يقول روس بيروت، ملياردير تكساس الذي سبق وأن خاض الانتخابات الرئاسية الأمريكية مرتين، قبل وفاته منذ أيام في التاسع من يوليو (تموز) 2019: «العملة الضعيفة علامة على ضعف الاقتصاد، والاقتصاد الضعيف يؤدي إلى أمة ضعيفة».

صحيحٌ أن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس (ECOWAS)» تقترب من تحقيق حلم «العملة الموحدة»، بعد انتظارٍ دام 30 عامًا، من أجل تعزيز الوحدة الاقتصادية القاريّة، وتحسين قيمة السلع والخدمات، لكن العديد من الدول الأفريقية الأخرى تواجه صعوبات في الحفاظ على قيمة عملاتها، في ظل زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، في الوقت الذي تتطلع دول «إيكواس» إلى عام 2020 لإطلاق عملتهم الموحدة.

يحدث ذلك لأن «أول دواء تلجأ إليه الدول التي تعاني من سوء الإدارة هو: تضخم العملة. والدواء الثاني هو: الحرب. كلاهما يجلب ازدهارًا مؤقتًا، ويجلب أيضًا خرابًا دائما. وهما ملجأ الانتهازيين السياسيين والاقتصاديين»، كما يقول الروائي الأمريكي الأشهر إرنست همنجواي.

تستعرض السطور التالية أضعف العملات في أفريقيا مقابل سعر الدولار الأمريكي، وتوضح لماذا وصلت إلى هذه الحالة المتردية، وكيف تخلفت عن ركب الحالمين بالانتعاش المالي والوحدة الاقتصادية.

مكبلين بالسلاسل محرومون من الانتحار.. رحلة العبيد الأفارقة فوق سفن التجار

«الدوبرا» أضعف عملة أفريقية في 2019.. والسبب؟

الدوبرا هي العملة الرسمية لجمهورية ساو تومي وبرينسيب الديمقراطية، وهي دولة جزرية تقع في خليج غينيا على الساحل الغربي الاستوائي من منطقة وسط أفريقيا. وتعد الدوبرا أضعف عملة في أفريقيا، وثالث أضعف عملة على مستوى العالم في 2019؛ إذ يساوي سعر صرف الدولار الواحد 21561 دوبرا.

Embed from Getty Images

أحد الأسباب الرئيسة هو تواضع عائد محصولي الكاكاو وجوز الهند، اللذين يعتمد عليهما اقتصاد الدولة؛ بسبب الجفاف وسوء الإدارة، إلى جانب زيادة عبء الديون الخارجية.

وقُدِّر إنتاج عام 1913 بحوالي سُدس إنتاج العالم من الكاكاو، وصل إجمالي صادرات محصول الكاكاو إلى 43 ألف و495 طنًا متريًا، وهو ما يمثل 97% من جميع صادرات الجزيرتين.

قبل ذلك كانت الجزيرتان تمثلان أكبر منتجي السكر في العالم لفترة من الزمن، خلال القرن السادس عشر، لكن الإنتاج انخفض لاحقًا نتيجة للمنافسة التي شكلتها البرازيل.

بيدَ أن ضوءًا يلوح في نهاية النفق المظلم، يتمثل في استثمارات النفط التي إن نشطت في مياه ساو تومى الإقليمية بخليج غينيا؛ فقد تؤدي إلى زيادة ملحوظة في واردات الدولة، وبالتالي انتشال عملتها من أسفل القاع.

الفرنك الغيني.. موارد وفيرة وشعب فقير!

يعد الفرنك الغيني ثاني أضعف عملة في أفريقيا، والخامس عالميًا؛ إذ يبلغ سعر صرف الدولار الواحد 9172 فرنكًا. ثروة غينيا المعدنية كفيلة بأن تجعلها واحدة من أغنى بلدان القارة، لكن سكانها لا يزالون من بين أفقر شعوب غرب أفريقيا؛ نتيجة سوء إدارة أنظمة الحكم الاشتراكية والعسكرية المتعاقبة، إلى جانب التوتر العرقي الذي تعاني منه البلاد.

وبعدما ارتفع إجمالي النمو المحلي إلى حوالي 10٪ في عامي 2016 و2017، تباطأ إلى 5.8٪ في عام 2018، وارتفع التضخم إلى 9.9٪، بسبب زيادة أسعار الوقود والكهرباء، إلى جانب زيادة الاقتراض الخارجي غير الميسر.

Embed from Getty Images

لم تيأس الدولة الواقعة غرب أفريقيا، فأخذت تعمل على بناء قدراتها الصناعية تدريجيًا، ومن المتوقع أن يصل النمو في قطاع الصناعة إلى 9.8٪ في عام 2019. وتسعى جاهدة لتكون وجهة سياحية جاذبة، متحدية عمالقة هذا القطاع في أفريقيا.

كما أعلنت الحكومة عام 2019 «سنة العودة» لاستقبال أكبر عدد من الأفرو أمريكيين الذين قرروا العيش في أفريقيا. وتطمح أن تكون من البلدان الصاعدة اقتصاديًا بحلول عام 2020؛ من خلال تنويع الاقتصاد خارج إطار الاستثمارات النفطية الهامة، والانفتاح على القطاعات الخمسة الكبرى، وهي: الزراعة، والبتروكيميائيات، والمناجم، وصيد الأسماك، والخدمات السياحية، والخدمات الاقتصادية.

عملة سيراليون سادس أضعف عملة في العالم

ثالث أضعف عملة في أفريقيا، وسادس أضعف عملة على مستوى العالم في 2019، ويبلغ سعر صرف الدولار الواحد 9100 ليون، على الرغم من الموارد الغنية التي تتمتع بها سيراليون، خاصة الماس والروتيل والبوكسيت والذهب.

ولا غروَ، فالتقديرات تشير إلى أن حوالي 90% من الماس المنتج في سيراليون، يهرب من البلاد بطريقة غير مشروعة، كما تُهَرَّب المحاصيل النقدية (التي تزرع من أجل الربح، على عكس زراعة الكفاف التي تركز على المحاصيل المعيشية) من المناطق الخصيبة في الجنوب والشرق.

ومع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي باستمرار منذ الثمانينات وحتى بداية العقد الأول من القرن العشرين، أصبح اقتصاد سيراليون في حالة يُرثى لها، ويجني مواطنوها أقل الدخول مقارنة بنظرائهم في بقية دول الكومنولث.

وكان لتفشي الإيبولا في أواخر عام 2013 تأثير مدمر على النشاط الاقتصادي، وتسبب في انهيار السياحة. أما ما زاد الطين بلة، فهو رفع الدعم الحكومي على العديد من المواد الاستهلاكية، مثل البنزين والكهرباء، بالإضافة إلى زيادة الضرائب وارتفاع تكاليف التخليص الجمركي؛ ما أدى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الهش.

لكن شعار «لا يأس مع الحياة» ليس سياسيًا فقط، ولا يزال بإمكان سيراليون الاستفادة من عملة «إيكو» الموحدة، التي اعتمدتها دول الإيكواس، لإنقاذ شعبها من ورطتهم المزمنة.

لكن ليحدث ذلك سيكون على الدولة الفقيرة أن تستوفي أولا المعايير الستة التي وضعتها المنظمة، ويأتي على رأسها: ألا يزيد معدل التضخم عن 5٪، والعجز المالي عن 4٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

الشلن الأوغندي.. تفاؤل برغم زيادة العجز المالي

تواجه العملة الرسمية للدولة المعروفة بـ«لؤلؤة أفريقيا» صعوبات جمة، وتعجز عن الخروج من حفرتها، ويبلغ سعر صرف الدولار 3691 شلن أوغندي.

تباطأ النمو السنوي إلى 5.6٪ في الربع الأول من العام الجاري، بانخفاضٍ عن زيارة بلغت  6.8٪ في الربع الأخير من عام 2018. وزاد العجز المالي إلى نحو 4.7٪ في عام 2018، نتيجة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية بدعم من الاقتراض الخارجي والمحلي.

وقال محافظ البنك المركزي الأوغندي، إيمانويل توموسيمي-موتيبيلي، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: «إن خطرًا رئيسًا يواجه توقعات التضخم هو: سعر صرف الشلن الأوغندي، الذي لا يزال عرضة لاحتمال ضغوط الأوضاع المالية العالمية، فضلًا عن زيادة الطلب المحلي».

ورغم المخاطر المستمرة، وعلى رأسها التوترات الإقليمية والأمطار الهزيلة، يتفاءل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بآفاق الاقتصاد الأوغندي، وتواصل المؤسسات الدولية وصفها بأنها «أحد أسرع الاقتصادات نموًا في أفريقيا».

وتعتزم أوغندا استثمار 40 مليون دولار فى المرحلة اﻷولى من مصنع لتجميع السيارات بقيمة 263 مليون دولار، على أن يبدأ الإنتاج بحلول منتصف عام 2021. ويتوقع أعضاء فريق عمل «فوكس إيوكونوميكس» نموًا بنسبة 5.7٪ في عام 2019، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن تقديرات سابقة، و5.8٪ في عام 2020.

أرياري مدغشقر.. يصارع من أجل البقاء حيًا في سوق الصرف

يصارع الأرياري المدغشقري الأمواج الاقتصادية المتلاطمة منذ طرحه للتداول في عام 1961 للبقاء واقفًا على قدميه في سوق الصرف؛ لكن أنَّى لهذا الاقتصاد أن ينتعش في ظل دهس قوانين مكافحة غسل الأموال وغياب الإشراف على القطاع المصرفي؟

ورغم تمتع مدغشقر بوفرة من الموارد الطبيعية؛ إلا أنها غير مستغلة في الغالب؛ بسبب مزيجٍ من المغامرات العسكرية المنتشرة في القارة، وضعف النظام القضائي، والإجراءات الإدارية الملتوية، والفساد الحكومي المتفشي، حتى وصل سعر صرف الدولار الواحد 3655 أرياري.

Embed from Getty Images

زراعة الفانيلا في مدغشقر

في هذا البلد الذي يحتل المركز 155 في مؤشر الشفافية الدولية من بين 180 دولة، كان لزامًا على رئيسه الجديد أندري راجولينا أن يتعهد في خطاب تنصيبه بمحاربة الفساد وتعزيز الاقتصاد.

ومدغشقر مشهورة بانتاج الفانيلا والخشب الأحمر الثمين، ومع ذلك هي واحدة من أفقر دول العالم، وفق إحصاءات البنك الدولي،؛ إذ يعيش 76% من سكانها في فقر مدقع.

تباطؤ النمو الاقتصادي «يخنق» الشلن التنزاني

تحاول عملة تنزانيا التي تساوي 2300 شلن مقابل الدولار الواحد، جاهدة للخروج من قائمة «أضعف العملات الأفريقية»، لكنها تفشل باستمرار؛ بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي.

ارتفع العجز المالي في تنزانيا إلى نحو 3.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018؛ بسبب زيادة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية. وارتفع الدين العام إلى نحو 39.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018، من 38.2٪ في عام 2017.

وبلغ الدين الخارجي حوالي 74.9٪ من إجمالي الدين العام في عام 2018. فيما يتوقع بنك التنمية الأفريقي أن يتراجع نمو الاقتصاد التنزاني هذا العام إلى 6.6%، أي أقل من 6.7% العام الماضي.

الفرنك البوروندي يعاني مثل الأوضاع الإنسانية والسياسية في البلاد

يبلغ سعر صرف الدولار الواحد 1839 فرنك بورندي، رغم تحسن نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 1.4٪ في عام 2018، بعد انكماشه إلى نسبة 0.2٪ في عام 2017، لكن في المقابل ارتفع عجز الموازنة في عام 2018 إلى 8.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ6.5٪ في عام 2017.

وفي ظل القلق الأممي إزاء الأوضاع السياسية والإنسانية في بوروندي، حيث يوجد أكثر من 180 ألف مشرد داخليًا، و3.6 ملايين محتاج للمساعدة، و400 ألف يلتمسون اللجوء، تغرق التوقعات المستقبلية في خضم من عدم اليقين السياسي والاقتصادي مع اقتراب انتخابات عام 2020.

«الجارديان»: تدعي مساعدة القارة.. لكن هذا حقيقة ما تفعله «هاينكن» في أفريقيا

 

المصادر

تحميل المزيد