في 8 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، اعتبر الرئيس السوريّ بشار الأسد في لقاء مع صحيفة الوطن، أنّ سقوط مدينة حلب بأيدي قواته لن يُفضي إلى نهاية الحرب، إلا أنه سيمثل خطوةً كبيرةً نحو إنهائها لصالحه.
وبنظرة سريعة على الوضع الحالي في حلب يبدو أن عسكرة الأسد أوشكت على التحقُّق؛ إذ أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ما يزيد على 90% من أحياء مدينة حلب، كُبرى المدن السورية، قد وقعت بحوزة قوات النظام، وأنها على وشك استعادة المدينة بأسرها.

البداية منذ شهور

لكل نهاية بداية، وبداية هذه المعركة كانت تحديدًا في نهاية شهر يوليو (تموز) من العام الحاليّ، حينها أعلن «أبو يوسف المهاجر» الناطق العسكري باسم حركة أحرار الشام «إحدى الفصائل المكونة لجيش الفتح» بدء معركة شاملة لفك حصار قوات الأسد عن حلب، ولاستعادة السيطرة على المدينة، وهو ما تمّ بالفعل إذ حققت حينها المعارضة السورية تقدمًا كبيرًا داخل المدينة، بدءًا من الشمال وحيّ الشيخ سعيد، مرورًا بالسيطرة على كليّتي المدفعية والتسليح، وانتهاءً بكلية التعيينات في الجنوب. وفي 6 أغسطس (آب) الماضي، نجحت قوات المعارضة في فك الحصار عن أغلب أحياء المدينة رغم القصف الروسيّ الشديد، ولم يتبق للنظام سوى طريق الكاستيلو كخط إمداد وحيد لقواته.
النصر الذي حالف المعارضة حينها لم يكن مجانيًا، إذ أوقع مئات القتلى من المدنيين نتيجة للقصف الروسيّ والسوريّ بالبراميل المتفجرة.
بعد نجاح المعارضة السورية في فك الحصار أعلنت موسكو بدء حملة عسكرية ضخمة، بالتعاون مع قوات النظام المدعومة من ميليشيات حزب الله والحرس الثوري الإيراني؛ لاستعادة السيطرة على حلب مرة أخرى وبأي ثمن، كما وضح بعد ذلك من القصف العنيف الذي شنته المروحيات الروسية على المدينة، والذي وفر غطاءً جويًّا لقوات الأسد منحها فرصة للتقدم أكثر داخل الأحياء المعارضة ومحاصرتها.

الوضع هذه اللحظة



مساء أمس أعلن اللواء زيد الصالح، رئيس اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في حلب، أن معركة حلب الكبرى وصلت إلى الرمق الأخير. في الوقت الذي دعا فيه قوات المعارضة إلى الاستسلام، أو الموت على حد قوله.
السيطرة شبه الكلية الآن على حلب من قِبَل قوات الأسد أكدتها وزارة الدفاع الروسية في بيانٍ رسميّ، أعلنت فيه أن قوات النظام تسيطر على 95% من أحياء المدينة، وهو ما أكده المرصد السوريّ لحقوق الإنسان المُعارِض، وكذلك وكالة الصحافة الفرنسية التي أعلنت أن المعارضة لم يتبق لها سوى 10% من الأحياء الشرقية في حلب، الأمر الذي تزامن مع نزوح 10 آلاف مدنيّ من المدينة خلال الـ24 ساعة الأخيرة.
وكما أن سقوط حلب في يد قوات المعارضة لم يكن مجانيًا، فإن استعادة قوات النظام لها لم يكن مجانيًا أيضًا، إذ وصف أهالي المدينة القصف الروسي في آخر 48 ساعة بأنه الأعنف على الإطلاق؛ ما حدا ببعضهم إلى تشبيهه بيوم القيامة.

 

«الوضع داخل الجزء الشرقيّ أشبه بيوم القيامة، القنابل في كل مكان، والجرحى في الشوارع لا يجرؤ أحد على النزول لمساعدتهم، والعديد من الناس تحت الأنقاض إما أحياء أو أموات» *عبد الكافي الحمادو معلم لغة إنجليزية يعيش تحت الحصار في حلب لـBBC

ما بعد السقوط

بالرغم من أنّ كل شيءٍ وارد على أرض المعركة، إلا أن الاحتمال الأرجح أن سقوط حلب بأيدي النظام وحسمه لمعركة حلب الكبرى أصبح مسألة وقت باعتراف كل الأطراف المتنازعة، ما يُعتبر أكبر انتصار لقوات النظام منذ بدء الثورة السورية طبقًا للكثير من المراقبين، ما يطرح بدوره عدة سيناريوهات مختلفة عما سيؤول إليه وضع المدينة وأهلها بصفة خاصة، ومسار الثورة السورية بأسرها بصفة عامة.

 

– بالنسبة للمدنيين


السؤال الذي يجب طرحه في هذه اللحظات هو: ما الذي سيحدث للمدنيين في حلب المتواجدين في الأحياء القليلة المحاصرة والذين تُقدر أعدادهم بـ50 ألف مواطن؟ وبالنظر إلى الأمور على أرض الواقع، وحقائق الجغرافيا والتاريخ يجد المدنيون في حلب أنفسهم بين 3 خيارات، كلّ منها أصعب من الذي يليه.

 

البقاء حتى الترحيل

إن لم يكونوا في عداد الأموات بالفعل نتيجة للقصف الشديد، فإن من سينجو من المواطنين السوريين وطبقًا للرواية الرسمية والتعهدات الروسية سيتم نقلهم من خلال إستراتيجية «الباصات الخضراء»، وهو الاسم الذي يُطلق على الحافلات التابعة للنظام التي تنقل المواطنين إلى أماكن يزعم النظام أنها مناطق آمنة بعيدًا عن النزاع.

لكن المعارضة تقول إن المدنيين يتم نقلهم إلى السجون والمعتقلات السورية بجانب عشرات الآلاف من المساجين الحاليين الذين يعيشون في ظروفٍ صعبة للغاية، تحت سياسة التعذيب الشديد والتجويع المستمرة داخل تلك السجون.

مذابح جماعية

السيناريو الأكثر توقعًا للمدنيين والمسلحين على حدٍّ سواء داخل الأحياء المحاصرة أن تقوم قوات النظام بتصفيتهم جميعًا؛ توفيرًا للوقت والجهد اللازمين لنقلهم عبر الحافلات الخضراء.

وبالنظر إلى التاريخ القريب والبعيد لقوات النظام في مثل هذه المواقف، فإنه من المتوقع أن تحدث للمواطنين الباقين داخل منازلهم مجازر جماعية، كما حدث أول أمس، إذ اتهمت الأمم المتحدة قوات النظام بارتكاب مذبحة مروعة داخل المنازل في المناطق التي استعادت السيطرة عليها. وقال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه يمتلك قائمة بـ83 مدنيًّا بينهم 11 طفلًا و13 امرأة تم إعدامهم داخل منازلهم من قِبَل خليط من القوات النظامية السورية والميليشيات التابعة لها.

وبالإضافة إلى تقرير الأمم المتحدة، فإن ما يجري الآن على أرض الواقع يدعم هذا السيناريو بشدة، إذ تفيد التقارير الواردة من داخل الأحياء المعارضة أن قوات النظام تقتل كل من يظهر أمامها في الشوارع دون أي تفرقة بين مسلح أو مدنيّ، إضافة إلى القصف الذي لا ينقطع من مروحيات الطيران الروسي.

النزوح إلى إدلب وانتظار الموت مجددًا

سيناريو ثالث يلوح في الأفق لعشرات الآلاف من المدنيين المتبقين داخل أحياء حلب المحاصرة، وهو النزوح إلى إدلب القريبة من حلب، والواقعة تحت سيطرة تنظيمات جهادية تابعة للقاعدة.

لكن هذا الخيار يبدو مكلفًا للغاية، إذ إنّه سبق للولايات المتحدة تصنيف الجماعات المسيطرة على إدلب في خانة الإرهاب، ما يجعل هذا السيناريو الأفضل للنظام السوريّ، فبعد نزوح المسلحين والمدنيين على حد سواء إلى إدلب، يُتوقع أن تقوم قوات الأسد بحملة كبيرة شبيهة بتلك التي نفذتها في حلب، على إدلب، وستقاتل فيها بكل قوة تحت غطاء شرعيّ دوليّ بحجة محاربة الإرهاب، ما سيضفي شرعية دولية لها للقضاء على كل من نزح من حلب تحت أي مسمى، ودون أي تفرقة.

بارقة أمل ضعيفة للمدنيين

نزوح المدنيين من حلب- المصدر: الجارديان


لم يتبق للمدنيين في حلب من طريق للخلاص سوى احتمال ضعيف بالنزوح شرقًا إلى الريف، ومن ثمّ إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المعتدلة والمدعومة من تركيا، ما يجعله الخيار الأمثل للمدنيين والبعيد نسبيًّا عن خارطة الصراع الحاليّ، لكن الخطورة ما تزال قائمة في طريق النزوح.

ثانيًا: تأثير سقوط حلب على الحرب في سوريا


الفوز بأم المعارك «ستالينجراد سوريا» كما أسماها البعض سيكون بلا شك ذو تأثيرٍ هائل على الثورة السورية ومسارها، للحد الذي قد يصل إلى تأريخ الثورة ما قبل معركة حلب، وما بعدها.

على المدى القريب

بالنسبة لنظام الأسد فإنه يُدرك جيدًا أن انتصاره في معركة حلب سيمثِّل دافعًا قويًّا لقواته تمكنهم من التقدم أكثر للسيطرة على باقي المدن والمناطق التي تستحوذ عليها المعارضة، وهو ما يتركه أمام خيار واحد هو استكمال الحرب بكل قوة، ومهما كانت التضحيات؛ لكسب المعركة على الأرض، أو الوصول إلى ورقة تفاوض رابحة له يفرض فيها كامل شروطه على المجتمع الدوليّ.

أما قوات المعارضة السورية فيبدو أنها أمام عدة سيناريوهات بعد سقوط حلب:

انحسار قوات المعارضة في مناطق محدودة

بخسارة حلب إحدى أكبر النقاط المركزية في الصراع السوريّ، ستنقسم الفصائل السورية المسلحة إلى أطراف متعددة كل منها يسيطر على مناطق محدودة وغير فاعلة بشكل كبير في الحرب السورية.

تشرذم المعارضة وتفككها سيجعل منها فريسة سهلة لكل من نظام الأسد والميليشيات التابعة له من جهة، وتنظيم الدولة والتنظيمات الجهادية المتطرفة من جهة أخرى. لكن السؤال المطروح الآن: هل ستلتزم الدول المؤيدة للمعارضة المعتدلة الصمت أمام هذه الهزيمة؟ ما يقودنا بدوره إلى السيناريو الثاني.

 تدخل خارجيّ لقلب الموازين

الهزيمة التي مُنيت بها قوات المعارضة في حلب لا يُمكن معها توقُّع الصمت من حلفاء المعارضة، وهم تلك الدول التي تضع رحيل الأسد شرطًا رئيسيًّا للحل في سوريا مثل تركيا، وقطر، والسعودية، مما يدفعها إلى التدخل على الأرض سواء بقوات دعم للمعارضة، وهو الأمر المستبعد في الوقت الحالي، أو تقديم مزيد من الدعم العسكري والمادي إلى المعارضة، ومحاولة إعادة ترتيب صفوفها من جديد.

 ازدياد قوة القاعدة

مع استبعاد اتحاد فصائل المعارضة المعتدلة مع التنظيمات الجهادية الإسلامية، وعلى عكس المتوقع، فمن المحتمل أن تزداد تلك المنظمات قوة إذ تتمتع بخطوط إمداد ثابتة من المناطق الواسعة التي تسيطر عليها، واقتصار المعركة الرئيسية عليها ضد قوات الأسد.

على المدى البعيد

من غير المنطقيّ النظر إلى معركة حلب على الأرض دون الوضع في الاعتبار التغيُّر الكبير الذي طرأ على السياسة العالمية. فمع وصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، والمعروف بتقارب أفكاره مع الرئيس الروسي بوتين وميله نحو سياسته، بالإضافة إلى عزمه تقليص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، ووضع الأولوية الرئيسية للقضاء على تنظيم الدولة، وهو نفس الهدف الذي أعلنته روسيا عند دخولها الحرب في سوريا.إ

أما تركيا فيبدو أن تقاربها الأخير مع روسيا قد يحجم الدور الذي كانت تلعبه في سوريا سابقًا، وفي ظل موقف شبه صامت للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تجاه ما يحدث، فإن كل هذا يدفعنا نحو تخيل سيناريوهين للأوضاع في سوريا.

  • التوصل إلى اتفاق بين روسيا والنظام السوري من جهة، وروسيا والولايات المتحدة بقيادة ترامب وتركيا ودول الخليج من جهة أخرى يتم فرضه على المعارضة السورية التي خسرت معركة حلب بالفعل على أرض الواقع.
  • قلب المعارضة الكفة لصالحها مرة أخرى على الأرض، ما يتبعه استمرار طويل الأمد للحرب في سوريا، أو التفاوض طويل الأمد أيضًا.
  • استمرار انتصار قوات الأسد الشامل على المعارضة وتحولها لمواجهة تنظيم الدولة، وحينها ستحظى بدعم دوليّ أكبر، مع استمرار رفض السعودية وقطر وتركيا لبقاء الأسد على رأس السلطة.مع كل هذه السيناريوهات المطروحة لا نهاية قريبة تلوح في الأفق للحرب في سوريا، فحتى لو انتصرت قوات الأسد على المعارضة سيتبقى لها تنظيم الدولة، ولو انتصرت المعارضة على قوات النظام فمن المستبعد أن تتحالف مع تنظيم الدولة، ولو توصل الطرفان بمعجزة إلى اتفاق سلام فإنه على الأغلب لن يشمل تنظيم الدولة أيضًا، ما يطيل أمد الصراع الدائر في البلاد منذ 6 أعوام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد