من جنسيات مختلفة، وبعد أن رفضت الحكومة المالية التفاوض قررت القيام بعملية اقتحام لتحرير الرهائن وهو إجراء معتاد في مثل هذه الحوادث، في الاقتحام والذي تم بواسطة قوات كوماندوز مالية قُتل 27 شخصًا على الأقل، وبعدها أعلن التنظيم مسئوليته عن العملية، ولم تكن مالي بمفردها وإنما نالت كينيا نصيبها أيضًا من الرعب هذا العام، ففي الثاني من أبريل دخل مسلحون إلى حرم جامعة (جاريسا) في المدينة التي تحمل نفس الاسم وتبعد عن حدود الصومال 200 كيلومتر ليأخذوا ما يقارب الـ700 رهينة، ثم قتلوا 148 شخصًا وأصابوا أكثر من 79 آخرين قبل أن يقتل الأربعة مسلحين، بعد ذلك أعلن تنظيم الشباب الصومالي مسئوليته عن العملية التي تعد الأكبر منذ انفجار السفارة الأمريكية في نيروبي.

بالنسبة لإفريقيا ومن جانبها المرعب، لقد كان عامًا جحيميًّا بامتياز.

(4) الصراع

 

ولأن السمراء هي الأغنى في العالم فإن الصراع على مواردها بالغة الضخامة لا يتوقف، في الأفق تبدو كفة معركة السيطرة على الموارد والهيمنة الاقتصادية تميل للصين قليلًا، والتي أصبحت أكبر شريك تجاري للقارة منذ 2009، لكن الولايات المتحدة غير غائبة عن المشهد بالطبع، وكذلك الثلاثي (إيران/ فرنسا/ إسرائيل)، ولكل مصالحه وحلفاؤه ومكاسبه التي تؤججها الحروب والصراعات والديكتاتوريات، لا يمكن أن يعم السلام فالسلام وذهاب خير القارة للأفارقة معناه خسارة الجميع على الجانب الآخر.

في أول ديسمبر الحالي، بدأ الرئيس الصيني (شي جينبينغ) جولة إفريقية استمرت خمسة أيام زار فيها زيمبابوي وجنوب إفريقيا وحضر في الثانية المنتدى السادس للتعاون الصيني الإفريقي والتقى على هامشه مع عدد من الرؤساء الآخرين، ما يهمنا هنا هو توضيح مغزى زيارة شي في هذا الوقت، فالاستثمارات الصينية تنخفض باستمرار، وفي 2015 تعرضت العلاقات الاقتصادية الصينية الإفريقية لضربة متمثلة في انخفاض قدره 84% مقارنة بالعام السابق بإجمالي استثمارات تقدر بـ1.2 مليار دولار، وبالنسبة للصين فإن إفريقيا تعد أحد أكبر وأهم منعشي قطاع البنى التحتية هناك، والذي يمثل ربع الاقتصاد الصيني الذي يساوي 10 تريليونات دولار، لذلك ومع المزيد من الوعود باستثمارات صينية فقد أطلق الرئيس الصيني يوم الجمعة الرابع من ديسمبر في المنتدى حزمة استثمارات تقدر بـ60 مليار دولار لتنفيذ عشرة مشروعات عملاقة في مختلف أنحاء إفريقيا في السنوات القليلة القادمة.

ربما يبدو تباطؤ الاستثمارات الصينية فرصة طيبة لظهور كيانات إفريقية اقتصادية محلية منافسة بدلًا من إسناد الاستثمارات للشركات الصينية بالأمر المباشر وباتفاقات حكومية وبقروض ميسرة من خزانة شنغهاي وراءها كم ضخم من استنزاف الموارد والمكاسب للصين، لكنه بالتأكيد فرصة أفضل بكثير للمنافس الرئيسي (الولايات المتحدة) التي تصدر للقارة سنويًّا بما يفوق الـ4 مليارات دولار، أما إيران المشغولة حاليًا بجبهاتها المشتعلة وبالتعافي من آثار الحصار الاقتصادي فإن إفريقيا تمثل لها متنفسًا اقتصاديًّا بالغ الأهمية بتبادل تجاري تعدى المليار دولار، وفرنسا التي تعتبر القارة منجم اليورانيوم الذي لا ينفد وهي التي تعتمد على المفاعلات النووية كمصدر طاقتها الرئيسي، أما إسرائيل فإفريقيا تمثل بالنسبة لها بجانب العمق الإستراتيجي أحد أفضل وأكبر أسواق الأسلحة التي تنعش الصناعة الدفاعية الإسرائيلية، فضلًا عن كون القارة حقل التجارب الأهم بجانب قطاع غزة بالنسبة لها.

(لا يمكنك أن تكره جذور الشجرة بدون أن يمتد كرهك للشجرة نفسها، لا يمكنك أن تكره إفريقيا بدون أن تكره نفسك). (مالكوم إكس)

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد