إذا كانت أفريقيا تحتاج إلى استثمارات تصل إلى 170 مليار دولار سنويًّا لمدة 10 أعوام لتلبية متطلبات البنية التحتية، حسب تقديرات البنك الدولي؛ فلا غروَ أن تتسابق دول القارة للحاق بركب مبادرة «الحزام والطريق» الصينية أو ما يُعرف بـ«طريق الحرير الجديد»، وإن تواترت التحذيرات من مخاطر وقوعها في «فخ ديون» التنين اليقظ، الذي لا يقدم مساعدات بل قروضًا.

لكن بينما يذهب نصيب الأسد من الأضواء للدول التي حجزت لنفسها مقعدًا على متن القطار الصيني، يسلط هذا التقرير الضوء على جانب آخر جدير بالتأمُّل، لكنه لا يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام؛ فبعد مرور ست سنوات على انطلاق مبادرة «الحزام والطريق»، ما تزال هناك 14 دولة أفريقية لم تقفز إلى العربة الصينية حتى الآن، ما يثير تساؤلات حول الأوضاع الاقتصادية والسياسية في هذه الدول، ولماذا لم تلهث وراء الإغراءات الصينية مثلما فعلت بقية أخواتها في القارة. هذا ما تناقشه السطور التالية.

(مدى اتساع التغطية الإقليمية لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية حول العالم. مصدر البيانات: شركة «Development Reimagined» للاستشارات ومقرها بكين) 

الاستثمارات الصينية في أفريقيا.. باقية وتتمدد

تركزت الموجة الأولى من التوقيعات على مشروعات «الحزام والطريق» في شرق أفريقيا، حيث كانت بكين تطور مشروعات ضخمة للبنية التحتية بمليارات الدولارات، شملت خطوط السكك الحديدية في كينيا وإثيوبيا، إلى جانب مشروعات ضخمة في ميناء جيبوتي.

ورغم أن خريطة مبادرة «الحزام والطريق» الحالية لا تتضمن رسميًّا من دول شمال أفريقيا سوى مصر، فإن توقيع مذكّرات تفاهم بين الصين وكل دول شمال أفريقيا يبرهن على أنّ الصين توسّع انتشارها في المنطقة، وهو ما خلُصَت إليه ورقة بحثية نشرها «معهد بروكنجز» في سبتمبر (أيلول) 2019، من إعداد الباحثَيْن عادل عبد الغفار، وآنا جاكوب.

الممرات البرية والبحرية لمبادرة «الحزام والطريق». المصدر: معهد «مركاتور» للدراسات الصينية – مجلس العلاقات الخارجية)

وتغطي المبادرة الآن دولًا في شرق وجنوب شرق أفريقيا، مثل إثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، وموزمبيق، ومدغشقر، وجنوب أفريقيا)، وشمال أفريقيا (مصر، والمغرب، والجزائر) ودول أفريقيا الداخلية، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا وزيمبابوي، حسبما ترصد مجلة «أفريكان بزنس».

(خريطة توضح انتشار شبكة «حزام واحد.. طريق واحد». المصدر: معهد «مركاتور» للدراسات الصينية)

من هم الصامدون في وجه الزحف الصيني؟

وقَّعت 40 دولة من أصل 55 دولة في أفريقيا – إلى جانب الاتحاد الأفريقي– مذكرات تفاهم مع بكين لتمويل وبناء طرق سريعة ومطارات وسكك حديدية حديثة، ضمن مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.

لكن بعد مرور ست سنوات على إطلاقها، لم تلحق 14 دولة أفريقية حتى الآن بركب المبادرة الصينية، ما يثير تساؤلات حول ملامح هذه الدول، ولماذا تصمد في وجه زحف بكين الحازم صوب أفريقيا.

حين ننظر إلى الخريطة نجد أن هذه الدول السابحة عكس التيار تنتشر في ربوع القارة، وتغطي أربع مناطق رئيسية: الشرق (إريتريا وموريشيوس)، والوسط (جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى)، والغرب (بنين وغينيا الاستوائية) والجنوب (مملكة إيسواتيني وبوتسوانا).

(الدول الأفريقية التي لم تنضم حتى الآن إلى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية. – مصدر البيانات: شركة «Development Reimagined» للاستشارات ومقرها بكين – مصدر الخريطة: موقع كوارتز)

لا يوجد سبب واحد يفسر لماذا لم توقِّع هذه الدول حتى الآن مذكرات تفاهم مع الصين للانضمام إلى مشروعات «الحزام والطريق»، بل يرصد عبد اللطيف ظاهر، مراسل موقع «كوارتز أفريقيا»، مزيجًا من العوامل السياسية والاقتصادية التي تدفعها إلى تبني وضع «الانتظار والترقب»، والتي من بينها:

1 – السياسة الداخلية الصينية تقف عائقًا أمام البعض

تلعب السياسة الداخلية الصينية تحديدًا دورًا رئيسيًّا في تحديد الدول الموقعة، وتوقيت انضمامها إلى ركب المبادرة، كما تقول هانا رايدر، الرئيس التنفيذي لشركة «Development Reimagined» للاستشارات ومقرها بكين:

لم تنضم مملكة إيسواتيني (سوازيلند سابقًا) غير الساحلية إلى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية؛ لأنها تعترف بتايوان، التي تعدها بكين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. ولم تستأنف كل من جمهورية ساو تومي، وبرينسيب الديمقراطية، وبوركينا فاسو علاقاتهما مع الصين إلا مؤخرًا، بعد قطع العلاقات مع تايبيه في عامي 2016 و2018 على التوالي.

2 – إِحَن الماضي تصيغ علاقات الحاضر

هناك عامل آخر ترى هانا رايدر ضرورة وضعه في الاعتبار، وهو أن سبعة من أصل 14 دولة – بما في ذلك الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى وبنين- عارضوا انضمام الصين إلى الأمم المتحدة في عام 1971.

لأسباب مشابهة، يواصل كبار القادة الصينيين زياراتهم رفيعة المستوى إلى مختلف دول القارة سنويًّا، لكنهم لم يحطوا رحالهم في جزر القمر أو ليسوتو طيلة العقد الماضي.

دولي

منذ سنة واحدة
كيف تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة خطة «طريق الحرير الجديد» الصينية؟

3 – تصاعد العداء المحلي ضد الامتيازات الصينية

ولأن بعض هذه الاستثمارات تشترط استخدام الشركات والعمالة الصينية؛ كان منطقيًّا أن يتصاعد العداء في العديد من الدول الأفريقية تجاه السياسات التي تفضل العمال الصينيين على السكان المحليين في عقود البناء والبنية التحتية، مثل إثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وزامبيا، على سبيل المثال لا الحصر، وفق تقرير «المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية».

4 – غموض الأثر الاقتصادي يؤخر البعض عن الانضمام للركب

بالنظر إلى أن دولًا مثل موريشيوس، وبوتسوانا، وغينيا الاستوائية هي اقتصادات متوسطة الدخل، تقول هانا رايدر «إنهم ينتظرون معرفة الأثر الواقعي لمبادرة «الحزام والطريق» على الدول الأخرى قبل القفز إلى توقيع مذكرات تفاهم غامضة، لم يتضح بعد ما الآثار التي ستترتب عليها».

5 – المشروعات الصينية تحت المجهر في الدول المستقرة سياسيًّا

ونظرًا إلى أن الأنظمة السياسية قوية ومستقرة في دول مثل موريشيوس وبوتسوانا، فإن المشروعات الصينية تخضع لمزيد من التدقيق هناك مقارنة بالدول الأفريقية الأخرى، ما يعطل اللحاق بركب مبادرة «الحزام والطريق».

وإن كان رئيس بوتسوانا موجويتسي ماسيسي أعلن في عام 2018 أن بلاده «ستستفيد من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية لتعلُّم خبرات ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والبحث عن نمط تنمية جديد لرفع القوة التنافسية لبوتسوانا بشكل مستمر».

كما وقعت الصين وموريشيوس في عام 2018 مذكرة تفاهم بخصوص اتفاقية التجارة الحرة الثنائية، التي تغطي التجارة في السلع، والخدمات، والاستثمار، والتعاون الاقتصادي.

6 – الافتقار إلى الشفافية يطال مناقصات المشروعات الصينية

ولأن المناقصات تفتقر إلى الشفافية؛ يجد المقاولون فسحة لتضخيم التكاليف، مما أدى إلى إلغاء بعض المشروعات إحجامًا سياسيًّا في بعض الحالات، وفق ما رصده مجلس العلاقات الخارجية.

وغالبًا ما تبرم الصفقات مع الصين دون أي مناقصات مفتوحة، مما يتيح ثغرات للمحسوبية والعمولات، وهو ما يضفي مصداقية على الاتهامات الموجهة للمشروعات التي تمولها الصين.

7 – عدم الجدوى الاقتصادية لبعض المشروعات

برغم رسوخ أقدام الصين في القارة، ثمة عقبات تواجه مشروعات «الحزام والطريق» لدرجة وقفها تمامًا. على سبيل المثال، كانت الصين تخطط لبناء مطار في سيراليون وميناء في تنزانيا، ضمن مبادرة «الحزام والطريق» لولا أن الدولتين أوقفتا المشروعين وسط مخاوف تتعلق بالتكلفة والسيادة.

وكانت المخاوف بشأن الديون والجدوى الاقتصادية من بين الأسباب التي دفعت سيراليون العام الماضي إلى إلغاء مشروع مطار ماماه الدولي، الذي تبلغ تكلفته 300 مليون دولار، وكان سيموَّل بقروض صينية وتبنيه شركة صينية.

8 – مخاوف تتعلق بالسيادة

وفي تنزانيا، علقت الحكومة إلى أجل غير مسمى خططًا لبناء ميناء باجامويو، بسبب مخاوف متعلقة بالسيادة، أعلن عنها الرئيس التنزاني جون ماجوفولي في يونيو (حزيران) الماضي، قائلًا لمجموعة من المستثمرين إن الصين تريد «أن نمنحها ضمانًا لمدة 33 عامًا، وعقد إيجار لمدة 99 عامًا».

هكذا وجد شعب زامبيا نفسه مثقلًا بديون تبلغ 280 مليون دولار؛ في مقابل استثمارات صينية تمخضت عن وضع جميع وسائل الاتصال – بما في ذلك المتعلقة بالجيش والشرطة ومجلس الوزراء- تحت سمع الصينيين وأبصارهم، حتى قال موقع «Zambian Watchdog» الزامبي: «يفعل الصينيون ما يريدون، ويضحكون على غبائنا».

التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية

أظهرت الأبحاث الحديثة أن التوترات الجيوسياسية العالمية والحروب التجارية والحمائية يمكن أن تُخَفِّض ما يصل إلى 800 مليار دولار من المخطط، مما يؤثر في مقدار ما ستستفيده أفريقيا على المدى الطويل.

حتى بعض الشركات التي ليس لها نشاط إنتاجي في الصين، بدأت تشعر بوطأة التعريفات الأمريكية، حسبما ترصد فرجينيا هاريسون في تقرير نشرته «بي بي سي». ويؤكد ذلك أنغ وي سينغ، المدير التنفيذي لاتحاد مصنعي المواد شبه الموصلة في سنغافورة، قائلًا: «من المسلّم به أن التوتر التجاري بدأ يلقي بظلاله على قطاع الأعمال هنا وفي المنطقة عمومًا. سيتأثر كل العالم بهذا».

«فخ الديون».. قروض لا مساعدات

تعتمد مشروعات «الحزام والطريق» على قروض منخفضة الفائدة بدلًا من منح المساعدات، حسبما تشرح دورية «فورين أفيرز». هذا يفسر لماذا قد لا تستطيع 17 دولة أفريقية سداد قروضها للصين، بحسب مبادرة البحث الصينية- الأفريقية في جامعة جون هوبكنز، التي حذرت في عام 2015 من أن أزمة الديون قد تتفاقم بشكل خاص في ثلاث دول بعينها هي: جيبوتي، والكونغو، وزامبيا.

الارتياب في سلوكيات الصين

أحد الأسباب الأخرى التي قد تفسر عزوف بعض الدول الأفريقية عن اللحاق بقطار «الحزام والطريق» هو الارتياب في سلوكيات الصين، بدءًا من أجندتها العسكرية المتنامية، مرورًا بحملاتها الرامية للتأثير النفسي والسياسي في الدول المكنوبة بالاستبداد، وليس انتهاء باستخدام تكنولوجيا الاتصالات السلكية واللاسلكية للتجسس على حكومات الدول المضيفة، حسبما يرصد الباحث بيرل ريسبيرغ في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

وحين تحمَّلت الصين تكلفة بناء مقر الاتحاد الأفريقي البالغة 200 مليون دولار عام 2012؛ استغلت الفرصة لزرع أجهزة تجسس في المكاتب والمصاعد، حسبما كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية مطلع عام 2018. وإذا كانت الصين تحرص على تحويل «استثماراتها المالية إلى عوائد جيوستراتيجية»، على حد قول الباحث بول نانتوليا، في المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية؛ فلا غروَ أن تتحسس الدول موطئ قدمها للتأكد من أنها لا تسير إلى حتفها طوعًا.

 

(حصة المشروعات التي تبنيها الصين في أفريقيا. – مصدر البيانات: مؤشر Africa Construction trends 2018 الصادر عن شركة «ديلويت»)

لماذا يرفض الفقراء والمستبدون ركوب القطار الصيني؟

بيدَ أن عاملًا واحدًا مما سبق لا يكفي وحده لتفسير عزوف دول أخرى عن اللحاق بقطار «الحزام والطريق»؛ فما تزال قائمة السابحين عكس التيار تضم دولًا فقيرة أو أقل نموًّا (غينيا، بيساو، ملاوي)، أو خاضعة لحكم شمولي (إريتريا)، أو دولًا تحصل على مستويات عالية من الاستثمارات الصينية الخاصة (موريشيوس) أو لديها ارتباطات تصدير ضخمة مع الصين (جمهورية الكونغو الديمقراطية).

الانضمام الأفريقي الناقص يفسد الحملة الترويجية الصينية

حاولت بكين بجدية تسويق مبادرة «الحزام والطريق» إلى المزيد من الدول الأفريقية، وتوضيح ما قد يترتب على توقيع مذكرات التفاهم على المدى الطويل. بيدَ أن ذلك لم يتضمن التزامًا محددًا، بقدر ما يشير إلى احتمالية بناء علاقة أقوى، كما تقول هانا رايدر.

لكن إضافة المزيد من الدول الموقِّعَة إلى القائمة لا يضمن وحده نجاح مبادرة «الحزام والطريق» في أفريقيا. وحتى لو كانت الدول العازفة عن التوقيع لا يتجاوز عددها 14 دولة، فلا تستطيع بكين في ظل هذا العزوف ادعاء أن القارة بأكملها حجزت لنفسها مقعدًا على متن قطار «الحزام والطريق».

كيف تستفيد أفريقيا من مبادرة «الحزام والطريق»؟

وحتى تستفيد الدول الأفريقية من الفرص التي توفرها المبادرة الصينية، تنصح هانا رايدر باتباع ثلاث خطوات ضرورية:

1- أن يضع الاتحاد الأفريقي مخططًا للمشروعات الرئيسية المحلية والإقليمية التي يتعين على الصين دعمها.

2- أن تحدد الدول الأعضاء في مبادرة «الحزام والطريق» أولوياتها وما تريد تحقيقه من هذه الشراكات.

3- أن تتشارك الدول الأفريقية أفضل الممارسات فيما بينها، حتى يتسنى لها التعلم من أخطاء بعضها.

وبدون هذه الخطوات الثلاث، ترى هانا أن أفريقيا لن تتمكن من تحقيق الاستفادة القصوى من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، ولا أي مبادرة أخرى مستقبلية.

دولي

منذ 7 شهور
«لسنا جمعية خيرية».. هكذا تخطط اليابان لمزاحمة الصين في أفريقيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد