تعد القارة الإفريقية آخر القلاع التي غادرها الاستعمار في القرن العشرين، وهي الأراضي التي تعاني غالبيتها من ضعف في التنمية الاقتصادية، وذلك لما يخلفه الاستعمار في نظر تيار واسع من المحللين والمفكرين من خراب في كافة القطاعات، وتدمير للبنية الاجتماعية لهذه الدول، إلا أن المتابع للشأن الإفريقي يلاحظ بروز بعض تلك الدول الإفريقية مؤخرًا، وقدرتها على تحقيق انتقال اقتصادي ناجح وسريع، مبني على أسس اقتصادية قويمة وثابتة على عكس الطرف الآخر من الأفارقة الذين ما زالوا يركنون تحت ربقة التخلف والتراوح الاقتصادي في نظر المراقبين.

ما زالت الكثير من الدول في أنحاء القارة تراوح مكانها، بل تتراجع خطوات إلى الوراء، بسبب موقف سياسي زج بها في مغامرة أمنية صعبة ومعقدة، وهو ما يعني إمكانية اقتداء بعض الدول المتأخرة نسبيًا ببعض النماذج الناجحة، للتقاطعات التاريخية والسياسية والتنظيمية بينهما، لتسير على دربها وتحقق ما يتم لها ذلك، خصوصًا إذا كانت تجمعهم وحدة البيئة وذات التجربة، وقابلية إعادة تطبيقها بسهولة، ولو مع بعض التعديل حسب خصوصية كل دولة ومنطقة وسنذكر في هذا التقرير بعض الأسباب الرئيسية في ذلك.

كيف تستفيد من غنيمة حرب التحرير؟

شئنا أم أبينا تبقى لكل دولة مستعمرة سابقًا علاقات قوية بالدولة التي استعمرتها في فترة ماضية، إلا أن الدول الناجحة هي التي تستفيد من هذه العلاقة ولكن بشكل عكسي، فبعد أن كانت تصادر ثرواتها وإمكاناتها ومواردها لصالح القوى الأوروبية التقليدية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، صارت تستفيد من التقدم التكنولوجي الهائل لهذه الدول، وتدخل معها في شراكات اقتصادية كبرى على سبيل نقل التجربة، ونقل التكنولوجيا واليد العاملة المؤهلة، وهذا عبر عقود استثمارات ضخمة تعقدها مع كبرى الشركات العالمية.

كل هذا أدى برفع القيمة السوقية لهذا البلد، وحسّن من مستوى العملة الخاصة بها، وأدى إلى رفع المستوى المعيشي لها، وقد ذكر تقرير للأمم المتحدة أن سبع دول إفريقية نجحت في خفض نسبة الفقر العام، حيث قالت اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة في تقرير أصدرته عام 2016 «إن سبع دول إفريقية هي: بوتسوانا، ومصر، وغينيا، وناميبيا، وجنوب إفريقيا، وسوازيلاند، وتونس، من أصل 54 دولة نجحت في تحقيق أهداف الألفية الإنمائية في خفض نسبة الفقر إلى النصف في العام 2015».

النجاح الاقتصادي مرتبط بالنجاح السياسي

إن أي نجاح اقتصادي لا بد وأن يكون قد سبقه نجاح في المسار السياسي للبلد، لأن المال لا يتحرك في أجواء تنعدم فيها الطمأنينة والاستقرار، مثلما يحدث حاليًا في تونس التي تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة، ولعل أهم عامل في ذلك هو الأمن القومي، ولن يتحقق هذا إلا بالحكم الراشد أو نسبة منه، خاصة على مستوى آلية الحكم وثباتها، وهذا الذي حدا ببعض الدول الإفريقية إلى تحقيق هذه النقلة الاقتصادية، وقد قاد هذا الاستقرار زعماء إفريقيون صاروا يعرفون بمدى نجاحهم السياسي، وصناعة نهضة سياسية وقومية في بلدانهم، مما عاد بالنجاح على المجال الاقتصادي، نذكر منهم بول كاغامه، رئيس رواندا.

وبخصوص رواندا ذلك البلد الصغير الواقع شرق القارة، لم يكن عدد المُتفائلين بمصيره كبيرًا، خاصة مع ما خلفته الإبادة الجماعية من نتائج كارثية اقتصاديًا واجتماعيًا (أكثر من 800 ألف قتيل) وما راكمته سنوات الاضطراب الطويلة، قبل أن يتمكّن الرئيس بول كاغامه من تحريك الرّاكد، عبر إقرار جملة من الإصلاحات، التي يسّرت عملية الخروج من عنق الزّجاجة، فرغم حقيقة اعتماد الدولة بصفة كبرى على الإعانات الدولية الضخمة، إلا أن هذا لا يحجب حجم الإنجازات الحكومية في المجال الاقتصادي، رغم صعوبة الوضع في أغلب دول العالم، حتى المُتقدّمة منها.

رواندا في خضم انهيار مؤشرات التنمية، حققت نسبة نمو بلغت 7% سنة 2014. وبلغ متوسط النمو السنوي بين عامي 2004 و2010 نسبة 8% سنويًا، وأقام كاغامه علاقات دبلوماسية جيدة مع أغلب دول شرق إفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية، في حين تدهورت علاقاته مع فرنسا ابتداءً من سنة 2009، وفي سنة 2010 قام كاغامه بإضافة اللغة الإنجليزية لغةً رسمية، ولغةً للتعليم في رواندا، في قرار يرمي إلى إضعاف موقع اللغة الفرنسية في نظامه التعليمي، وانسحبت رواندا من المنظمة الدولية للفرنكفونية للانضمام إلى الكومنولث الخاص بالدول الإنجليزية.

اقرأ أيضًا:

العالم والاقتصاد

منذ 3 سنوات
ماذا تعرف عن النمور الاقتصادية الأفريقية؟
22225
أشرف إبراهيم

وتوجت نتائج رئاسيات 2012 في السنغال، مسارًا سياسيًا متسمًا بالديمقراطية العريقة في هذا البلد، الذي أصبح ينمو كقوة إقليمية صاعدة في الغرب الإفريقي بالقارة، حيث قادت خلال نهاية عام 2016، حلف دول غرب إفريقيا من أجل قبول الرئيس الغامبي السابق، يحيى جامع، بنتائج انتخابات بلده، والتي فازت بها المعارضة، ولعل وجود مثل هذا النموذج يعتبر غريبًا في منظمة الاتحاد الإفريقي، التي كانت تسمى قبل سنوات قليلة بنادي «الانقلابيين» في القارة.

اقرأ أيضًا:

سياسة

منذ 3 سنوات
الدور الأمريكي المجهول في تعذيب مواطني تشاد
2513
محمد عزت

الوجهة نحو آسيا قوة اقتصادية بدون تبعية سياسية

عاش الأفارقة ردحًا من الزمن، وهم يعانون خيبة أمل من جراء الضربات الموجعة التي تلقوها من الاستعمار الغربي، الذي حرم بلادهم حتى بعد الاستقلال من شراكة ثنائية، ومن استغلال لموارد قارتهم وهذا ما جعل الدول الناجحة منها تسعى للبحث عن شريك اقتصادي وسياسي يحترم لهم خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية.

التحرر من حس الهيمنة وغياب الجشع الاقتصادي، لم تجده المجتمعات الإفريقية لا في الشركات الأوروبية ولا الأمريكية، بل وجدته في اقتصاديات آسيا، وعلى رأسها الصين والهند، وكذلك جعلت البراغماتية الاقتصادية هذه الدول الآسيوية تقدم التدخل في خصوصيات الدول. نتج عنه تحقيق نمو اقتصادي لصالح الأخيرة مع الحفاظ على خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، وهذا ما له الأثر الكبير على الروح العامة للمجتمع والسعي الدؤوب لتحقيق تقدم مستمر.

اقرأ أيضًا:

عام

منذ سنتين
هل يكون المغرب بوابة الصين إلى إفريقيا؟
1477
إبراهيم بديوي

تستثمر الآن الصين أكثر من 80 مليار دولار سنويًا في القارة، مع وجود مشاريع تجارية وصناعية ضخمة جدًا، جاوزت المشاريع الأوروبية والأمريكية في القارة خلال السنوات الأخيرة، وتحولت إلى أكبر مستثمر خارجي ومتعامل اقتصادي مع غالبية الدول الإفريقية، بالإضافة لوجود قوي للدول الآسيوية الأخرى مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وماليزيا، وسنغافورة، والقريبة كذلك من القارة كتركيا وإيران ودول الخليج العربي.

أفقر الشعوب في العالم يمتلكون إمكانيات اقتصادية هائلة

ما أن تذكر إفريقيا إلا ويذكر مرادفًا لها على اللسان في العقل، يربط بينها وبين الفقر والمجاعة والحروب، ويقابله رابط آخر عن الثروات الهائلة التي تملكها هذه القارة من معادن ثمينة ونفيسة وطاقات بترولية خامة وتنوع جغرافي هائل وهو ما نجحت بعض الدول الإفريقية في استغلاله على النحو الأمثل ونذكر منها دولة نيجيريا التي تتربع على عرش أفضل دولة في إفريقيا اقتصاديًا، بفضل أكبر ناتج محلي إجمالي والذي يتعدى 493 مليارًا.

حيث تعد نيجيريا من أهم الدول الإفريقية المنتجة للنفط وهي عضو في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط، كما أن القطاع الفلاحي يلعب دورًا مهمًا في اقتصاد البلاد، حيث إن أكثر من نصف أراضي نيجيريا صالحة للزراعة والرعي خاصة على ضفاف دلتا نهر النيجر، كما تجدر الإشارة إلى أن نيجيريا الأولى إفريقيًا في القطاع الاقتصادي، وتحتل المرتبة 26 عالميًا، بالإضافة إلى وجود إمكانات بشرية هائلة تفوق 180 مليون نسمة، وترشحها الكثير من التقارير الغربية لدخول قائمة الاقتصاديات العشرين الأولى في العالم، في غضون 2050.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد