1,525

منذ أيامٍ قليلة نشرت وكالة «ديفينس وان» الإخبارية (Defence one) بحثًا بمناسبة مرور ألف يوم على حرب اليمن، وكيف تحول اليمن السعيد إلى واحدة من أخطر المدن على وجه الكرة الأرضية، وذلك من خلال بحث استقصائي مع عمال الإغاثة والصحافيين والخبراء الذين قاموا برصد حقائق الحرب عن قرب، هذا إلى جانب الجذور التاريخية التي ساعدت في تحويل اليمن إلى حالة الفوضى التي تشهدها الدولة حاليًا.

يقسم الباحث بن واتسون بحثه إلى أربعة أجزاء تتناول تاريخ الصراع في اليمن، ودول التحالف وبداية الحرب السعودية ضد الحوثيين، ونتائج الحرب، هذا إضافة إلى بعض الحقائق التي قد تغير الوضع في اليمن في الشهور المقبلة، مُشيرًا إلى أن حرب اليمن ستستأنف مرةً أخرى مع توقعات بزيادة أعداد القتلى المدنيين، وفي السطور القليلة القادمة سنقوم برصد أهم ما جاء في هذا البحث المثير للجدل، وتقديم تلخيص شامل لأهم ما جاء فيه ليكون بين يدي الجمهور العربي.

كيف تسقط الممالك؟ نظرة على تاريخ اليمن

في منتصف التسعينات، حاولت «وكالة المخابرات الأمريكية» تحليل كيفية انهيار الدول، إلا أن الدراسة لم تستطع أن تجيب بإجابة وافية، وذلك لعدم وجود بيانات كافية في ذلك الوقت؛ إذ لم يكن هناك تجربةً حية قبل عام 1994 تستطيع أن تعطينا قراءة جيدة عن موضوع الدراسة، إلا أن الواقع اليمني اليوم يمكنه أن يخبرنا بأكثر من إجابة عن هذا السؤال، مع توقعات للمشكلات التي سترافق المنطقة لعدة أجيال قادمة؛ إذ يعتبر الواقع اليمني اليوم هو تمثيل حي لسقوط ثلاث إمبراطوريات، منها الإمبراطورية العثمانية، والاحتلال البريطاني وممتلكاته في الشرق، والتي كانت مهمة في القرن العشرين.

كانت بريطانيا في بادئ الأمر هي الدولة الأم التي وضعت اليمن على رأس خارطة الغرب؛ إذ مثل الساحل الجنوبي لليمن نقطة إمدادٍ رئيسة للسفن الحربية البريطانية التي كانت تسافر من وإلى الهند حينذاك، خاصًة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، وفي ذلك الوقت قدم البريطانيون جنبًا إلى جنب مع العثمانيين فكرة تقسيم المنطقة العربية راسمين خط الحدود الشمالي – الجنوبي الذي لم يزل حاضرًا حتى اليوم.

(فيلم وثائقي عن الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن)

يقول المحلل السياسي جون أرتيربيري في بحثه عن اليمن: «إن أغلب ما تشهده المنطقة اليوم هو انعكاس لأحداث الماضي؛ إذ وعلى الرغم من أن دخول المتمردين الحوثيين العاصمة صنعاء قد يكون جديدًا بعض الشيء، إلا أن الصراع ما بين شمال وجنوب اليمن كان حاضرًا في تاريخها؛ فالوجود البريطاني في اليمن أثار إلى حدٍ ما سنوات من المقاومة العنيفة في الجنوب، وبمجرد خروج البريطانيون من عدن عام 1967، جاءت الحرب المصرية في اليمن إبان فترة حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والتي قادت حركة التمرد، ولكن في الشمال».

اقرأ أيضًا: حرب السعودية في اليمن ليست الأولى.. ماذا تعرف عن حربها ضد عبد الناصر هناك؟

شهدت اليمن بعد تلك الفترة عقود من صفقات بيع الأسلحة من السوفييت، سواء في الشمال أو الجنوب، سبقت فترة توحيد اليمن عام 1990، فتقول عن ذلك آرون شتاين، وهي باحثة في مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط: «في عالم الصواريخ، كان لليمن تاريخ أسطوري؛ إذ حصل كلا الجانبين – الشمالي والجنوبي – في الحرب الأهلية التي اندلعت في تسعينات القرن الماضي على الصواريخ الباليستية السوفيتية الصنع، من أنواع: (توشكا، وسكود-B)، وكان الطرفان يستخدمونها في إطلاق النار على بعضهما البعض، ويعتقد أن بقايا تلك الترسانة الصاروخية استقرت في حوزة الحوثيين، وقد استخدموها ضد أعدائهم منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، وذلك جنبًا إلى جنب مع سيل الأسلحة الصغيرة، والصواريخ القادمة من إيران»، وتعلل آرون شتاين ذلك بأنه ما دفع الحوثيين إلى ما هو أبعد من مجرد تمرد يمني، ليتطور الأمر إلى تهديد إقليمي كامل للأمن، كل هذا كان يحدث جنبًا إلى جنب مع حربٍ دائرة أخرى بين القيادة الأمريكية وتنظيم القاعدة في اليمن.

تاريخ تنظيم القاعدة في اليمن وبداية سقوطه

يشير الباحث بن واتسون إلى أن هناك العديد من الإرهاصات التاريخية التي سبقت الحرب بزمن، إلا أنها كانت سببًا رئيسًا فيما وصلت إليه الأمور الآن، كان أولها تحول اليمن إلى بؤرة للتطرف منذ الحرب الأهلية الأفغانية، والتي انتهت عام 1990؛ إذ استخدمت القيادة الأمريكية، وعلى مدار خمسة عشر عامًا، في أفغانستان طائرات بدون طيار في المقام الأول، لقتل مقاتلين أجانب منحدرين من اليمن، وهم من يعرفون الآن باسم «القاعدة»، مُضيفًا أن ما تشهده اليمن الآن من حرب داخل حرب، هي واحدة فقط من الخطوط العريضة للواقع اليمني اليوم.

(وثائقي عن تنظيم القاعدة في اليمن)

«كان اليمن وجهة للتهريب والهجرة في منطقة القرن الأفريقي»، هذا ما قاله المحلل السياسي ارتربيري مُشيرًا إلى أن سياسة الإفلات من العقاب كانت هي السائدة في اليمن في تسعينات القرن الماضي؛ إذ كان المهاجرون يدخلون مباشرة من الصومال، إلى محافظة شبوة في جنوب اليمن مع بعض التحايل على الحدود البحرية، وهو الأمر الذي انعكس في الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد عام 1994؛ إذ فتحت الأبواب أمام حفنة من المهاجرين، كان أغلبهم من الجهاديين العائدين من أفغانستان، والذين تم استخدامهم حينذاك من رجال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ضد الجنوب الاشتراكي، وذلك حتى انتهاء الحرب الأهلية لصالح النظام الحاكم.

تقول إيونا كريغ، الصحافية المستقلة، والتي عاشت في اليمن لسنوات: «إن تنظيم القاعدة كان يعود بفائدة مادية على الدولة اليمنية، مُشيرة إلى أن كون التنظيم يشكل تهديدًا واضحًا للبلاد، كان يتم ترجمته في شكل أموال قادمة للدولة من خلال المساعدات لتمويل الحرب على الإرهاب، والتدريب العسكري، والمعدات الحربية»، وهو الأمر الذي جعل مهمة حصر الأموال التي استولى عليها صالح من اليمن، بحسب إيونا، مهمة صعبة؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه قد سرق شخصيًا 60 مليار دولار خلال فترة حكمه التي دامت حوالي 33 عامًا، كانت معظمها أموالًا أمريكية دُفعت لتمويل الحرب على «تنظيم القاعدة»، بحسبها.

أما إليزابيث كيندال الباحثة في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أكسفورد، والتي قامت بزيارة اليمن عدة مرات على مدار سنوات، فتقول: «إن التحالفات مع القاعدة، والصفقات المشبوهة شيئًا اعتياديًا داخل اليمن»، وتضيف: «قد يكون تنظيم القاعدة في اليمن لم ينجح عبر السنوات في الاستيلاء على الأرض، إلا أنه تمكن من تكوين تحالفات قوية مع القبائل، خاصًة في مرتفعات البيضا شمال عدن؛ فهم يقاتلون العدو نفسه – مُشيرة إلى الحوثيين – إلا أن الفرق الوحيد يكمن في أنهم من يلوحون بالأعلام السوداء».

في السنوات الأخيرة قامت كيندال بتحويل دراساتها نحو استئناف نشاط القاعدة في اليمن، والذي يمثل واحدة من مشكلات اليمن المزمنة، وما اكتشفته هو أن التنظيم في اليمن يمتلك نفوذًا على كميات هائلة من الأراضي، هذا إضافةً إلى دعم العديد من الأهالي المُسلحين جيدًا، والمعتادين على القتال، وعلى الموت، كل هذا إلى جانب لا مبالاة الحكومة اليمنية، ودور المجتمع الدولي في ترسيخ الديكتاتوريات الفاسدة بحسبها، فالتنظيم يستثمر فيما فشل فيه المجتمع الدولي في اليمن.

وأشارت إلى أن مشروعات التنمية التي تم تنفيذها في اليمن من قبل منظمات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، كانت تتم من خلال الهياكل الحكومية، وهو ما جعلها متماشية مع الأنظمة الفاسدة التي كرهها الجميع، وكانت النتيجة هي استنزاف الكثير من الأموال، دون فائدة تذكر.

إن ما لاحظته كيندال من خلال مقابلاتها مع القادة المحليين في مدينة مكلا اليمنية التابعة لإقليم حضرموت، هو أنهم وعلى الرغم من كرههم للقاعدة ورجالها، وبحثهم الدائم عن وسائل للتخلص منها، لكنهم على صعيدٍ آخر يكنون للقاعدة الاحترام، نظرًا للمساعدات الدائمة التي يقدمها التنظيم للأهالي، والتي كان آخرها حل مشكلة المياه في القرى.

صعود الحوثيين في اليمن

هناك العديد من العوامل التي ساعدت في تعزيز وجود القاعدة بالدولة اليمنية، كان من بينها انتشار الفقر، وعقود من الفساد الحكومي، وست سنوات أخرى من الحرب الأهلية التي بدأت مرةً ثانية في عام 2004، والتي شهدت فيها اليمن تمردًا حوثيًا بقيادة الشيعة في محافظة صعدة الشمالية، إذ انطلقت شرارتها عندما قامت قوات على عبد الله صالح بقتل زعيمهم، والذي يؤرخه ارتربيري على أنه لم يكن تمردًا قويًا كما هو الحال في الآونة الأخيرة، فما الذي تغير في العشرة سنوات التالية؟

يروي أرتربيري أن ما شاهدناه في اليمن من إزدهار وصعود حوثي في السنوات الأخيرة قد جاء نتيجة لصعود الجناح المتشدد داخل حركة الحوثيين، وهو ما جعل الصراع أكثر من لعبة ثنائية، محصلتها النهائية كانت دائمًا: صفر.

فبدءًا من وصول ثورات الربيع العربي إلى اليمن؛ إذ تم خلع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن السلطة، وتعيين نائبه عبد ربه منصور هادي رئيسًا للبلاد، تمكن الحوثيون من السيطرة على جزء كبير من المرتفعات الشمالية المركزية، والتي يبدو أنها كانت خطوة قد قام باستغلالها جيدًا الرئيس السابق صالح، بحسب أرتربيري.

أما إيونا كريغ الصحافية المستقلة، فتروي عما كان يتردد في اليمن في تلك الفترة من اعتزال صالح للعمل السياسي، وتفرغه لكتابة مذكراته في هدوء، مُشيرًة إلى أنه لا يتماشى مع ما كان يحدث خلف الكواليس على أرض الواقع؛ إذ استمر صالح رئيسًا لحزب المؤتمر الشعبي العام، كما نال حصانة شديدة ضد الملاحقة القضائية، وقد سمح للحوثيين في تلك الفترة بحكم الشمال، أو على الأقل بالتعاون معهم، إذ أمدهم بالأسلحة والعتاد، والصواريخ الباليستية، وبدخول الحوثيين صنعاء في عام 2014، ظن صالح أن حظوظه قد تبدلت، وأنه قد عاد مجددًا إلى المسرح السياسي اليمني، ولكن هذه المرة إلى جانب المتمردين.

(فيلم وثائقي عن صعود الحوثيين إلى السلطة)

تصف كريغ يوم سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين قائلة: «كان الموالين للرئيس السابق على عبد الله صالح في المصالح الحكومية هم من سمحوا للحوثيين بالسيطرة على مراكز الإدارة الحكومية في البلاد، لتسقط صنعاء في النهاية بين أيديهم»، مُشيرة إلى أنهم قد سيطروا على المدينة صنعاء بلا قطرة دماء واحدة؛ لأنهم لم يضطروا إلى ذلك، وهي خطوة بالغة الذكاء من قبل حلفاء صالح – الحوثيين – ولكنها على الجانب الآخر قد جنبت المدينة معركةً دامية».

إلا أن الحوثيين في نهاية الأمر قد أردوا ما هو أكثر من العاصمة صنعاء، فعلى الرغم من توقيعهم على عريضة الهدنة في سبتمبر (أيلول) من نفس العام، لكنهم قد بدأوا في اتخاذ خطوات جادة نحو المسير جنوبًا؛ فقتلوا واستولوا على الأراضي تحت راية مكافحة تنظيم القاعدة بحسب الورقة البحثية، أمام الشعب اليمني في تلك الفترة، فلم يكن متأكدًا من الخيار الأمثل الذي عليه أن يتخذه لمجابهة التقدم الحوثي الجنوبي، وفي عام 2015 كان الحوثيون يطيرون فوق عدن، ويسيطرون على المطار الخاص بالمدينة، وهو ما أدى بالرئيس عبد ربه منصور هادي للفرار من وطنه، متوجهًا إلى الأراضي السعودية المجاورة.

اقرأ أيضًا: من الجبل للعرش.. دليلك المختصر لمعرفة رحلة الحوثيين في اليمن

المملكة العربية السعودية تعلن الحرب

بدأت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حربًا على الحوثيين باليمن في 21 مارس (آذار) من عام 2015، أطلق عليها «عاصفة الحزم»، وتم تبريرها بحماية اليمن من الميليشيات الحوثية وشركائهم، وحماية أمن المملكة العربية السعودية ودول الجوار؛ إذ تم إرسال ثلاثة أساطيل بحرية، تحتوي على أكثر من 12 سفينة حربية طوقت السواحل اليمنية في حصارٍ بحري. وعلى مدى الأسابيع التي تلت ذلك كانت القوات السعودية والإماراتية تتقدم ببطء في مدينة عدن وما حولها.

وعندما بدأت القوات الجوية السعودية القصف الجوي، تحولت حينها حرب اليمن إلى مأساة إنسانية بملايين اليمنيين الذين يعانون من المجاعة، كما كانت الحرب تعزيزًا لتنظيم القاعدة في الأراضي اليمنية، إذ كانوا على أهبة الاستعداد ليتم استئجارهم من جانب المملكة وحلفائها، بحسب الورقة البحثية.

اقرأ أيضًا: لو نجحت الإمارات في خطتها.. ماذا ستخسر السعودية بانفصال اليمن؟

أصبحت الحرب بعد ذلك واسعة الحجم والنطاق، إذ انضمت أكثر من 10 دول إلى التحالف السعودي ضد الحوثيين، وكانت القوات الأمريكية مكلفة بمراقبة النطاق الجوي وبعث الامدادات عند الحاجة، في حين قامت أكثر من تسع قواتٍ جوية لدول الحلفاء بعتاد أكثر من 200 طائرة حربية بالهجوم على المنطقة الغربية اليمنية كاملة، وذلك من أجل استهداف الحوثيين، في الوقت نفسه الذي استهدفت فيه الضربات الجوية الأمريكية مراكز تنظيم القاعدة في الشرق.

بالنسبة إلى اليمنيين، كان هناك وجه آخر للحرب، فتشير الصحافية المستقلة كريغ إلى تحطيم البنية التحتية للدولة اليمنية، والتي كانت بالأساس هشة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، دمرت الغارات الجوية السعودية جسر الإمداد الرئيس للأراضي اليمنية، والذي كان واصلًا بين ميناء الحديدة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، والعاصمة صنعاء، فتقول كريغ: «كان ذلك متعمدًا بشكلٍ واضح»، إذ لم يكن الجسر على قائمة الأهداف العسكرية، إلا أن القوات السعودية قد تجاهلت ذلك تمامًا وقامت بتدميره.

«ما يقرب من ثلث الضربات الجوية التي قادتها المملكة العربية السعودية، قد استهدفت أهدافًا غير عسكرية، وذلك يشمل الأسواق، ومحطات المياه والكهرباء، ومنافذ تخزين المواد الغذائية، والمستشفيات والمراكز الطبية والمساجد» – تقول كريغ الصحافية المستقلة.

وفي بيانٍ تفصيلي تشير كريغ إلى قصف محطات المياه والكهرباء أكثر من مئة مرة، هذا إضافة إلى حوالي 68 غارة قد استهدفت المرافق الطبية، و183 استهدفت الأسواق، ناهيك عن شوارع المدينة المهملة، وسوء الصرف الصحي، كل هذا إلى جانب وباء الكوليرا الذي اجتاح اليمن، وأصاب أكثر من مليون مواطن يمني.

(هجمات المملكة العربية السعودية على الحوثيين في اليمن)

لم تتوقف ويلات الحرب عند هذا الحد، بل ساهمت في ازدياد أزمة الغذاء التي عانى منها اليمنيون قبل الحرب؛ إذ يشير تقرير الأمم المتحدة لعام 2017 أن إجمالي أسعار السلع الغذائية في اليمن قد ارتفع عن قبل الأزمة بنسب تتراوح ما بين 74% و207.7% للسلع الأساسية، كما تعرض الإنتاج الحيواني لضغوط كبيرة حتي في قطاع الدواجن؛ إذ أدت الأزمة إلى ازدياد أسعار العلف الحيواني؛ وهو ما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للأسر، وعن ذلك تقول راضية رئيسة جمعية حقوق الإنسان اليمنية أن الشعب اليمني لا يتحدث كثيرًا عن الدولة، لأنه لم يملك يومًا دولة قوية ومؤثرة، لكن إن استمرت الحرب على هذا المنوال، ستضطر المنظمات الحقوقية غير الحكومية إلى توفير الغذاء إلى كل مواطن يمني، وهو أمر مستحيل.

أما بالنسبة إلى أطفال اليمن، فتشير كريغ إلى أن القرى والمدن والنجوع التي شهدت نزاعات في السنوات الفائتة، نشأ لدى أطفالها نوع من التطبيع مع العنف.
تحكي كريغ عن مدينة تعز، حيث الأطفال يعيشون في أزقة القناصين، وهو أمر مأساوي؛ إذ لا يستطيع هؤلاء الأطفال الخروج إلى الشوارع واللعب؛ لأنهم إن فعلوا سيكونون في نطاق عمل القناصة. هؤلاء الأطفال قد شاهدوا مقتل بعض أفراد أسرهم وأصدقائهم على أيدي القناصين، فأصبح توقع الموت والدماء هما الحياة الطبيعية بالنسبة إليهم.

أما راضية والتي ترأس مؤسسة لحقوق الإنسان في اليمن؛ فتحكي عن عائلات اليمن المثقفة والمتعلمة، تلك التي كانت تنأى بنفسها عن الاشتباك حتى بعراكٍ بالأيدي، وها هم يرسلون الآن أبناءهم للحرب من أجل القتال، مُشيرة إلى أن الحوثيين قد لا يمتلكون قوات جوية، إلا أنهم يملكون أسلحة أخرى إنسانية أكثر فتكًا؛ فيستخدمون الألغام الأرضية والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري والتعذيب، ليس فقط في صنعاء التي يسيطرون عليها، ولكن أيضًا في تعز؛ إذ أصبح وسط المدن، مثل تعز، هي الأماكن التي يرسل إليها الحوثي الصواريخ البالستية المميتة، ليستخدموها في الإطلاق على أراضي المملكة العربية السعودية عند الحاجة.

فنادق فاخرة على ضفاف الحرب.. تجارة الأسلحة في اليمن والعصيان المسلح

تشير آرون شتاين إلى أن الفرق الذي لاحظته في رحلاتها الأخيرة في العامين السابقين لليمن كان جوهريًا، بدءًا من الاختناقات المرورية لعبور الحدود من وإلى عمان، مرورًا بالفنادق الجديدة التي تم بناؤها، والطرق التي تم إصلاحها، والمحلات التجارية التي انتشرت، والتي لا تستطيع تفسيرهم سوى من خلال عمليات غسل الأموال، والتي تغذيها تجارة الأسلحة، إذ يتم تفكيك السلاح وشحنه عبر البحر في طريقٍ يمتد عبر عمان واليمن، مُضيفة أن تلك التجارة تجد رواجًا لدى سماسرة السلطة المشبوهين في اليمن، وأنه بتلك الطريقة تصل الأسلحة من إيران إلى أيدي الحوثيين.

يقول أرتربيري: إن الحوثيين لديهم ثلاثة أنواع من الصواريخ تم إطلاق بعض الأسماء عليها، منها «بركان»، وهو الصاروخ الباليستي الشهير الذي تم إطلاقه على العاصمة السعودية الرياض، وهناك «القاهر»، وهو نوعًا ما صاروخ أقصر مدى، يتم إطلاقه في حالة استهداف الحدود السعودية، أو بعض الخطوط الأمامية في الأراضي اليمنية، وأخيرًا هناك الفئة الثالثة «زلزال»، وهو في الواقع نوعان: زلزال-1، وزلزال-2، وهما أقرب إلى مدافع الهاون، وهي نسبة أقل مما تمت الإشارة إليه في تقرير الجزيرة عن الصواريخ الحوثية.

( تقرير الجزيرة عن الصواريخ التي يمتلكها الحوثيون)

في مارس من عام 2015، أشارت الحكومة السعودية، إلى أن قوات الحوثيين يحتجزون أكثر من 60 صاروخًا باليستيًا، تم الاستيلاء عليهم من مستودعات الجيش اليمني، بينما يؤكد آخرون أنهم نقلوا من إيران، وفي يناير (كانون الثاني) من عام 2018، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل إن إيران تساعد بالتأكيد المتمردين الحوثيين، مُشيرًا إلى أن هذا التهديد الصاروخي المتنامي والذي تديره إيران من خلال الحوثيين بحسبه، لا يشكل فقط خطرًا على السعوديين والإماراتيين، ولكن على القوات الأمريكية ومواطنيها في حالة وجودهم هناك.

قد تكون مشكلة الصواريخ الحوثية أكبر بكثير – بحسب الورقة البحثية – مما تود العاصمة السعودية الرياض الاعتراف به، إذ أعربت صحيفة «نيوزويك» في عددها الصادر في نوفمبر ( تشرين الثاني)، نقلًا عن مصادر استخباراتية لم تكشف عن اسمها، أن الرياض وحلفاءها قد دافعوا عن أنفسهم ضد أكثر من 87 صاروخًا حوثيًا بعيد المدى، ويعتقد أن ما لا يقل عن خمسة صواريخ باليستية حوثية قد تم إطلاقها من شمال اليمن لاستهداف الرياض، بما في ذلك الصاروخ الذي سقط بالقرب من المطار الدولي، في 4 نوفمبر الفائت، وفي هجومٍ سادس تم استهداف شركة «أرامكو» السعودية للنفط، والتي أشارت إليه الجزيرة على أنه فعل إيراني.

اقرأ أيضًا: لماذا قد تريد الإمارات إشعال الساحة العُمانية الآن؟

ماذا بعد سقوط تنظيم القاعدة في اليمن؟

مع بداية حرب اليمن، ظنَّ آلاف اللاجئين والنازحين إلى السواحل أن الأماكن التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة في الشرق أكثر آمانًا خلال الحرب، فتروي كيندال أنه من خلال رحلاتها داخل مدينة المكلا في الشرق، قد شهدت الكثير من العائلات النازحة من الشمال اعتقدوا خطأً أن الانضمام إلى تنظيم القاعدة في تلك الفترة سيكون أكثر أمانًا لهم ولعائلاتهم؛ إلا أن «الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن»؛ إذ إنه، وقبل أن يهل عام 2018، قد انعكس وضع القاعدة تمامًا، فالهجمات الجوية الأمريكية على الشرق قد ازدادت إلى ثلاثة أضعافها في العام الأول من تولي الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، منصبه؛ وأصبح استهدافهم لرجال تنظيم القاعدة في السنة الأخيرة أكثر دقة.

عن هذا تقول كيندال: «في الحقيقة لست من مشجعي الهجمات بطائراتٍ بدون طيار، إلا أنها في السنوات الأخيرة قد حققت مكاسبًا كبيرة، إذ كانت الضربات تستهدف مقاتلي القاعدة الأساسيين، دون أن تضر البنية التحتية للبلاد، أو تصيب القرويين».

يقول أرتربيري: «إن التنظيم كان يفقد كل بضعة أسابيع الكثير من مناطق نفوذه، هذا إضافةً إلى سقوط منافذهم الإعلامية، والتي كانوا يستخدمونها في السابق لنشر أخبار التنظيم وانتصاراته».

إن مشكلة اليمن كما تراها كيندال، هي عدم معرفة التوقيت الذي سيعود فيه تنظيم القاعدة للحياة مرةً أخرى؛ إذ إنه في الوقت الحالي يعاني موتًا إكلينيكيًا، ولكن قد يكون هذا الموت هو مجرد غيبوبة، فعلى الرغم من أن التنظيم يعاني الآن ليس فقط من طرد مجاهديه الأساسيين، ولكن من انضمام مقاتليه إلى المليشيات السعودية والإماراتية، إلا أن المشكلة كما تراها كيندال تكمن عندما تتوقف المليشيات الإماراتية عن الدفع، فمن المرجح حينها أن يفيق التنظيم مرةً أخرى من غيبوبته، ويعود للحياة.

وهو الأمر الذي جعل وضع اليمنيين أكثر تعقيدًا؛ إذ إنه حتى وفي حالة تحقيق انتصارًا عسكريًا على الحوثيين، وتحرير بعض الأماكن من سيطرتهم، فإن من يحل محلهم في تلك الأماكن هم جماعات مسلحة ومتعصبة أخرى، مُشيرة إلى أن ما يحدث في اليمن حقًا هو عملية استبدال مليشيات بمليشياتٍ أخرى محلها.

اقرأ أيضًا: «دولة التناقضات».. ملف «ساسة بوست» عن الدور الإماراتي الغامض في المنطقة

3 أفكار لإنقاذ ما هو باق في اليمن

شهدت الأسابيع الأخيرة من عام 2017 حالة تنازع مشحونة بالنسبة إلى اليمنيين، إذ أعرب الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والذي كان لشهورٍ حليفًا للحوثيين، عن نيته للتفاوض مع الرياض بشأن وقف القتال في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الفائت، وذلك بعد يومين من رفع الحصار السعودي جزئيًا عن اليمن، وهو الأمر الذي قام الحوثيون باعتباره تحالفًا مع الجانب السعودي من قبل صالح، وبعد 48 ساعة، وجد صالح مقتولًا خارج صنعاء، برصاص قناصة.

كان التسلسل السريع للأحداث في اليمن، بما في ذلك إطلاق صاروخًا على منشأة نووية إماراتية، قد أدى إلى إغراق اليمن في حالة من الفوضى، أكثر من تلك التي شهدتها على مدار الحرب، عجز المحللون عندها عن توقع أي نوع من المستقبل سيشهده اليمن.

على الرغم من أن البعض يشيد بتقدم قوات التحالف السعودية بإحكام سيطرتهم على مدينة مخا اليمنية، ويعدونها خطوة للسعوديين نحو العاصمة صنعاء، بل للوصول إلى مسقط رأس المتمردين الحوثين في محافظة صعدة الشمالية، إلا أنه وبحسب أرتربيري، كل هذه أحلامًا بعيدة المنال؛ إذ يتوقع أن تسوء الأمور كثيرًا في الأراضي اليمنية قبل إحراز أي تقدم بالنسبة إلى السعوديين، مُشيرًا إلى أن كلا الطرفين، سواء الحوثيين أو السعوديين يشعران بأنها على مقربة من النصر، ويمتلكان الكثير من الشجاعة للإقدام على الخطوة المقبلة، خاصًة بعد المعارك الأخيرة، وهو الأمر الذي يجعل أمر التفاوض والوساطة الدولية للأمم المتحدة غير مطروحًا الآن بالنسبة لكليهما.

تقول كيندال: «يجب أن نفكر فيما يحب ألا نفعله»، مُشيرًة إلى ضرورة إتخاذ موقف من عمليات بيع الأسلحة لهؤلاء الذين يستخدمونها في اليمن، وذلك حفاظًا على المصداقية الدولية بشأن المفاوضات، مُشيرة إلى أن هناك ثلاثة أفكار الآن مطروحة على الطاولة بشأن إنقاذ ما هو باقي من اليمن.

1. فيدرالية اليمن

إن مشكلة اليمن الأساسية هي أن أحدًا لا يتحدث عن مسألة «توحيد اليمن»؛ فبالنسبة إلى أرتربيري، هناك تساؤل مثير للاهتمام، ويجب أن يشغل بال الكثيرين، وهو ما الذي سيحدث بعد القضاء على الوجود الحوثي في جنوب اليمن؟ والذي سيترك تلك المنطقة عبارة عن مزيج غريب من الإسلاميين، والانفصاليين الجنوبيين، وأهالي القبائل الجنوبية.

وتقول إيونا كريغ عن ذلك: «إن فيدرالية اليمن هي أمل للشعب اليمني، كي يشعروا أن هناك نهاية لهذا الصراع، مُشيرة إلى أن الجميع يريدون معرفة ما الذي ستبدو عليه الأراضي اليمنية في المستقبل، وأن الفيدرالية تمثل حلًا جيدًا، وشكلًا من أشكال الحكم الذاتي قد يحتاجها اليمن في المرحلة المقبلة، خاصةً وأنه سيتضمن أيضًا جزءًا للحوثيين، والذين أصبح وضعهم الآن أصعب من أن يعودوا إلى سابق عهدهم، أو بعيدًا عن سدة الحكم».

وعلى الرغم من أن كل محاولات جعل اليمن دولة فيدرالية وآخرها عام 2014، باءت بالفشل، إلا أن فيدرالية اليمن يبدو أنها أحد الأفكار المطروحة بقوة لوقف القتال اليمني، إذ عاني اليمن في الفترات الأخيرة من تاريخه من انقسامه إلى سبعة مناطق، قسمها الباحث بيتر سالسبيري إلى: «المناطق التابعة للحوثيين وهي غرب وشمال اليمن، وأراضي القبائل في جوف ومأرب والبيضاء، وتعز، والقبائل الانفصالية في الجنوب، وعدن، وحضرموت الساحلية والشمالية، والمهرة».

2. الاهتمام بالإعلام

تقول كيندال: «إن الحلول الأفضل قد تكون في بعض الأشياء البسيطة، مُشيرة إلى أن الأهالي اليمنيين يطوقون لأن يصل صوتهم للجميع، وقد يكون السبيل لذلك هو الصحف المحلية أو المحطات الإذاعية؛ لأن إعطاء الناس صوتًا سيقطع شوطًا طويلًا في بلدٍ يعاني من نسبٍ هائلة للفقر والأمية، وهي النصيحة التي تكررت في تقرير «تشاثام هاوس»، إذ يشير التقرير إلى أن السياسات والأطر الحالية للسلام لا تشبه الواقع اليمني في شي، وتعكس في كثير من الأحيان حالة من التمني، بدلًا عن تحليل دقيق ووافٍ للوضع الحالي.

3. الديمقراطية

تشير كيندال إلى أن الوضع في اليمن يحتاج إلى الديمقراطية؛ إذ إن الشعب اليمني لا يشعر بأن له دور فاعل فيما يحدث على أرضه، بل تتم مفاجأته بتغيراتٍ حكومية، يصنعها الرئيس عبد ربه منصور هادي من منفاه في السعودية؛ لأنها ستساعده في حربه.

اليمن يحتاج بحسب الورقة البحثية إلى قادة يعرفون حجم المأساة التي تعانيها البلاد، ويدركون جيدًا ما الذي يريده الشعب اليمني ليمثلوه، وعن ذلك تقول راضية المتوكل: «في اليمن ليس لدينا أبطال، فقط إما مجرمون، وإما ضحايا»، وبالنسبة إلى المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان باليمن، فتشير إلى أنهم يقومون بعملٍ عظيم في ملء ثغرات الدولة، لكن ما يحتاجه اليمنيون حاليًا هو الدولة ذاتها.

المصادر

  • War In Yemen and the make of chaos state

  • فورين بوليس تكشف تعرض أرامكو لهجوم إلكتروني

  • Fixing Failed States

تعليقات الفيسبوك