«قارة بلا أمل»، هكذا عنونت مجلة «ذي إكونوميست» أغلفة أحد أعدادها قبل عشر سنوات، محيلة إلى الوضع في أفريقيا، القارة التي عادة ما ترتبط بالفقر والتخلف والأوبئة والحروب الأهلية بلا انتهاء. وعادة ما يُنظر للمجتمعات الأفريقية ذات البشرة السمراء، باعتبارها رمزًا لـ«البدائية» و«التقهقر الجيني البشري»، كما هو مُرسّخ في الصورة الذهنية لدى كثير من شعوب العالم.

ورغم الثروات الطبيعية التي ترزح تحتها قارة أفريقيا جنوب الصحراء، والمساعدات الدولية التي تنهال عليها سنويًا، بيد أنها لم تغادر بعد سلم الفقر طوال عقود. عزا البعض ذلك إلى الإرث الاستعماري الممتد إلى الآن بطريقة أو بأخرى، وإلى الدكتاتوريات الأجنبية أو المحليّة، بينما أرجع آخرون ذلك إلى الفساد وقلة الكفاءة، وكلا الرأيين ليسا بعيدين عن بعضهما البعض.

مع هذا، شهدت أفريقيا في السنوات الأخيرة تحسنًا متسارعًا على مستوى التنمية، طبقًا لتقارير الأمم المتحدة. وغدت الوجهةَ الجديدة للاستثمارات الدولية، ما يعني انتقال رؤوس الأموال والكفاءات إلى هذه البقعة من الكرة الأرضية، الأمر الذي جعلها أكثر القارات نموًا في 2014، بمعدل %6.5 في حين لم يتجاوز الاقتصاد العالمي %3.6، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

في هذا السياق برزت في الآونة الأخيرة بلدان أفريقية تكسر القاعدة النمطية المتداولة عن القارة السمراء جنوب الصحراء، مثل أوغاندا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، كدول واعدة مستقبلًا، بدأت تتلمس درب التنمية لتوها.

جنوب أفريقيا.. بعد فترة التمييز العنصري

لربما كانت جنوب أفريقيا أكثر البلدان تطورًا على مستوى القارة، وفي نفس الوقت أكثرها تلونًا، حيث تؤوي عددًا كبيرًا من السكان ذوي الأصول الأوروبية، كما تحتضن تجمعات ضخمة من العمالة الهندية. وإجمالًا فإن عدد سكانها يُقارب 50 مليونًا، يمثل الأفريقيون فيهم 80%.

دول أفريقيا

عانت جمهورية اتحاد جنوب أفريقيا من العنصرية، حيث كانت الأقلية الأوروبية تحكم الأغلبية الأفريقية، مستأثرةً بالثروة والسلطة. وقاد حزب المؤتمر الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا، حركة التحرر من التمييز العنصري طوال النصف الأخير من القرن العشرين، ليتم الاعتراف أخيرًا عام 1994 بالحقوق الدستورية لكل مواطني جنوب أفريقيا، بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين، ثم نظمت أول انتخابات ديمقراطية في نفس العام.

عملت بعدها حكومة جنوب أفريقيا على سن قوانين تنهي عهد التفرقة العنصرية، وتعمم العدالة الاجتماعية بين ذوي الأصول المختلفة. شملت هذه القوانين المساواة في الأجور، والحق في شغل المناصب العليا، وإعادة الاعتبار للغات المحلية.

حاليًا تُصنَّف جنوب أفريقيا، حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي، ثاني أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية ككل. ويسجلها صندوق النقد ضمن فئة الدول متوسطة الدخل، متجاوزة بذلك مصر والجزائر والمغرب. ولن يكون هذا الأمر غريبًا إذا ما علمنا أن هذا البلد تكتنز أرضه %40 من احتياطات العالم من معدن الذهب، كما أنها تعد إحدى الدول النادرة في القارة الأفريقية المصنعة للسيارات.

أما بالنسبة للنظام السياسي في جنوب أفريقيا، فقد تحول إلى نظام برلماني جمهوري منذ انتهاء حقبة التمييز العنصري سنة 1994، ومذاك الحين لم تعرف أي انقلاب عسكري كما يحصل عادة مع معظم البلدان الأفريقية.

وتتصدر جامعات جنوب أفريقيا جامعات القارة الأفريقية ككل، إذ احتلت جامعتا كيب تاون وويت وارتز راند المقدمة، باعتبارها أفضل الجامعات الأفريقية، طبقًا للتصنيف العالمي (THE) لسنة 2015. دون أن ننسى الاستضافة الباهرة لدورة كأس العالم 2010 التي نالت إعجاب العالم بهذا البلد.

نيجيريا.. الأغنى أفريقيًا

تقع نيجيريا في وسط القارة الأفريقية غربًا. تحدها شرقًا كل من تشاد والكاميرون، وتجاورها النيجر شمالًا وبنين من الغرب. عاصمتها أبوجا، وفقًا لمعلومات وكالة الاستخبارات الأمريكية، يصل عدد سكانها إلى 175 مليون نسمة.

بالإضافة إلى كثافتها السكانية العالية، تحتضن نيجيريا ما معدله 37,07 مليار برميل، وتحوز الرتبة 12 عالميًا، والأولى أفريقيًّا من حيث الإنتاج بـ2,411 مليون برميل يوميًا. بجانب ذلك، تملك أيضًا احتياطات من الغاز الطبيعي تقدر بـ5,118 تريليون سنتيمتر مكعب، وبذلك تكون في المرتبة الثامنة عالميًا، علاوة على ثروة مهمة من المعادن النفيسة.

كل تلك الثروة البشرية والطبيعية، جعلت الاقتصاد النيجيري قوة اقتصادية عظمى في القارة الأفريقية بدون منازع، من حيث الناتج الداخلي الخام، الذي فاق تريليون دولار في 2015 بحسب تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. إلا أن ذلك لم ينعكس إيجابًا على الشعب النيجيري الذي يعيش الفقر والعنف منذ عقود في غفلة تامة عن منظومة الفساد المستشرية التي تلتهم ثروات البلاد.

إلى حدٍ ما تبدلت الأمور، مع ما اعتبرت إصلاحات جريئة من قبل الرئيس النيجيري الحالي محمد البخاري، الذي أقال عشرات المسؤولين في المراكز العليا، وسن إصلاحات جذرية لمكافحة الفساد، شملت اعتماد «الميزانية الصفرية»، قبل المصادقة على ميزانية الدولة، وتوحيد الأنظمة المعلوماتية والمالية للدولة، مما يغلق الباب أمام المستفيدين من الريع.

اقرأ في هذا السياق: التجربة النيجيرية.. استفاقة «المارد الأخضر» من سباته

كما أن الاستثمارات الدولية صارت تتدفق بغزارة نحو نيجيريا بوصفها سوقًا اقتصادية واعدة، وكانت صحيفة «وول إستيريت جورنال»، قد استطلعت مستقبل الاستثمارات لأكثر من 200 شركة عابرة للقارات، واحتلت نيجيريا المرتبة الأولى في هذه التوقعات.

تبقى نيجيريا البلد الأغنى أفريقيًّا، وكما يتنبأ المهتمون بالشأن الأفريقي، سرعان ما ستتجاوز عقبة الفساد لتلحق بركب الدول الصاعدة، خصوصًا مع معدلات النمو الجيدة التي تسجلها في الآونة الأخيرة.

بوتسوانا.. أقل البلدان فسادًا في أفريقيا

يكفي أن موقع السفر العالمي «لونلي بلانيت» وضع بوتسوانا على رأس قائمة أفضل البلدان التي يجب زيارتها في 2016، لتعرف مدى الوضع الجيد الذي يتمتع به هذا البلد الأفريقي.

تقع بوتسوانا في جنوب الصحراء الكبرى، في أفريقيا الجنوبية، متجاورة مع زامبيا وأنغولا شمالًا والزمبابوي شرقًا، وتحدها ناميبيا غربًا وجنوب أفريقيا جنوبًا. كانت مستعمرة بريطانية ونالت استقلالها سنة 1966، ولا يتجاوز عدد سكانها مليوني نسمة.

دول أفريقيا

لم تعرف بوتسوانا انقلابات عسكرية أو حروبًا أهلية منذ استقلالها، ما سمح لها بالسير صعودًا نحو التنمية بلا توقف، بنسبة نمو سريعة للغاية متوسطها %9، فما مرت بضعة عقود حتى تحولت البلاد من واحدة من أفقر البلدان في العالم، إلى فئة البلدان متوسطة الدخل، ويعد دخلها القومي الإجمالي مرتفعًا بالمقارنة مع القدرة الشرائية، الشيء الذي يوفر لمواطنيها معيشة في مستوى المكسيك وتركيا.

تصنف منظمةُ الشفافية الدولية بوتسوانا أحدَ البلدان الأقل فسادًا على المستوى الأفريقي، بل ربما تتفوق على بلدان أوروبية، مثل إسبانيا وبلجيكا في هذا الصدد.

ويعتمد الاقتصاد البوتسواني على ثروة الماس، حتى غدت العاصمة غابورون مركزًا دوليًّا لتجارة الماس، مثلما تملك بوتسوانا مساحة صالحة للزراعة شاسعة.

لكن ما يميز بوتسوانا هو سحر طبيعتها البكر، حيث هناك الحياة البرية المتنوعة، تنتعش بمراعي السافانا المنبسطة، التي تؤوي تجمعات الأفيال الأفريقية، والكثير من الثدييات والطيور، وبعض الأنواع الحيوانية المهدد بالانقراض، هناك أيضًا تتراءى للسياح المشاهد الطبيعية الخلابة.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد