1,170

22 عامًا قضاها رئيس جامبيا السابق في منصبه، «يحيى جامع»، قبل أن يغادر في صمت وبشكلٍ مفاجئ تمامًا في ديسمبر (كانون الأول) 2016،  بعدما خسر الانتخابات الرئاسية أمام مرشحٍ مغمور هو «آدم بارو»، لم يتوقَّع أحد نتيجة تلك الانتخابات، بل ربَّما لم يسمع بها أحد من الأصل، لم تكن تحت رقابة دولية، فقط إشراف رمزي من الاتحاد الأفريقي، لكن نتائجها جاءت مفاجئة للكثيرين، بما فيهم جامع نفسه، الذي لم يتوقَّع أن يستغني الشعب عن خدماته بهذه البساطة.

لم تفلح محاولات جامع للتمسُّك بالرئاسة، أو لإعادة «لعبة الانتخابات» من البداية؛ إذ سرعان ما تدخَّلت دول الجوار، وخرج الشعب معبّرًا عن رأيه؛ ليجد نفسه في النهاية مجبرًا على الصعود على ظهر طائرة تقلّه بعيدًا عن البلاد التي حكمها أكثر من عقدين من الزمان.

وقتها دارت الأحاديث أنّ رحيل جامع غير المتوقع، سيشكل بداية لـ«ربيع أفريقي» يجد فيه الزعماء الأفارقة أنفسهم خارج الحكم بطريقةٍ أو بأخرى، وبالفعل لم تمضِ شهورٌ قليلة حتى توالت حلقات المسلسل المنتظر؛ لتشهد الشهور الثلاثة الماضية رحيلًا غير متوقع لثلاثة من الحكام، هذا عوضًا عن التظاهرات الشعبية التي اندلعت في بلدان عدة، السودان وكينيا على سبيل المثال، والتي وإن لم تفلح بعد في الإطاحة بالحكومات، إلا أنها أنبأت بنارٍ تستعرُّ تحت الرماد في كثير من البلدان الأفريقية.

1- إثيوبيا.. «ضاقت فلما استحكمت حلقاتُها فرجت»

ربما لم يكن أكثر المعارضين الإثيوبيين تفاؤلًا يتوقعون أن تأخذ الأمور هذا المنحى وبهذه السرعة، فبعد شهور طويلة من الدم والقمع، قرر رئيس الحكومة الإثيوبية «فجأة» الاعتراف أن حكومته قد ضلّت الطريق، وأن مسار التصعيد الذي سلكته منذ بداية الأزمة يجب أن ينتهي فورًا وإلى غير رجعة.

بدأت القصة في أواخر عام 2016؛ حين اندلعت احتجاجات غير مسبوقة في إثيوبيا، قادها المنتمون لعرقيتي «الأورومو» و«الأمهرا»، وهما يشكلان الغالبية السكانية في البلاد، احتجاجًا على السياسات التي اعتبروها «إقصائية» للسلطة الحاكمة، والتي تسيطر على مفاصلها الأمنية والعسكرية أقلية «التيغراي».

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الأثيوبي

في البداية أشهرت الحكومة الإثيوبية القبضة الحديدية في وجه الاحتجاجات التي أسفرت عن مقتل العشرات واعتقال الآلاف وسط إداناتٍ حقوقية، غير أنّ تلك السياسة لم تمنع الاحتجاجات من الاستمرار والتوسع؛ حتى صارت تشكل تهديدًا لنمو الأعمال في البلاد، وتضر بصورة إثيوبيا التي لطالما اجتهدت في رسمها بالمحافل الدولية المختلفة باعتبارها نموذجًا للازدهار الاقتصادي الناجح، وواحة للاستقرار في وسط بيئة إقليمية مضطربة.

لكن مطلع العام 2018 شكَّل انعطافة ظاهرة في التعامل الرسمي مع الاحتجاجات؛ إذ خرج رئيس الوزراء «هيلا ميريام ديسالين» – الذي يحكم البلاد منذ عام 2012 – في 3 يناير (كانون الثاني) ليعلن قراره بإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، وإسقاط الاتهامات القضائية الموجهة ضدهم، فضلًا عن إغلاق معتقل «ميكالاوي» الذي اشتهر بعمليات التعذيب التي تجرى داخله وتحويله إلى متحف مع إنشاء سجن آخر يتلاءم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

اقرأ ايضًا:-إثيوبيا بدأت تخزين المياه.. 5 مخاطر ستواجه المصريين في «أيّام العطش»

كان هذا القرار مفاجأة حينها، لم يكن من المعروف على وجه الدقة ما الذي دفع الحكومة إلى تغيير جلدها فجأة ودفعة واحدة، لكن «ديسالين» لم يلبث أن فجر مفاجأة أخرى حين خرج في خطاب مفاجئ للشعب معلنًا استقالته من رئاسة الوزراء ورئاسة الحزب الحاكم، معلنًا أنه فعل ما بوسعه لتقديم حلول للوضع الراهن، ومعربًا عن أمله في المشاركة في برامج الإصلاح في البلاد.

ما الذي استجدّ فجأة ليحدث كل ما حدث؟ لا يمكن الوصول إلى إجابة يقينية، لكنّ البعض يراها محاولة «تجميلية» من داخل التحالف الحاكم لترميم صورة النظام وإطالة عمر بقائه في السلطة، خاصة أن «ديسالين» لا ينتمي إلى جماعة التيغراي الحاكمة، وطالما نُظر إليه كدمية يحركها الحزب الحاكم.

2- جنوب أفريقيا.. لا أحد يصمد أمام 783 تهمة فساد

قُبيل بزوغ الفجر كانت  سيارات الشرطة قد اصطفت في الطريق المؤدي إلى قصر عائلة «غوبتا» في جوهانسبرج، كانت تلك هي وحدات «مكافحة الفساد» التي نشطت أخيرًا بعد سنواتٍ طويلة من الهدوء خلال سنوات حكم الرئيس الجنوب أفريقي «يعقوب زوما»، كان المساس بعائلة «غوبتا» المعروفة بقرب أفرادها من الرئيس يعني أن الأخير قد فقد السيطرة على ماكينة الدولة تمامًا، وبالفعل لقد كان هذا هو يومه الأخير في الحكم.

تحت حكم يعقوب زوما تحولنا إلى دولة مافيا، وبمجرد أن تصبح الدولة كذلك، فإنها تتحول إلى دولة فاشلة.. جاك باو، مؤلف كتاب «حراس الرئيس» الذي يكشف الفساد المستشري في جنوب أفريقيا خلال سنوات حكم زوما

لم يكن «يعقوب زوما» فوق مستوي الشبهات حين جاء رئيسًا لجنوب أفريقيا في عام 2009؛ إذ لاحقته منذ عام 2000 اتهامات رسمية بالحصول على رشاوى وعمولات من شركة سلاح فرنسية في عام 1999، لكن التحقيقات التي استمرت تسع سنوات قد أسقطت تلك الاتهامات عندما فاز زوما بالسباق الرئاسي.

تحت حُكم زوما بدا حُلم الجنوب أفريقيين في دولة «نظيفة» وديمقراطية مزدهرة عقب التخلص من نظام الفصل العنصري حلمًا بعيد المنال، ارتفع الفساد في المؤسسات الرئيسية في البلاد إلى مستويات قياسية – بلغت نسبة فساد الشرطة وفق بعض الإحصاءات 83% والقضاء 50% – وتراجع الاهتمام بالحقوق الرئيسة للمواطنين كالتعليم والخدمات الصحية، وارتفعت معدلات العنف ضد المرأة، فضلًا عن انتشار «خطاب الكراهية» ضد الأجانب.

Embed from Getty Images

أما الرئيس زوما، وفضلًا عن فشله في إدارة البلاد بالكفاءة المطلوبة ، فقد استمرت سلسلة فضائحه بلا انقطاع، وكان أبرزها اتهامه بـ«الاستيلاء على أملاك للدولة»، حيث يتَّهم بالتواطؤ مع عائلة «غوبتا» لتسهيل السيطرة على مؤسسات للدولة لحساباتٍ شخصية، حتى إن أحد أفراد العائلة  قد عرض على نائب وزير مالية سابق أن يتمّ تصعيده إلى مقعد الوزارة في مقابل بعض التسهيلات، إلا أن نائب الوزير قد رفض.

وبشكلٍ عام، يواجه زوما 783 تهمة تتنوع بين الفساد وغسيل الأموال والابتزاز المالي؛ الأمر الذي أثَّر كثيرًا على سمعة الحزب الحاكم: «المؤتمر الوطني الأفريقي» الذي نجح أخيرًا وبفارق ضئيل في الإطاحة بالزوجة السابقة لزوما من زعامة الحزب، وهو ما وجَّه ضربة قاصمة لزوما الذي تنتهي فترة ولايته الثانية والأخيرة في 2019، وقد كان يطمح أن تتبوأ زوجته قيادة الحزب، ومن ثم تصعد إلى مقعد رئاسة البلاد؛ ما يوفر بابًا خلفيًا له لاستمرار التغطية على فضائحه.

لكنّ الزعيم الجديد للحزب «سيريل رامافوسا» قد جاء بأجندةٍ مختلفةٍ تمامًا، ومناهضة للرئيس الذي صار عبئًا على الحزب، بدا الأمر مربكًا في البداية؛ رئيس حزب يندِّد بفساد رئيس البلاد الذي ينتمي إلى الحزب نفسه، تستغل المعارضة الفرصة أفضل استغلال فتُعلن أنها بصدد سحب الثقة من الرئيس في البرلمان، يطالب الحزب الحاكم الرئيس بالاستقالة؛ فيرفض.

بعد تهديد ووعيد من رامافوسا، وإدراك من زوما أن أيامه قد ولَّت، وأن شبكات دعمه قد تفكَّكت، يخرج في خطاب إلى الشعب يشكو خيانة حزبه، يؤكد أنه لم يرتكب جرمًا يستحق ما يحدث، «هذا ليس عدلًا»، يتوسل زوما، لكن الوقت كان قد مضى، ووجد الرجل نفسه أمام الاستقالة طوعًا أو الإقالة قسرًا؛ فيختار الأولى؛ لترقد روح «نيلسون مانديلا» أخيرًا في سلام.

اقرأ أيضًا:- من الديمقراطية إلى الديكتاتورية.. روح نيلسون مانديلا لا ترقد بسلام في جنوب أفريقيا

3- روبرت موجابي .. 37 عامًا في السلطة لا تحصنك من الرحيل المفاجئ

قرابة أربعة عقود قضاها الرئيس الزيمبابوي السابق بمقاليد الحكم في بلاده؛ حتى تجاوز عمره التسعين عامًا، ولم يزل ممسكًا بزمام السلطة، لكن الأسابيع الأخيرة من عام 2017، قد أتت بما لم يكن يتوقعه ولو في أسوأ كوابيسه.

حفلت سنوات حكم موجابي بالكثير من القمع والكثير من الدم؛ إذ لم تكد البلاد تتخلَّص من نظام الفصل العنصري، حتى دبّ الشقاق بين المجموعتين العرقيتين الأكبر في البلاد، فيحسم موغابي الأمر لصالح مجموعته، ويشكل فرقًا عسكرية خاصة تهاجم أراضي ماتابيلاند معقل خصومه، وبإشراف من موجابي شخصيًا جرى قتل نحو 20 ألف شخص، فيما عرف بـ«مذابح جوكو راهوندي».

Embed from Getty Images

عدَّل موجابي الدستور، ناويًا البقاء في السلطة إلى الأبد، ومع تقدُّم في العمر وفي السلطة معًا يُصاب بجنون السلطة فيما يبدو؛ فيفقد الدبلوماسية المعهودة والمطلوبة في القادة السياسيين، يعلن أنه «طلب الزواج من أوباما» في سخريةٍ من مسألة «زواج المثليين»، تقيم حكومته يانصيبًا بجائزة 100 ألف دولار ليربحها هو، وفوق كل ذلك، يفشل تمامًا في إدارة شؤون البلاد، حتى تصل قيمة السنت  الأمريكي الواحد (الدولار = 100 سنت) إلى 500 مليار دولار زيمبابوي.

هل أخطأ موجابي حينما وقع في حب «جريس»، التي تصغره بنحو 40 عامًا؟ ربما، تنحدر «جريس» من أصول فقيرة ، لكنها كانت عامرة بالطموح، دخلت إلى معترك السياسة شيئًا فشيئًا، حتى صارت رئيسة المكتب السياسي في الحزب الحاكم، ولم تجتهد في إخفاء طموحها في خلافة زوجها العجوز.

أقول للسيد موجابي يمكنك أن تتركني آخذ مكانك.. لا تخف إذا أردت منحي منصبك.. امنحني إياه بكل حرية. * جريس موغابي

لكن «القشة التي قصمت ظهر البعير» كانت حين أخطأت «غجريس» تقدير قوتها؛ فحاولت الإطاحة بنائب الرئيس وأبرز المرشحين لخلافته «منانغاغوا»، الذي يتلقى الدعم من قادة الجيش والمحاربين القدامى، تحركت الأرتال للسيطرة على الحكم، وأجبر موجابي على الاستقالة، بعدما أوردته زوجته ونزواتها المهالك.

اقرأ أيضً :- «روبرت موجابي».. ماذا يحدث للديكتاتور حين يتجاوز التسعين؟