إبراهيم الهواري
إبراهيم الهواري

4,568

المغلوب مولع بتقليد الغالب في نمط الحياة والمأكل والملبس وحتى نمط التفكير

هذا ما ذكره عالم الاجتماع الأفريقي «ابن خلدون» في مقدمته الشهيرة حين وصف مسار التحولات الحضارية والاجتماعية للمجتمعات «المتخلفة»، تشخيص يمكن إسقاطه على واقع دول القارة الأفريقية كمغلوب مسلوب الإرادة. أضاف فيلسوف الحضارة «مالك بن نبي» على ما سبق من توصيف لمشكلة العالم الثالث بطرح مصطلح أعمق وأدّق «القابلية للاستعمار» وشرح في كتابه «شروط النهضة» تمدد وتوسع هذه الأزمة في الأجيال حتى تصبح خاضعة كلية للقوى الغربية باستمرار ولزمنٍ طويل.

وعملت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية منذ سقوط جدار برلين عام 1989 وإعلان «النظام العالمي الجديد»، على استحداث أعداء وهميين في مناطق عديدة بالعالم، حتى يتسنى لها المحافظة على القوة الحضارية التي أسس لها المؤرخ البريطاني المعروف «أرنولد توينبي» نظرية «التحدِّي والاستجابة» من أجل استمرار «الإمبريالية الأمريكية» وحمايتها من السقوط بوسائل وطرقٍ شتّى.

التقرير الذي أمامكم عريض وطويل لكن نرجو أن يكون ماتعًا ومفيدًا، يحوي معلومات مختصرة وذات أهمية في بناء تصور شامل حول الصراع الدائر بين القوى الكبرى والإقليمية في مناطق هامة بالقارة الأفريقية كالساحل الأفريقي وجنوب الصحراء والقرن الأفريقي وغرب أفريقيا الذي يزخر بالثروات وخاصة النفط الأفريقي، وقد أخذت المنطقة حيزًا هامًّا في دراسات الغربيين في العقود الأخيرة ككتاب «التكالب على نفط أفريقيا» للباحث الأمريكي الإيراني الأصل «جون حسين جازفنيان».

البندقية في حماية التنقيب والتنقيل

أينما كانت الثروة كانت هناك صراعات ونزاعات دائمة، فحال نيجيريا ليس كحال السنغال، وحال مصر وتونس ليس كحال السودان وليبيا، فمعيار نشوء الحروب هو وجود ثروة تتصارع حولها القوى الكبرى لاستمرار تدفق الموارد من نفط وغاز ومعادن، ولذلك زاد الاهتمام بالجيواقتصادية géoéconomique مقارنة بالجيوبوليتيك géopolitique في تحديد وتشخيص الصراعات القائمة.

وانتقل التنافس الاقتصادي والصراع التجاري بين القوى الكبرى من منطقة الشرق الأوسط إلى أفريقيا منذ أربعة عقود من الزمن، ودفعت الحروب أكبر ثلاث شركات النفط في العالم إلى إنفاق 80% من ميزانية التنقيب لديها في القارة الأفريقية، وتعتبر منطقتا الساحل الأفريقي وخليج غينيا (غرب أفريقيا) جزءًا من البدائل التي يحضرها الغرب في قطاع الطاقة والثروات، واستمرار المخاطر في المناطق التي استهلكت فيها الصراعات مئات وآلاف المليارات من الدولارات لسنواتٍ طويلة كالعراق وأفغانستان.

وتحتل قارة أفريقيا والساحل الأفريقي خاصة، منطقة إستراتيجية في تحويل الثروات والنفط نحو أجزاء من العالم كقارتي أمريكا وأوروبا، ويتميز «النفط الأفريقي» حسب الأخصائيين بميزاتٍ أفضل مقارنةً بمناطق أخرى من العالم، فهو من النوع «الخفيف» مقارنةً بالثقيل الموجود في الشرق الأوسط، وميزة الخفيف هذه تجعله أسهل استخراجًا وتكريرًا، كما تتركز حقول النفط الغنية على سواحل غرب وخليج أفريقيا، وهو ما يساعد على نقله بالمناطق البحرية تجاه أوروبا وأمريكا بعيدًا عن تهديدات الصراعات والنزاعات العسكرية الموجودة في وسط أفريقيا.

ومنذ عام 2011 يمكن القول إن المنطقة دخلت مرحلةً من الصراع الدولي بين القوى الكبرى، حيث ساهمت الصين في خلق تنافس اقتصادي وتجاري في أفريقيا بشكل عام خاصة على مستوى القرن الأفريقي وأدّى ذلك إلى إنشاء قاعدة جوية عسكرية بجيبوتي لمحاربة القرصنة في المحيط الهندي، كما دخلت كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل وروسيا إلى القارة السوداء بقوة، اقتصاديًا وتجاريًا وحتى عسكريًا.

وفي هذا الصدد يستثمر البنك الصيني «EXIM Bank of China» في أثيوبيا وحدها خط سكة حديدية يعتبر الأول من نوعه في القارة بقيمة 2.83 مليار دولار وتم افتتاح جزء منه بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول)، الخط يربط العاصمة إديس أبابا بالعاصمة الجيبوتية جيبوتي، والمشروع في حقيقته هو امتداد للمشروع الكبير الرابط للقرن الأفريقي «جيبوتي» بخليج غينيا في الغرب الأفريقي على ساحل المحيط الأطلسي، يهدف لنقل النفط من تلك المنطقة إلى سواحل المحيط الهندي تجاه الصين ودول آسيا ومختلف البضائع والسلع التجارية إلى أفريقيا.

الأفروقراطية الجديدة.. هل من مصالح؟

تنتقد وسائل الإعلام الأمريكية المحلية مواقف حكومتها تجاه القادة الأفارقة بسبب التناقض تجاه المبادئ، فمن جهة تنادي أمريكا عبر مشاريعها المتعددة بالديمقراطية والشفافية والنزاهة واحترام حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت تدعم وتصف الكثير من الزعماء في أفريقيا بالعظماء رغم جرائم الإنسانية والاستبداد بشعوبهم.

ووصف مجموعة من المحللين هذا السلوك الأمريكي بخلق نظام حكم جديد «الأفروقراطية NewAfrocracy»، وهو نمط يحفظ الحكم للحاكم بشكل فردي وشمولي، ويسمح للحاكم باختراق وتعديل الدستور والدوس على القانون، ومع ذلك تصفهم القوى الغربية بالعظماء. كما سمّت «هيلاري كلينتون» الرئيس الجزائري «بوتفليقة» بالسياسي العظيم والمحنك بعد قراره بالترشح للعهدة الرابعة على التوالي!

يحدث كل هذا في قارة تحوي في باطنها أكثر من 70% من الفوسفور وأكثر من 80% من اليورانيوم وأكبر مساحة صحراوية يمكنها أن تضيء العالم بالطاقة الشمسية وأكثر من 60% من الذهب، وهو ما يسمح بصراع عسكري وهيمنة اقتصادية وتجارية عالمية بنكهة الاختطاف، فما طبيعة هذه الصراعات وما هي الدول التي تسعى لبسط الهيمنة؟

يشير المحللون إلى أن الإدارة الأمريكية تعاني عقدة الهجمات العسكرية في المناطق التي تشهد توترًا كبيرًا كحال الحرب الفيتنامية والصومالية «عملية الأمل» التي تكبد فيها الجيش الأمريكي خسائر كبيرة، وهو ما تحاول تجنبه في الخطة «ب» من خلال بناء المزيد من القواعد العسكرية بشكلٍ ناعم وهادئ ودائم وعبر اتفاقيات مع الدول المستضيفة لها، دون أن يدفعها ذلك للدخول في صراعات وحروب استنزاف، وهو نفس المسار الذي سلكته الولايات المتحدة مع دول الخليج، حيث تم إنشاء قاعدة عسكرية في كل دولة، وتشير تقارير إلى أن معظم هذه القواعد تم إنشاؤها بأموال خليجية مقابل تقديم الحماية العسكرية.

الصمت والهدوء الأمريكي في المنطقة

منذ غزو الولايات المتحدة الأمريكية لـ«بنما» عام 1989، يتحدث السّياسيون الأمريكيون بمختلف توجهاتهم عن ضرورة الانسحاب من المناطق التي تشهد صراعات عسكرية، وفي انتظار تجسيد ما يتحدث به هؤلاء السياسيون يزداد التواجد العسكري الأمريكي في مناطق عديدة في العالم. وآخر ما أوردته تقارير أمريكية عن الانطلاق في إنشاء قاعدة عسكرية لطائرة بدون طيار وسط «النيجر» أفقر دولة في العالم، لتضاف إلى عشرات القواعد العسكرية في مناطق مختلفة بالقارات الخمس.

وبعد بنما والعراق وأفغانستان وسوريا والصومال واليمن، يزداد التواجد العسكري الأمريكي في العالم بشكل لافت، إلى حد أن بعض الناقدين السياسيين دعوا الإدارة الأمريكية إلى وضع حد للتداول بين التيارين الجمهوري والديمقراطي، لأن أساس سياسة الإدارة الأمريكية هي المصالح والقوة والتوسع الإمبريالي.

ومع قرار الولايات المتحدة بإنشاء القاعدة العسكرية الدائمة لطائرة بدون طيار وسط النيجر، وهي القاعدة العشرون في القارة ذات الاستخدام العسكري، قررت ألمانيا إنشاء قاعدة للدعم اللوجيستي والتدريب العسكري في النيجر، ورحبت الحكومة النيجيرية على لسان الرئيس «محمدو إيسوفو» بهذا القرار أثناء زيارة المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» لها مؤخرًا.

وتعتبر منطقة الساحل أكبر نطاق صحراوي في العالم، ما يؤهلها أن تكون أكبر مصدر للطاقة النظيفة باتجاه القوى الكبرى، وهو ما يفسر الزيارات المتتالية للمسؤولين الغربيين خلال الفترة الأخيرة في صورة المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» والرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند» والرئيس التركي «رجب أردوغان» ووزير الخارجية الأمريكية «جون كيري» منذ عامي 2014 و2015.

وتبرر الولايات المتحدة الأمريكية تواجدها العسكري بالقاعدة الفرنسية الأصل في دولة «جيبوتي» بضرورة حماية الرحلات التجارية في البحر الأحمر والمحيط الهندي ومراقبة تحركات القراصنة والجماعات المتشددة في المنطقة، وتعتبر المصالح الاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي دافعًا أساسيًا للتحرك الأمني لكل من إيران وإسرائيل وأمريكا وفرنسا والسعودية في غياب واضح لمصر والسودان.

وفي عام 2007 أنشأت أمريكا قاعدة «أفريكوم» في شتوتغارت الألمانية للاهتمام بالعمليات العسكرية والأمنية في قارة أفريقيا ما عدا مصر، وقامت بتقديم أول مساعدات وتدريبات عسكرية للجيش الموريتاني عام 2012، وتركز القاعدة الأمريكية في ألمانيا على مكافحة الإرهاب بمنظور مشترك، بالإضافة إلى ضرورة حماية النفط الأفريقي الذي أصبح يشكل 25% من الواردات الأمريكية للنفط في العالم مع حلول عام 2015.

وإعلان أمريكا إنشاء قاعدة «طائرة بدون طيار» وسط النيجر يعتبره الكثير من المحللين أنه أحد الاهتمامات المباشرة بالمنطقة من القوة العالمية الأولى، في حين يرى البعض أنه ردة فعل امتعاض غير مباشرة تجاه الوكيل بالمنطقة «فرنسا» التي فشلت في القضاء على الإرهاب والتطرف في شمال مالي والنيجر بالرغم من الدعم الأمريكي لها في المؤسسات والهيئات الدولية كالأمم المتحدة.

العلاقات الأوروبية الأفريقية.. كيف استمر الاستعمار؟

وتحتكم العلاقات الأفريقية الأوروبية إلى العامل التاريخي بالدرجة الأولى، ما يعكس قوة العلاقة والنفوذ لدى الأوروبيين وخاصة الدولة الفرنسية التي تعكس اهتمامها بجعل الدول المستعمرة سابقًا تحت طائلة التبعية، وتعمل «فرنسا» على استمرار ذلك في كل من شمال وغرب أفريقيا، حيث تعتبر في القارة الفقيرة بالإمبراطورية العظمى.

وتُحصي هيئات الأمم المتحدة 35 دولة أفريقية بين 54 دولة بعموم القارة، الأقل تنمية والأفقر على مستوى العالم، وهو مؤشر يعكس المعاناة والصراعات التي تتخبط فيها المجتمعات الأفريقية مقارنة بقارات أخرى أقل ثروة وإمكانية، ومن فوارق التاريخ وجود اختلاف كبير في التنمية والتطور بين مستعمرات بريطانيا ومستعمرات فرنسا التي ما زال غالبيتها يعاني من التخلف والتراجع في مؤشرات التقدم والتطور العالمي.

ولم تنل المستعمرات الأفريقية استقلالها بعد موجة حركات التحرر التي اجتاحت القارتين الآسيوية والأفريقية في منتصف القرن الماضي، إلا بعد شروط أعلن عن بعض منها ولم يعلن عن الآخر، وبقيت الكثير من المستعمرات الأفريقية رهينة الإمبراطورية الاقتصادية والثقافية واللغوية والعسكرية الفرنسية عقودًا من الزمن، خاصة تلك الدول المعروفة بالثروات الباطنية من نفط ومعادن واتساع الأراضي الفلاحية.

وتشير تقارير سابقة لوجود 14 دولة أفريقية ما زالت تدفع أموالًا سنويًا إلى الجمهورية الفرنسية، ولا يزال التدخل العسكري الفرنسي في كل من «ساحل العاج، أفريقيا الوسطى، مالي، التشاد، النيجر، الكونغو، غينيا الاستوائية وليبيا» واسع النطاق عبر محطات عسكرية بأزمنة مختلفة، ويتحدث مراقبون على أن منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا هي العمق الإستراتيجي الثمين لفرنسا، وهي وكيل حصري للغرب وأمريكا بالمنطقة في لغة التجارة والاقتصاد والمال العالمي.

اقرأ أيضًا: مترجم: 14 دولة أفريقية ملزمة بدفع ضرائب لفرنسا

ويحاول الاتحاد الأوروبي الانفراد بالعمليات العسكرية في المناطق التي تعرف نزاعات مستمرة، شأن ما يحدث في أفغانستان والعراق والصومال بسبب الهيمنة الأمريكية على هذه المناطق، وسمّى الاتحاد الأوروبي المشروع بـ«التمييز الأمني الأوروبي» في العمليات العسكرية التي تجري تحت غطاء قوات الحلف الأطلسي «ناتو».

وبهذا الصدد ساهمت الحرب الصربية في يوغوسلافيا سابقًا في تجسيد هذا المشروع، على إثر احتكار معلومات وبيانات الأقمار الصناعية لصالح الحكومة الأمريكية دون سواها من الشركاء الأوروبيين في الحلف الأطلسي، وتسبب هذا التصرف في توجيه انتقادات شديدة اللهجة من وزراء دفاع فرنسا وألمانيا وإسبانيا عام 1999.

وفي 22 سبتمبر (أيلول) 2011 أطلق جهاز المصالح الأوروبية من أجل العمل الخارجي «SEAE» مشروع توحيد «السلوك الخارجي الأوروبي» وجعله منسجمًا وفعالًا، وهو ما أكدته الممثلة السامية للشؤون الخارجية كاثرين أشتون «Catherine Ashton» بخصوص منطقة الساحل الأفريقي من خلال ربط التنمية بتوفير الأمن في دول قلب الساحل الأفريقي «موريتانيا، مالي والنيجر»، وتركز على أربعة أهداف رئيسية تتمثل في ترقية التنمية وبناء الحكم الراشد، دمج حكومات هذه الدول في التعاون الإقليمي، ومحاربة التطرف، وتقوية المجال الأمني والعسكري لهذه الدول عبر برامج التكوين والتدريب التي تقدمها الدول الأوروبية.

تركيا وإسرائيل.. والقوى الإقليمية الصاعدة

تشير تقارير إلى انتقال الاستثمار التركي في منطقة الساحل الأفريقي من 1.5 مليار دولار عام 2006 إلى 4.1 مليار دولار عام 2013 حسب المعهد التركي للإحصاء، ووصل حجم التبادل الاقتصادي التركي الأفريقي 23.4 مليار دولار سنة 2014، وهو ما سعى إليه الرئيس «أردوغان» خلال زيارته الأخيرة قبل عام تجاه دول غرب القارة غانا، ساحل العاج، نيجيريا وغينيا.

كما كثفت خطوط الطيران التركي «TURKISH Airlines» رحلاتها نحو أفريقيا بمقدار 51 وجهة من مختلف المناطق الأفريقية، في حين تراجع الاستثمار التركي بشكل واضح في ليبيا التي تمثل أضخم ثروة نفطية في أفريقيا بعد اندلاع الثورة المسلحة التي أطاحت بالقائد «معمر القذافي» عام 2011.

ولم تتوقف تركيا بالاستثمار في الساحل الأفريقي ودول جنوب الصحراء والغرب الأفريقي فقط، بل تعهدت الحكومة التركية باستثمار أكثر من 100 مليون دولار في الصومال مع دخول عام 2017، في مجالات التعليم والصحة والثقافة والشغل بالنسبة للشباب، كما قدمت استثمارات كبيرة في دولة كينيا بالقرن الأفريقي ضمن 19 مشروعًا استثماريًا يقدر بـ2.4 مليار دولار.

وتسعى إسرائيل إلى حيازة نفوذ أكبر ومتصاعد في أفريقيا، وتركز بشكل أكبر على منطقة «حزام الساحل الأفريقي» إلى القرن الأفريقي باتجاه البحر الأحمر. وللموساد الإسرائيلي أهداف واضحة من وراء هذا التوغل في القارة السوداء، أهمها اختراق منظومة الأمن القومي العربي في صورة مصر ودول المغرب العربي، وعمل تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والعرقية والدينية المعادية للعرب، وهذا ما يصب في إضعاف النفوذ والتأثير العربي في القارة الذي تجسّد في حرب أكتوبر (تموز) 1973.

فمنذ عام 1992 زادت وتيرة العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل بالدول الأفريقية إلى أن وصلت عام 1997 إلى 48 دولة من مجمل 52 دولة، وقاد وزير الخارجية «ليبرمان أفيقدور» نخبة من الساسة والخبراء الإسرائيليين إلى مجموعة من الدول في القرن الأفريقي ووسط وغرب أفريقيا عام 2009 من أجل تقديم المساعدات في التدريب العسكري و«مواجهة التطرف» والتعاون في مجالات الفلاحة والزراعة والتكنولوجيا والمياه، هذه الأخيرة التي تُعدّ وسيلة مساومة في وجه مصر والسودان وذات بعد إستراتيجي قومي إسرائيلي.

إسرائيل التي أنقذت الرئيس التشادي «إدريس ديبي» من السقوط عام 2008 حسب وكالة الأنباء الفرنسية، ساهمت بشكلٍ مباشر في تقسيم السودان عن طريق المساعدات المالية والسياسية للجماعات الانفصالية، كما تشير تقارير استخباراتية لوجود إرادة دولية بقيادة «الموساد» في إغراق منطقة الساحل الأفريقي بالسلاح وحماية تجارته هناك، وتعمل شركات «تصنيع الأسلحة» كذلك على تمويل الجماعات المتشددة حماية لتهريب «الماس» إلى الهند وأوروبا وأمريكا.

الصراع الديني بين السنة والشيعة يمتد إلى الفقراء

ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي حاولت المملكة العربية السعودية الاستثمار في الفراغ الديني بغرب أفريقيا ودول الساحل على امتداد الصحراء الكبرى، وتحصل العلماء والدعاة «الشناقطة» على دعم مالي كبير في نشر الدعوة السلفية على مقاس الإسلام السعودي الذي تريده، وهو ما تحقق إلى وقت ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع تراجع الاستعمار الأوروبي في هذه الدول وحصول عدد كبير منها على الاستقلال، ظهر الصراع الصوفي – السلفي في المنطقة، ومعلوم أن المجتمعات المسلمة الأفريقية تدين بالصوفية موروثًا دينيًا أصيلًا، خاصة مع الدعم المغاربي الكبير والتكوين الذي يتحصل عليه أئمة هذه الدول في المغرب والجزائر وليبيا (ميزانية ثابتة من القائد القذافي للرموز الصوفية).

اقرأ أيضًا: الصوفية والوهابية: الصراع المسلح!

استغلت إيران هذا الصراع خاصة بعد احتجاج الطرق الصوفية ورفضها للمد السعودي، حيث تم إغلاق مجموعة من المعاهد في غرب أفريقيا، وحاولت إيران عدم الدخول في صراع مع الطرق الصوفية عن طريق الاستثمارات الاقتصادية والتجارية مؤخرًا، والترويج لفكرة أن التنظيمات الجهادية في الساحل هي نتاج للمد السعودي في المنطقة، وهو ما ترفضه المجتمعات المسلمة في أفريقيا لما لحقها من ضرر مادي ومعنوي عقودًا من الزمن. وتقلص النفوذ السعودي غربًا باتجاه الشرق، أين تحولت الكثير من الجهود نحو أفريقيا الوسطى والسودان وإرتيريا والصومال وجزر القمر.

ويعتنق أكثر من 7 ملايين مسلم أفريقي المذهب الشيعي، ويتركز حوالي 70% منهم شمال نيجيريا، ووصلت إيران إلى هذه النتيجة بعد عمل منظم يعكس مشروعًا حقيقيًا في المنطقة عبر ثلاث مراحل رئيسية بدأت بالمساعدات في قطاعي التعليم والصحة، إلى دعم آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لتصل في السنوات الأخيرة إلى التعاون مع الحكومات والإشراف على بناء مشاريع ضخمة في خمس دول أهمها نيجيريا، غانا، البنين والنيجر والسنغال، هذه الأخيرة تعتبر القناة الدبلوماسية المباشرة لإيران في المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن المسعى الإيراني في التوسع بالساحل الأفريقي يندرج ضمن السيطرة على الحديقة الخلفية للدول العربية السنية، ومحاولة التمكن من العمق الإستراتيجي لدول شمال أفريقيا بالتحالف مع القوى الغربية التي أبدت تنازلات عديدة لدولة إيران بعد الاتفاق النووي.

الأفارقة العرب.. أي مستقبل أمني؟

تخشى الدول المغاربية الثلاث «تونس والمغرب والجزائر» من الخطر «الإرهابي» وانطلاق صراعات عسكرية في المنطقة، ولعل الأخيرة الجزائر هي أكثر بلد يتضرر من هذه الصراعات لطول الحدود الصحراوية مع الساحل الأفريقي (موريتانيا، مالي، النيجر وليبيا)، ويتابع مراقبون عسكريون الملف الليبي والمالي بدقة، حيث تسعى الجزائر إلى التحكم في الملفين على اعتبارها المستهدف التالي، خاصة مع اشتداد الأزمة السورية وانفراج الأزمة الإيرانية وزيادة الطلب الأوروبي على النفط والغاز بعد بروز الدب الروسي قوةً قائمة قادمة في المسرح الدولي مجددًا.

وفي هذا الصدد رفضت الجزائر وفق تقارير فرنسية لمرات عديدة إقامة قاعدة عسكرية أمريكية بالمنطقة أو على الحدود، حيث تسعى الجزائر لحشد دول الجوار حول قرار رفض أي قواعد عسكرية بالمنطقة من خلال عرض تجربتها «الناجحة» في مكافحة الإرهاب وتذكير أمريكا بوجود قواعد عسكرية لها في «جيبوتي وإثيوبيا وكينيا».

في نفس السياق، تتعاون الجزائر مع الولايات المتحدة الأمريكية في التدريبات المشتركة وتقديم المساعدات المالية والتدريبية للجيش الجزائري قدرتها مصادر أمريكية بـ125 ألف دولار منذ عام 2001 وفق البرنامج الدولي للتربية والتدريب العسكري، وقامت تدريبات مشتركة في الساحل بمشاركة جيوش أفريقية تعتبر طرفًا في النزاع القائم بالساحل الأفريقي منذ سنوات.

ومع النزاع المسلح في ليبيا برزت خلافات حادة بين الجزائر وفرنسا حول إدارة الأوضاع هناك، حيث رفضت بشكل علني التدخل الفرنسي بمساعدة «الحلف الأطلسي» وعزل القائد الليبي «معمر القذافي» لأسباب لها علاقة بانتشار الأسلحة وتوسع المنظمات الإرهابية وانفلات الوضع الأمني على الحدود الممتدة بآلاف الكيلومترات في منطقة الساحل.

وقامت فرنسا في شهر سبتمبر (أيلول) الأخير باجتماع حول الأوضاع في ليبيا، دعت إليه كافة الأطراف النافذة في الملف كالولايات المتحدة الأمريكية والدول القوية في الاتحاد الأوروبي وقطر وتركيا ومصر، مع استبعاد الجزائر وتونس من حضور الاجتماع. وهو ما شكل مفاجأة وردًا من فرنسا تجاه الخارجية الجزائرية في التعامل مع الملف الليبي الذي ترفض فيه الزج بالجيش الجزائري.

الخارجية الجزائرية رفضت علنًا التواجد الفرنسي العسكري في ليبيا، ووقفت في مساعيها الدبلوماسية وجهودها السياسية ضد قوات اللواء «حفتر» الذي تدعمه فرنسا ومصر والإمارات ماديًا وعسكريًا، وفي نفس يوم الاجتماع بالعاصمة «باريس» ردت الجزائر بدعوة واستضافة رئيس حكومة الوفاق الوطني «فائز السراج» في زيارة رسمية لمدة يومين، وهي إشارة من الخارجية إلى رئاسة «قصر الإليزيه» في فرنسا أن للجزائر تأثيرًا مباشرًا في الملف الليبي.

ورفضت «تونس» في وقتٍ سابق إقامة قاعدة عسكرية أمريكية بين الحدود الليبية التونسية بعد ضغط حكومي من الجزائر، وكانت جهات حكومية تونسية قدمت الموافقة على المشروع الأمريكي بعد تهديدات إرهابية جادة لتونس خلال الفترة «2013 إلى 2016». وقالت تقارير إعلامية محلية إن الجزائر أبدت غضبًا رسميًا من الجارة تونس واعتبرته قرارًا غير ممكن تنفيذه.

وتعاني مصر والسودان من مشاكل داخلية عويصة بسبب تراكم أزمات سياسية أثرت على الملفات الخارجية، حيث تعاني الأولى من أوضاع اقتصادية صعبة وحصار دبلوماسي رغم الجهود الجبارة للرئيس «عبد الفتاح السيسي» بسبب تأثير الانقلاب على سمعة مصر خارجيًا، في حين ما زالت الجارة الجنوبية السودان تعاني من آثار الانقسام والصراعات القبلية التي ساهمت في مضاعفة المتاعب للحكومة السودانية.

ومع كل الحراك الحاصل في المنطقة الأفريقية، يسعى المغرب إلى لملمة جراحه الأفريقية بالعودة إلى منظمة «الاتحاد الأفريقي» ومحاولة إيجاد مكانة ضمن هذه الهيئة التي تعتبر فضاء نفوذ قوي لمصر والجزائر، والمغرب الأقصى لا تشكل له تهديدات الساحل الأفريقي مشاكل أمنية وعسكرية واقتصادية مباشرة للبعد الجغرافي ووجود منطقة تعتبر ذات خلاف أممي في صورة «الصحراء الغربية» المتنازع عليها.

ماذا يجب على العرب الأفارقة عمله؟

يمكن القول إن القواعد العسكرية للقوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا تندرج في سياق زيادة القوة والنفوذ في المنطقة، وهي إشارة مباشرة للحكومات والدول في الأقاليم المتعددة في القارة أن القوى الكبرى مصرَّة على الاستحواذ أكثر على الثروات والتحكم في مستقبل التجارة والاقتصاد والمال، وضرورة البحث عن بدائل جاهزة ومتحكم فيها بعيدًا عن النزاعات الجارية في مناطق كالشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

كما يعتبر الكثير من المحللين والباحثين أن وجود تعاون عسكري بين الغرب وجيوش المنطقة هو سعي لاستنزاف هذه الجيوش وإرغامها على الدخول في صراعات وحروب طويلة الأمد مع الجماعات المتشددة وتوريط لها بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، وهو ما ينتج عنه إضعاف للجيوش وتعريض دول تتربع على مساحات واسعة من الثروات مثل ليبيا والجزائر إلى التقسيم والاستيلاء دون مقابل على الذهب الحقيقي والأسود معًا.

ووسط هذه التعقيدات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة، نطرح سؤالًا في غاية الأهمية تجاه المجتمعات العربية، ماذا يجب على الحكومات والمؤسسات العربية عمله لإنقاذ الحديقة الخلفية؟ وهل هناك إستراتيجية قائمة على تبني العمق الإستراتيجي لدول الساحل وجنوب الساحل الأفريقي؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في تقريرٍ قادم.

تعليقات الفيسبوك