من عجائب القارة السمراء أن الانقلابات وليس الانتخابات كانت هي الأسلوب المؤسسي الأكثر شيوعًا لتغيير الحكومات في أفريقيا منذ رحيل الاستعمار، حسبما خلُصَ بحث أجراه جين شارب وبروس جنكينز من «معهد ألبرت أينشتاين»، ويؤكده البروفيسور صامويل ديكالو، من جامعة ناتال – ديربان بجنوب أفريقيا، قائلًا: إن الانقلابات هي «السمة الأكثر وضوحًا وتكرارًا للتجربة السياسية الأفريقية». 

منذ خمسينات القرن العشرين شهدت أفريقيا 204 انقلابًا؛ نجح منها 100، وفشل 104، استنادًا إلى بيانات جمعها جوناثان باول من جامعة وسط فلوريدا وكلايتون ثاين من جامعة كنتاكي. هذه المناصفة (100/104) وإن كانت تثير قدرًا كبيرًا من الأمل في أن نجاح الانقلابات ليس قَدَرًا محتومًا، وأن تحرُّك الجيش للاستيلاء على السلطة يواجه نسبة لا بأس بها من احتمالية الفشل، إلا أنها في الوقت ذاته تثير قدرًا كبيرًا من القلق أن ينجح 100 انقلابٍ في بضع عقود لهو إغراءٌ جدير بأن يسيل له لعاب ذوي البزات العسكرية. ولا غروَ فقد اعتاد ذوو التطلُّعات على مرّ الأزمان أن يكون لهم إحدى المقامين: إما الصدر أو القبر.

شهد السودان أكبر عدد من الانقلابات خلال تلك الفترة بواقع 14، وإن كان لبوركينا فاسو النصيب الأكبر من الانقلابات الناجحة، بواقع سبعة. ومن بين 40 دولة أفريقية شهدت انقلابات، كانت المغرب وكينيا والكاميرون هي الدول الثلاث التي لم ينجح فيها أي انقلاب. في 12 من تلك البلدان الأربعين، وقعت انقلابات في غضون خمس سنوات من الحصول على الاستقلال. وفي المجمل شهدت 23 دولة أفريقية ثلاثة انقلابات على الأقل. و14 دولة فقط ـ حوالي الربع ـ من أصل 54 دولة في أفريقيا هي التي لم تشهد انقلابًا عسكريًا.

على الصعيد العالمي بلغ إجمالي عدد الانقلابات منذ الخمسينات 475، نجح منها 236. وكانت بوليفيا على موعد مع أكبر عدد من محاولات الانقلاب بواقع 23، نجح منها 11. هذا يعني أن أفريقيا شهدت انقلابات أكثر من أي مكان آخر على ظهر البسيطة، يليها أمريكا الجنوبية التي شهدت 95 محاولة انقلاب، 40 منها كانت ناجحة. بيد أن عدد الانقلابات تراجع في أمريكا الجنوبية على مدى العقدين الماضيين، وكانت المحاولة الأخيرة في فنزويلا عام 2002 ضد الرئيس هوجو شافيز مصيرها الفشل.

إذا كانت القارة السمراء قد شهدت 39-42 انقلابًا كل عقدٍ بين عامَي 1960 و1999، فإن عدد الانقلابات انخفض منذ ذلك الحين إلى 22 انقلابًا خلال العقد الأول من القرن العشرين، ثم إلى 16 في العقد الحالي.

وفقاً لدراسة أجراها بنك التنمية الأفريقي

وقعت 99 محاولة انقلاب في أفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة من 1970 إلى 1989. لكن في الفترة من 1990 إلى 2010 شهدت المنطقة 67 محاولة انقلاب، وهي نسبة عالية مقارنة بباقي المناطق حول العالم، إلا أنها انخفضت بمقدار الثلث تقريبًا في عقدين.

لكن لماذا أصبح من الصعب على قادة الانقلاب أن ينجحوا، أو أن يتلاعب الرجال الأقوياء بدساتير بلادهم في القارة؟

تراجُع تحركات الجيوش حول العالم للاستيلاء على السلطة بالقوة، يعود – في رأي جوناثان باول من جامعة وسط فلوريدا – إلى نهاية ديناميات الحرب الباردة التي شهدت تدخُّل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في شؤون أمريكا اللاتينية، وكذلك استعداد المجتمع الدولي لفرض عقوبات على البلدان التي تشهد انقلابات، مثل هايتي في عام 1994. كما شهدت آسيا أيضًا تراجُعًا في عدد الانقلابات خلال تلك الفترة.

في أفريقيا تحديدًا، يُرجِع عبادياس ندابا، المتخصص في الشؤون الأفريقية، ذلك إلى مزيج من ثلاثة عوامل رئيسة:

  • صعود جيل جديد من الأفارقة، خاصة الشباب وأبناء الطبقة الوسطى المزدهرة، التواقين إلى التغيير. فأفريقيا هي أصغر قارة في العالم، حيث يزيد عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا عن نصف إجمالي التعداد، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان إلى مليارين بحلول عام 2050.
  •  البيئة الدولية المتغيرة. خلال حقبة الحرب الباردة، عندما كانت الانقلابات حدثًا متكررًا، كانت المصالح الأجنبية تدعم بشكل ما أو تحفز العديد من الانقلابات في أفريقيا. لكن هذه الممارسة غير الديمقراطية لم تعد نشاطًا دوليًا جذابًا في عالم أكثر تعقيدًا.
  • ضغوط الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية مثل «الإيكواس»، وكذلك المجتمع الدولي، ليس فقط عبر الإدانة بالكلمات، ولكن أيضًا بفرض عقوبات على الأفراد المسؤولين عن الإطاحة بالحكومات المنتخبة ديمقراطيًا.

هذه العوامل تزيد من صعوبة حدوث انقلاب عسكري ناجح ضد حكومة شرعية، لكنها لا تعني نهاية الانقلابات العسكرية في أفريقيا. وقد يكون هذا التراجع قصير الأجل؛ لأن تواري الانقلابات لسنوات عديدة لا يعني أن الدولة لم تعد عرضة للخطر. ولسوء الحظ ما دام يوجد عدد كبير من الأنظمة غير الشرعية، وبدائل قليلة لإزالة الطغاة، وتغيير الحكومات التي تتبنى الديمقراطية موسميًا، فإن شبح الاستيلاء غير الدستوري على السلطة سيبقى محدقًا بالدول، حسبما يحذر الثنائي ريبيكا شيل وجوناثان باول من جامعة سنترال فلوريدا.

طالما لم يُقطع دابر الانقلابات، فهذا غالبًا ما يكون نذيرًا لحدوث مزيدٍ منها؛ استنتاجٌ توصل إليه عالما السياسة الأمريكيان جوناثان باول وكلايتون ثاين بعد بحثٍ وتدقيق، وأثبته نونيهال سينج في كتابه المرجعيّ «الاستيلاء على السلطة: المنطق الاستراتيجي للانقلابات العسكرية»، مؤكدًا على أن أية محاولة انقلاب، سواء كانت ناجحة أو فاشلة تزيد خطر حدوث محاولة انقلاب أخرى مستقبلية.

من اللافت أن معظم الانقلابات التي شهدتها أفريقيا أزيحت بانقلابات أخرى، ولم تخرج الدول المنكوبة من هذه الدوامة العسكرية إلا بالمثابرة. هذا يعني أن الانتصارات التي يحلم بها الثوار بالقاضية على المستبد، والحلول السحرية السهلة سهولة الكلام، ليس لها مكان غالبًا في أرض الواقع. كما لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع، والحلول الناجحة المستدامة هي التي استطاعت المزج بين عدة عوامل، أبرزها الضغط الشعبي، والمناورات السياسية، والتنازلات المحسوبة. هذا ما تعلمته القارة المنكوبة بالطريقة الصعبة.

رسالة من بوركينا فاسو: لا تيأسوا مهما قوي الخصم وتكرر الفشل

عندما تظاهر شعب بوركينا فاسو ضد الرئيس بليز كومباوري، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2014؛ احتجاجًا على عزمه الترشح لولاية رئاسية خامسة، لم يتوقع كثيرون أن تنجح الحركة الجماهيرية في ثني الرجل الذي يمسك بزمام السلطة منذ 27 عامًا عن عزمه، ناهيك عن إجباره على الفرار إلى ساحل العاج.

لكن العقود الثلاثة تحت حكم كومباوري كانت كافية لأن يبلغ الغضب الشعبيّ الزُبَى؛ فاجتاح المتظاهرون الإذاعات الحكومية، وأشعلوا النار في مبنى البرلمان، وحرقوا منازل أقارب الرئيس. ولم تتوقف احتجاجاتهم أمام الغاز المسيل للدموع ولا الرصاص الحي، حتى بعدما نجحوا في إسقاط مشروع قانون تمديد الولاية وأجبروا الرئاسة على حل الحكومة.

الصيّاد يتحوَّل إلى طريدة

كان من الممكن أن يدب اليأس في قلوب الجمهور بعدما فشلت احتجاجاتهم السابقة في أن تؤتي أُكُلها ست مرات على الأقل منذ عام 1999، ولم يكن المراقبون سيستغربون إذا كَبَّل الإحباط حركة الشعب أمام الرجل القوي الذي استولى على السلطة ابتداءً في انقلاب عسكريّ عام 1987، ثم أتقن فنون النجاة في مواجهة كل الاحتجاجات اللاحقة التي اندلعت ضده، بما في ذلك تمرد عسكري من حرسه الرئاسيّ إبان الموجة الأولى من الربيع العربي عام 2011، مستعينًا على نكبات الدهر بمزيجٍ من المفاوضات والتسويات والقوة المحسوبة.

لكن لا اليأس عرف طريقًا إلى قلوب البوركينابيين ولا الإحباط نال من عزيمتهم؛ إذ كان الشعب على ما يبدو قد آمن بقدرته على تحقيق سابقةٍ في أفريقيا جنوب الصحراء، موقنًا بأن «خيوط العنكبوت حين تتحد؛ يمكنها تقييد أسد»، على حد وصف بارتيليمي بازيمو، محلل السياسات في «Africa Faith & Justice Network».

«القصعة لم تعد مستباحة»

صحيحٌ أن تفاحة الحكم – برحيل كومباوري – سقطت في يد القائد العام للقوات المسلحة الجنرال أونوري تراوري، الذي أعلن نفسه رئيسًا للدولة «طبقا للأحكام الدستورية، وبعد التأكد من شغور الحكم، ونظرًا إلى الضرورة الملحة للحفاظ على الأمة» – حسبما ورد في إعلانه – بيد أن القصعة لم تعد مستباحة مثلما كانت على مدى العقود الثلاثة المنصرمة، في كنف «أبطال ثورة بوركينا فاسو» الذين قرروا تنصيب أنفسهم «جنودًا لحماية الشعب» ضد أية محاولة أخرى لمصادرة حريته.

سرعان ما وُضِعَت هذه العزيمة الشعبية موضع الاختبار، عندما انبرى الجنرال السابق في الحرس الجمهوري جيلبرت دينديري لينتزع زمام القيادة المؤقتة من ميشيل كفاندو، ويعلن نفسه رئيسًا للبلاد قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات التي كانت مقررة في 11 أكتوبر لتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة. لم يتوقع كثيرون أن يُجبَر دينديري على التراجع في الأسبوع ذاته الذي نصَّب فيه نفسه مسؤولًا عن البلاد.

إذا كان هناك شيء واحد أثبته شعب بوركينا فاسو حين أجبر كومباوري على الاستقالة ودينديري على إلقاء السلاح، فهو أن «هذا البلد لديه قدرة غير محدودة تقريبًا على إرباك تنبؤات حتى أكثر المراقبين المخضرمين»، بشهادة سيمون أليسون، محرر الشؤون الأفريقية في صحيفة «الجارديان» البريطانية.

Embed from Getty Images

تظاهرات شعبية ضد محاولة الانقلاب في بوركينا فاسو

الشعب هو الحل

إذا كان ثمة عامل مشترك أفضى إلى نجاح المشهدين فهو: الشعب. صحيحٌ أن الجيش النظامي كان على أهبة الاستعداد للتحرك ضد حرس النخبة الرئاسي، لكن العاصمة واجادوجو التي أمر قادة الجيش بتطويقها كانت أيضًا في عهدة المتظاهرين العفويين الذين خرجوا ضد المحاولة الانقلابية. وهكذا وصلت الرسالة واضحة وحاسمة إلى الجنرال دينديري – بلغة يفهمها الرجل العسكري العتيد – أنه سيضطر إلى القتال – ليس فقط ضد الجيش، ولكن أيضًا الشعب – إذا اختار الحفاظ على السلطة.

«كان الجيش حاضرًا في مواجهة قوات النخبة الانقلابية، لكن الاحتجاجات الشعبية ضد الانقلاب أظهرت أن الحرس الرئاسي لم يكن يسيطر على الغالبية العظمى من البلاد، ولن يكون قادرًا على الحكم لفترة طويلة»، حسبما لاحظ إيلويز برتران، الباحث من جامعة وارويك والخبير في شؤون حركات المعارضة البوركينابية.  

دور المنظمات الإقليمية

إلى جانب الإرادة الشعبية، وحضور المجتمع المدني – خاصة النشطاء الشباب – في قلب المشهد، وتأهب قوات الجيش، كان ثمة عامل ثالث ساعد على إفشال محاولة الانقلاب، هو أن دينديري وأنصاره – الذين تربطهم صلات قوية بنظام كومباوري – فوجئوا برد الفعل داخل القارة. حيث دان الاتحاد الأفريقي الانقلاب على الفور بعبارات قوية، فيما شكلت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)» فريق وساطة رفيع المستوى.

قال رئيس الاتحاد الأفريقي نكوسازانا دلاميني – زوما في بيان: «يعتبر الاتحاد الأفريقي إعلان الجيش إقالة الرئيس ميشيل كافاندو، ومحاولة استبدال سلطات جديدة به، لاغية وباطلة» كانت تلك لغة قوية، على نحوٍ غير معتاد، من مؤسسة تتمتع بسمعة جيدة في التحوط ضد المخاطر، على حد وصف «الجارديان».

«لعبت إيكواس دورًا مهمًا للغاية يوضح إمكانية التدخل الإقليمي الفعال»، حسبما رصده فرانك تشارناس، الرئيس التنفيذي لشركة تحليل المخاطر «Afrique Consulting». ولم يعد الرئيس المؤقت ميشيل كافاندو إلى منصبه إلا بعد إجراء محادثات مع فريق وساطة «إيكواس»، الذي كان له دور فعال في إقناع دينديري بقبول الصفقة.

صحيحٌ أن الانقلابيين لم يتوقفوا عن المحاولة، بل أعادوا الكرة في أكتوبر من العام التالي 2016، لكنهم فشلوا مرة أخرى في اجتثاث بذور الأمل التي نثرها البوركينابيون في إمكانية الإطاحة بالرؤساء الذين ظلوا عقودًا في الحكم، وإعادة صناع الانقلاب بخفَّي حنين. وبالفعل تلقى رئيس بنين توماس يايي بوني الرسالة فعَدَل عن خططه لتغيير الدستور، وأعلن رئيس جمهورية الكونغو برازافيل دينيس ساسو نجيسو أنه سيضع القرار في يد الشعب. فهل تصل الرسالة إلى الشعوب العربية التي لم تستفق بعد من نوبة البكاء لبن ربيعها المسكوب؟

لكن الثورات المدنية وإن كانت تميل إلى استيعاب الجميع في تيار الاحتجاج، إلا أنها لاحقًا تجد صعوبة في الاتفاق على خريطة طريقٍ لقيادة البلاد بمجرد رحيل الرئيس. هذا هو سبب الارتباك الذي شهدته بوركينا فاسو لاحقًا، من وجهة نظر فيرا سونجوي الباحثة في «كارنيجي»، والدافع وراء النقاش المستمر في القارة حول دور الجيش في الانتفاضات الشعبية.

رسالة من بنين: من قال إن «التفكير داخل الصندوق» لا يوفر حلولًا؟

لم يمكن مشهد انتقال بنين إلى الديمقراطية ملحميًا، ولم يُقَدِّم البلد الواقع غرب أفريقيا نموذجًا ينتصر لتنظيرات التنمية الاقتصادية وآثارها التحوُّلية في القارة الفقيرة، وهو ما لاحظته الباحثة راشيل م. جيسيلكويست، ناهيك عن الثورات الشعبية التي ينحني لها أعناق العالم تبجيلًا.

كان ذلك ليكون رائعًا، لكن بنين مرّت بثلاث مراحل شبه تقليدية: (1) بدأت بانهيار الحكومة القائمة، (2) ما مهَّد لانتقالٍ تدريجي إلى الديمقراطية، (3) ثم استمرار الحد الأدنى من هذه الحالة.

في المرحلة الأولى، فاقمت الأزمة الاقتصادية من نقاط الضعف الموجودة في الحكومة القائمة، وفي المرحلة الثانية، دعمت الجهات الفاعلة الخارجية عملية التحوُّل الديمقراطي، فيما ساهمت مجموعات محلية متنوعة في عمليةٍ سياسيةٍ لم تهيمن عليها أي مجموعة بمفردها، ثم في المرحلة الثالثة، اكتسبت القيادة المحلية والحوافز المؤسسية أهمية خاصة، وفق البحث الذي أعدته جيسيلكويست.

لم يكن مرَّ على استقلال بنين عن فرنسا في عام 1960 سوى ثلاثة أعوام حين شهد البلد الواقع في غرب أفريقيا انقلابًا على هوبير ماجا، أول رئيس للبلاد، بقياده كريستوف سوجلو الذي خدم سابقًا في الجيش الفرنسي وكان متزوجًا من امرأة فرنسية. بعدها بعامين كرَّر سوجلو الكرَّة ضد سورو ميجان أبيثي، قبل أن يشرب من الكأس ذاته على يد موريس كوانديتي في ديسمبر  (كانون الأول) 1967.

في أكتوبر 1972 كانت بنين على موعد مع انقلابٍ سيظل محفورًا في الذاكرة لفترة طويلة، قاده ماثيو كيريكو، الرجل الذي لم يُلَقَّب بـ«الحرباء» من فراغ؛ إذ حكم البلاد طيلة 19 عامًا حتى 1991، قبل أن يُجرَّد من سلطته خلال المؤتمر الوطني الذي عُقِد في عام 1990.

بسيطرة ماثيو كيريكو على بنين، انتهت سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة التي ابتليت بها الدولة منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، حسبما ترصد «فريدم هاوس». لكن بعد ثلاث سنوات، تبنى كيريكو نظام دكتاتوريًا ماركسيًا – لينينيًا تحت حكم الحزب الواحد والقيادة العسكرية للجنرال كيريكو نفسه. استمر هذا الوضع 17 عامًا، لكن الإفلاس المالي الناجم عن سوء الإدارة الاقتصادية لخزائن الدولة أضعف حكم الجنرال.

في يناير (كانون الثاني) 1989 بدأ طلاب الجامعات الذين يطالبون بعودة الوظائف المضمونة في القطاع العام، والمعلمين الغاضبين من عدم دفع الرواتب لشهور، موجة من الاحتجاجات والإضرابات استمرت حوالي 20 أسبوعًا. بحلول نهاية العام، نمت الحركة الاحتجاجية لتشمل مجموعات أخرى من المجتمع المدني، واتخذت طابعًا سياسيًا أكثر عمومية، مطالبة باستقالة كيريكو وتطبيق الحكم الديمقراطي.

كانت المشاركة الشعبية لافتة، ففي شهر ديسمبر وحده تظاهر أكثر من 40 ألف مواطن في شوارع أكبر مدينتين في البلاد. وتحت وطأة هذا الضغط السياسي، وتعليق الدعم المالي والدبلوماسي الفرنسي، ألغى كيريكو الماركسية – اللينينية، وأضفى الشرعية على أحزاب المعارضة، وأعلن عقد مؤتمر وطني في فبراير (شباط) 1990 لمناقشة إمكانية تطبيق الحكم الديمقراطي.

جمع هذا المؤتمر ـ وهو الأول من نوعه في أفريقيا ـ 488 مندوبًا، من بينهم قادة الأحزاب السياسية المعارضة والنقابات والجامعات والجمعيات الدينية والجيش ومنظمات حقوق الإنسان والجماعات النسائية. وعلى الرغم من مقاومة كيريكو، صاغ المؤتمر دستورًا ديمقراطيًا جديدًا، وأكد السيادة على البلاد، ونظم انتخابات وطنية تنافسية متعددة الأحزاب في العام التالي.

رغم اعتراض بعض ضباط الرئيس على هذا التحوُّل، وانتقاد كيريكو ما تمخض عنه المؤتمر باعتباره «انقلابًا مدنيًا»، إلا أن السخط الجماهيري كان له دورٌ في دفع الرئيس إلى الاعتراف بخطئه وطلب المغفرة من شعبه، ولاحقًا الاعتراف بخسارته في انتخابات 1991 التي عبَّدت طريق التحوُّل إلى الديمقراطية، رغم المخالفات التي شابتها.

بيد أن الحد الأدنى من التعددية الديمقراطية الذي حظيت به بنين منذ ذلك الحين لم يمنع كيريكو من العودة إلى الرئاسة عبر انتخابات 1996، ثم مرة أخرى عام 2001 في ظل ظروف مثيرة للجدل، قبل منعه من الترشح مرة أخرى في عام 2006؛ لأن الدستور يقصر ولاية الرئيس على فترتين فحسب ويشترط أن يكون المرشح أقل من 70 عامًا، بينما كان كيريكو قد بلغ السبعين في عام 2003 خلال فترة ولايته الثانية.

صحيحٌ أن كيريكو أعلن في يوليو (تموز) 2005 أنه لن يحاول تعديل الدستور للسماح له بالترشح لولاية ثالثة، وقال: «إذا لم تترك السلطة؛ فستتركك السلطة». إلا أن بعض التكهنات كانت تشير إلى أنه كان ليفعل ذلك لو استطاع، ولولا المعارضة الشديدة التي واجهته لَمَا غادر منصبه في أبريل (نيسان) 2006.

تأمل شعب بنين كيف أن محاولات الانقلابات التي نُكِبوا بها أزيحت بمحاولات انقلابٍ أخرى – وبلدهم ليست بدعًا من دول القارة المنكوبة – فلم تكن لديهم رفاهية البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق، بل أجبرتهم الأثقال المتراكمة على الرضا بـ«الحد الأدنى»، ثم كان اختيارهم أن غفروا خطيئة منفذ آخر انقلابٍ ناجح شهدته البلاد منذ ذلك الحين.

صحيحٌ أن العقيد بامفيل زوماهون حاول في 4 مارس (آذار) 2013 الانقلاب على الرئيس توماس يايي بوني، لكن قيمة المغفرة التي تعلمتها بنين كانت حاضرةً مرة أخرى في  قرار الرئيس بالعفو ليس فقط عمن حاولوا الانقلاب عليه، بل من حاولوا تسميمه قبلها بعام، قائلًا: «أنا لا أريد الموت للمخطئ، بقدر ما أبحث عن الاعتراف بالخطأ».

لم يكن كيريكو يتمتع بقوى سحرية هي التي مكنته من النجاة طيلة هذه الفترة – كما يعتقد البعض – لكنه كان ذكيًا بما يكفي ليختار ليس فقط توقيت تراجعه عن صدارة المشهد، بل أيضًا إعادة ترميم صورته السياسية، والنجاة برقبته من مصيرٍ دمويّ اعتاده الانقلابيون من بني قارّته، وكانت النتيجة أن أعلنت البلاد أسبوع حداد وطنيّ عند وفاته في أكتوبر 2015 عن عمر يناهز 82 عامًا. لم يكن شعب بنين ساذجًا حين تجرَّع الصبر، ولا مثاليًا مغرقًا في الرومانسية حين قَبِل طلب المغفرة، بل كان يؤمن بأن التفكير التقليدي داخل الصندوق قد يؤدي أحيانًا إلى حلحلة بعض الأزمات المزمنة، وأن حل المشكلات المستعصية يتطلب أحيانًا ما هو أكثر من صرخة شعبية.

«أغنية راب» أسقطت حكم العسكر.. عندما هُزمت الطغمة العسكرية في تايلاند بالقافية

رسالة من جامبيا: «امنح المستبد طريقًا آمنًا للرحيل»

إذا اعتقد رجل الجيش أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالسلطة أو السجن وربما الموت فسوف يستميت للبقاء في منصبه. هذه مخاطرة ينبغي تجنبها كلما كان ذلك ممكنًا. لكن ماذا عن النقاء الثوريّ والمثالية الأخلاقية التي تحتم محاسبة كل المجرمين؟ لا بأس بها، شريطة ألا تتحول دعوات القصاص إلى قميص عثمان، أو تقف الرغبة في الانتقام حجر عثرة في طريق الواقعية اللازمة لاغتنام فرص التسوية.

يضرب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمية»، على ذلك مثلاً: رجل جامبيا القوي يحيى جامع، الذي كان مستعدًا للتنحي عن السلطة بعد خسارته الانتخابات الرئاسية في ديسمبر (كانون الأول) 2016، لكن عندما أعلن مرشح المعارضة الفائز، أداما بارو، أنه سيحاكم جامع، تصلّب موقف الأخير وأعلن حالة الطوارئ بذريعة وجود مخالفات شابت العملية الانتخابية وحاول الضغط على البرلمان لتمديد حكمه لمدة ثلاثة أشهر، ولولا الضغوط الدولية والوساطات الإقليمية لما قبل في النهاية بتسليم السلطة سلميًا.

ثمن الخلاص من المستبد

«إن القول، أو الإيحاء بأي شكل من الأشكال، بأن انتصار الديمقراطية في جامبيا كان أمرًا لا مفر منه؛ سيمثل سوء فهم جسيم لطبيعة الديمقراطية ذاتها في أفريقيا»، على حد قول كالين ميلز في «جيوبوليتيكال مونيتور». ألم تستغرق جنوب أفريقيا أكثر من 50 عامًا لتخلص نفسها من نظام الفصل العنصري؟ ألم ينتح المجتمع الأفريقي جانبًا ليشاهد الجنرال عيدي أمين وهو يحكم أوغندا ويتسبب في مقتل مئات الآلاف خلال سبعينات القرن الماضي؟

عندما رفض جامع التنازل عن السلطة بعد الاعتراف أولًا بهزيمته الانتخابية، بدا الأمر وكأنه تأكيد لما يعرفه الجميع بالفعل بأن الرجل جاء في الأصل إلى السلطة على صهوة انقلابِ يوليو 1994. مثل هذه الحالة المزمنة لا تصلح معها سياسات الانتقام التي سارعت إليها المعارضة بالحديث عن إلغاء انسحاب جامبيا من المحكمة الجنائية الدولية، ورفض منح الرئيس السابق الحصانة من الملاحقة، بل التهديد بالاستيلاء على أصوله.

حان وقت الملاحقة

«لم يكن قرار جامع بالتنحي عن السلطة بعد 22 عامًا مهمًا لشعبه فحسب، حيث قرر عدم دفع البلاد إلى معركة دموية للاحتفاظ بالسلطة، ولكنه أيضًا دشن سابقة مهمة في أفريقيا لانتقالٍ سلمي للسلطة بعد دكتاتورية دامت عقودًا»، كما يقول الدكتور سليمان ديرسو. وبهذه الطريقة تجنبت جامبيا ما يسميه ديرسو «لعنة الدول التي نكبت بحكم استبدادي لفترة طويلة؛ حيث تظل الأسئلة مثارة حول مصير الزعيم المنتهية ولايته أثناء وبعد تسليم السلطة وحول الانتقال من السياسة الاستبدادية إلى الديمقراطية».

تخلصت الدولة المعروفة باسم «ساحل أفريقيا المبتسم» من نظام جامع وأرسلته إلى المنفى، وكان الشباب – الذين يطلق عليهم في أفريقيا وصف «cheetahs» – هو «قائد الثورة الهادئة التي هزمت جامع في صناديق الاقتراع». لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ لم يتنازل ضحايا نظام يحيى جامع عن حقهم في تقديمه وشركائه الرئيسيين إلى العدالة، بغض النظر عن المدة التي قد يستغرقها ذلك. بدافع «الواجب الأخلاقي»، شكلوا تحالفًا يسعى إلى تعزيز صوت الضحايا في العملية الانتقالية الحالية، ومساعدة الحكومة الجامبية على استرداد أصول جامع، وإرسال رسالة إلى «الطغاة في جميع أنحاء القارة بأن الشعب مصمم على ألا يفلتوا من العقاب».

رسالة من غانا: تقديم التنازلات يحتاج إلى  الشجاعة السياسية

ينصح أبراهام لوينثال وسيرجيو بيطار المصلحين عبر دورية «فورين بوليسي» بأن «يكونوا مستعدين لتقديم تنازلات، حتى لو لم تتحقق كل أهدافهم الحيوية، وشعر بعض مؤيديهم المهمين بالإحباط». فغالبًا ما يتطلب استبعاد المواقف المتطرفة قدرًا من الشجاعة السياسية أكبر من التمسك بمبادئ جذابة، لكنها غير عملية.

في غانا رفض جون كوفور، زعيم «الحزب الوطني الجديد»، مقاطعة انتخابات عام 1992، أول استحقاق تشهده البلاد عقب إقرار الدستور الجديد، اقتناعًا منه بضرورة مشاركة حزبه مستقبلًا في انتخابات عام 1996، على الرغم من معرفته المسبقة بإمكانية خسارته. لكن فوز كوفور اللاحق في انتخابات عام 2000 أدى إلى انتقال سلمي للسلطة عبر صندوق الاقتراع، وهو نمط سيستمر لسنوات لاحقة، حسبما رصد دوجلاس فرح في «واشنطن بوست».

أشباح وثغرات المرحلة الانتقالية

كان كوفور مقتنعًا بعدم إمكانية انتزاع السلطة من قبضة جيري رولينجز، الذي قاد انقلابين ناجحين على مدى 20 عامًا قضاها في سدة الحكم، إلا بهذه الطريقة الطويلة المرهقة. لكن الأيام أثبتت أن تهديد رولينجز لن يزول بمجرد تسليمه السلطة، بل سيظل شبح الانقلاب محلقًا في الأجواء، وهو ما رسخه رولينجز حين أشار في خطابٍ لاحق بلهجة تحريضية إلى أن كوفور لم يكن يثق في الجيش، غير أن  القيادة العسكرية تعهدت بالولاء للحكومة المنتخبة.

ثمة ثغرة أخرى رصدها البحث الذي أجراه روبرت جويس من جامعة برينستون تتمثل في «نقص المعلومات المتبادلة بين الحكومات المنتهية ولايتها والحكومة الجديدة»؛ ما دفع الباحث إلى القول بأن أول انتقال للسلطة عبر صندوق الاقتراع في غانا من حكومة جيري رولينجز إلى حكومة جون كوفور كان سببًا في الانقسام وألحق الضرر بالبلاد.

اتهمت الحكومة الجديدة فريق رولينجز بعدم تقديم معلومات كافية عن ميزانيات الوزارة، والموظفين، وأمور أخرى تسببت في إلغاء أو تأخير عدد من مشاريع البنية التحتية بسبب نقص المعلومات، فضلًا عن إثارة الشكوك بشأن الفساد، وبالتالي استغرقت الحكومة الجديدة أشهرًا لرسم توجهات سياسية واضحة. وفي المقابل اتخذ كوفور بعض التدابير الاقتصادية غير الشعبية، مثل رفع أسعار الوقود بنسبة 64%، ومضاعفة أسعار الكهرباء والمياه.

التعلم من الأخطاء ومراكمة الإنجازات

كان التحدي الذي يواجه الحكومة الجديدة هو: إعادة هيكلة الإدارة العامة وتحديثها حتى يكون الانتقال التالي للسلطة أكثر تنظيما وتناسقا. وعلى الرغم من أن ضيق الوقت والمضاعفات السياسية أعاقت الإنجاز الكامل لهه الأهداف، إلا أن المحاولات ساعدت في تخفيف التوترات السياسية في غانا، وتحسين جودة المعلومات المتبادلة بين الحكومات السابقة واللاحقة.

عندما وصلت الحكومة الجديدة إلى السلطة بعد انتخابات عام 2009، عولجت عملية الانتقال بشكل أكثر كفاءة، وكان هناك استمرارية أكبر بكثير على مستوى السياسات؛ ما شكل خطوة مهمة في مسيرة الدولة صوب الديمقراطية. استشهد المشاركون في المرحلة الانتقالية بعدد من الأمثلة على هذا النجاح في استمرارية السياسات أثناء انتقال السلطة، منها برنامجا التأمين الصحي الوطني والتغذية المدرسية، اللتان واصلت عملهما الإدارة الجديدة وعملت على توسيعهما.

يؤكد وليام فريمبونج-بونسو، الذي عمل على مشروع الحكم المركزي مع الحكومتين الكندية والغانية، على أهمية التقدم – حتى ولو كان بجرعات متواضعة – قائلًا: «انظروا إلى ديمقراطيتنا، من أين بدأنا في عام 1992. تدريجيًا، لقد أصبحنا قادرين على البناء، وها قد وصلنا هنا الآن».

Embed from Getty Images

الرئيس السابق لغانا جون كوفور

رسالة من زامبيا: ليس بالانتخابات وحدها تأتي الديمقراطية

ناضل الزعيم النقابي فريدريك تشيلوبا  لإنهاء حكم الحزب الواحد، وتحدى الرئيس كينيث كاوندا الذي يحكم البلاد منذ عام 1964 في انتخابات عام 1991 كمرشح للحركة الديمقراطية متعددة الأحزاب، ليصبح ثاني رئيس للبلاد منذ الاستقلال.

سعى تشيلوبا إلى تغيير المسار الذي سلكته البلاد في ظل كاوندا على مدى 27 عامًا، وصاغ دستورًا جديدًا فتح الباب أمام السياسة متعددة الأحزاب، وزاد من حرية الصحافة، وبدا للمراقبين أنه يضع حجر الأساس لانطلاقة هائلة صوب الديمقراطية، وبعد عقود من الحكم السيئ، بدا أن الرئيس الجديد ساعد بنجاح في وضع زامبيا على مسار ديمقراطي قادر على البقاء.

اقتفاء أثر المستبد

مع ذلك سرعان ما أصبح واضحًا أن المؤسسات الزامبية السائدة لم تكن قادرة على تقييد النخب السياسية وغيرها من الجهات الفاعلة الساعية إلى خدمة مصالحها الخاصة على حساب الأهداف الإنمائية الأوسع نطاقًا.

من المفارقات التي رصدها الباحثان موانجي س. كيميني ونيليفر مويو في «بروكنجز»، أن تشيلوبا الذي انتقد بضراوة حكم كوندا الاستبدادي، ودعا إلى فرض قيود على مدة الرئاسة في عام 1991، كان هو نفسه الذي حاول تعديل الدستور الزامبي في عام 2001 حتى يتمكن من الترشح لولاية ثالثة. ولم يتراجع عن عزمه إلا بعد احتجاجات شعبية واعتراضات عامة من داخل حزبه. الأسوأ من ذلك أن الإصلاحات الاقتصادية المزعومة لم تدم طويلًا؛ فخلال حكمه زادت الإدارة الاقتصادية سوءًا وتفشى الفساد، وحرص تشيلوبا على تقوية سلطاته التنفيذية بما يسمح له بالتصرف دون خوف من المساءلة.

في عام 2007، قضت محكمة بريطانية بإدانة تشيلوبا بسرقة 46 مليون دولار من الأموال العامة. ومع ذلك فشلت المنظومة القانونية الهشة في زامبيا في متابعة القضية. كما رفع الرئيس السابق، ليفي مواناوازا، قضايا فساد عديدة ضده بتهمة سرقة الأصول العامة، لكن العديد من هذه القضايا أسقطت بسبب العقبات البيروقراطية وفي بعض الأحيان نتيجة العبث القضائي. أما ملايين الدولارات التي تكبدتها الدولة نتيجة سوء إدارة ملف خصخصة الشركات الحكومية فلا يزال مصيرها مجهولًا.

وعلى الرغم من منح حرية الصحافة وحرية تشكيل أحزاب المعارضة، فإن الصحفيين البارزين ومسؤولي أحزاب المعارضة اعتُقلوا في كثير من الأحيان بتهم ملفقة بزعم التخطيط للإطاحة بالحكومة. وسرعان ما بدأ النظام الجديد اقتفاء أثر النظام السابق، على حد وصف باحثي «كارنيجي» موانجي س. كيميني ونيليفر مويو.

غياب المؤسسات القوية

صحيح أن تشيلوبا أطلق شرارة تعزيز العملية الديمقراطية في زامبيا، لكن بحلول نهاية حكمه كان قد عمل على إضعاف الديمقراطية في البلاد. وما بدا في البداية كدراسة حالة عن التحول الديمقراطي الناجح في أفريقيا تبين أنه تجربة فاشلة. بل يمكن القول إن تشيلوبا عام 1991 لم يكن ليتعرف على تشيلوبا عام 2001، وهو نموذج شائع بين القادة الأفارقة.

صحيحٌ أيضًا أن التخلص من الرؤساء الانقلابيين والانعتاق من نظام الحزب الواحد إنجازٌ جدير بالاحتفاء، لكن تجربة زامبيا – في رأي باحثا «بروكنجز» – تسلط الضوء على حقيقة أن الانتخابات في حد ذاتها لا تصنع ديمقراطيات. وقد فشل التحول الديمقراطي في زامبيا تحت حكم تشيلوبا؛ لأن الانتخابات لم تكن مدعومة بمؤسسات قوية.

من أجل تعزيز وترسيخ المثل الديمقراطية في أفريقيا، ثمة حاجة إلى بعض الإصلاحات الرئيسة، على رأسها: القضاء على الرئاسات ذات الصلاحيات الإمبراطورية. ويمكن القيام بذلك عن طريق نقل السلطة إلى الوحدات المحلية وتعزيز السلطة القضائية والتشريعية من أجل تطوير الترتيبات المؤسسية لمراقبة السلطة التنفيذية. تحتاج البلدان الأفريقية كذلك إلى مجتمع مدني أقوى يمكنه مساءلة الحكومات والتأثير على مستقبل الديمقراطية في القارة. بالإضافة إلى تكثيف جهود منع الفساد وملاحقته داخل الحكومة.

بعد رحيله، يرى الباحثان أن تشيلوبا سيظل معلمًا رئيسًا في مسيرة بلاده صوب الديمقراطية، لكنه أيضًا دليل على سهولة التخلي عن مبادئ الحكم الرشيد لخدمة مصلحته الذاتية المتمثلة في جمع القوة والثروة. وبالتالي فإن الدرس الأساسي المستفاد من ولايته هو أنه بدون وجود مؤسسات قوية تضع قيودًا فعالة على القادة الساعين وراء رغباتهم، لا يمكن للأفارقة أن يأملوا في الحفاظ على القيادة الديمقراطية. لسوء الحظ هناك العديد من هذا النموذج في القارة، تولوا السلطة في البداية بحجة النهوض بالديمقراطية، قبل أن ينتهي بهم المطاف بالتخلي عن مبادئهم لتحقيق مكاسب شخصية.

انتهت الجولة، لكن لم ينفد مداد الرسائل المنبعثة من قلب الظلام.

«روبرت موجابي».. ماذا يحدث للديكتاتور حين يتجاوز التسعين؟

المصادر

تحميل المزيد