منعطف آخر ومرحلة جديدة تدخلهما تونس وهي تحدد جدولة زمنية للانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي من المرتقب أن تنقل البلاد إلى دولة مؤسسات دائمة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانتقال الديمقراطي مع ما رافقه من احتقان سياسي واجتماعي، كاد أن يجر البلاد إلى الفوضى وربما الاقتتال، خاصة بعد أن تم اغتيال قياديين سياسيين بارزين.

في اتجاه الانفراج..

التونسيون الذين خرجوا في ثورة 17 ديسمبر شككوا كثيرًا في قدرة السياسيين على الوصول إلى قطف ثمار تلك الثورة

رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، شفيق صرصار، قدم المواعيد المقترحة إلى رئيس المجلس الوطني التأسيسي، أمس الاثنين، والتي تقضي بإجراء الانتخابات التشريعية يوم 26 أكتوبر/ تشرين الأول، والرئاسية يوم 23 نوفمبر/ تشرين الثاني في دورتها الأولى، ويوم 28 ديسمبر/ كانون الأول في دورتها الثانية.

هذه الجدولة جاءت وفقـًا لما ينص عليه الدستور الجديد لتونس، والذي يقضي بإجراء الانتخابات قبل نهاية العام الجاري. لكن يبقى للمجلس التأسيسي أن ينظر في المواعيد المقترحة قبل أن يصادق عليها بقانون خلال الأسبوع الجاري.

الزعيمان السياسيان اللذان تم اغتيالهما شكري بلعيد (يمينـًا) ومحمد البراهمي، تحولا إلى رمزين وطنيين

وبهذه الخطوة يكون التونسيون قد قطعوا مسافات مهمة في اتجاه انفراج الأجواء، وإنهاء المرحلة الانتقالية التي بدأت منذ الإطاحة بالنظام السابق على إثر ثورة 17 ديسمبر أو ثورة الياسمين، كما يود كثيرون أن يصفوها، والتي مهدت لعدة ثورات أخرى في البلاد العربية. هذه المرحلة الانتقالية التي شابها الكثير من النقاشات والصراعات السياسية بين الفرقاء، والتي تناوب على إدارة التونسيين خلالها ستُّ حكومات، آخرها حكومة التكنوقراط الحالية غير المتحزبة برئاسة المهدي جمعة المكلفة بالإشراف على انتخابات ديمقراطية ونزيهة، كادت فيها البلاد أن تنزلق إلى المجهول، خاصة عندما برز تيار إسلامي متشدد، أعلنها صراحة بأنه يريد إقامة “شرع الله” في تونس الخضراء. بل بات ينفذ أجندته “الأيديولوجية” واقعيًا وميدانيًا، فلم يتردد مؤيدوه ومناصروه في شن “اعتداءات” على مواطنين في إطار ما يسمونه “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، بل انبروا إلى الاحتجاج ضد وسائل إعلام واتهامها بإفساد المجتمع. لكن الأخطر هو إقدام عناصر متشددة على قتل القياديين السياسيين محمد البراهمي وشكري بلعيد.

تجنّب الأسوأ!

يشهد لقادة حركة النهضة الإسلامية أنهم فضلوا مصلحة البلاد على المصالح الحزبية والشخصية

أصابع الاتهام بخصوص الاغتيالات السياسية التي بدأت بالاسمين المذكورين سابقـًا أشارت إلى “أنصار الشريعة” بتونس، بل وتحمل حزب حركة النهضة التونسية ما سماه البعض “المسؤولية المعنوية” عن الاغتيالين، وهو ما أحرج زعماء الحزب الذي كان يقود ترويكا في الحكم، وله غالبية برلمانية، مما جعل هؤلاء لا يترددون في اتهام هذا التنظيم المتشدد بالإرهاب ودعوا إلى محاربته. وربما كان ذلك أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت حزب حركة النهضة الإسلامي يقبل التخلي عن السلطة لفائدة حكومة تكنوقراطية تشرف على انتخابات مقبلة، وهي التي وضعت أجندتها اليوم.

ويبدو أن الغالبية إن لم يكن كل ألوان الطيف السياسي التونسي موافقة على الأجندة الانتخابية التي تم الكشف عنها، في بداية الأسبوع الجاري، ولعل ذلك ما جعل جُل الأحزاب السياسية لا تتردد في إعلان مرشحها للرئاسيات التونسية بالرغم من أنه ما زال يفصلنا عنها نحو خمسة أشهر.

من الرئيس المقبل؟

من المرجح أن ترشح حركة النهضة القيادي حمادي الجبالي للرئاسيات المقبلة

في هذا السياق أعلن رئيس حزب نداء تونس المرشح للفوز بأصوات مهمة في الانتخابات المقبلة، وفق بعض التقارير التونسية، عن ترشيح رئيس الحزب الباجي قايد السبسي لمنصب الرئاسة رسميًا. ونفس الشيء بالنسبة لتيار المحبة الذي كشف عن ترشيح رئيسه الهاشمي الحامدي، بينما أكد قياديو حزب المؤتمر من أجل الجمهورية عن أولوية ترشيح الرئيس المؤقت الحالي المنصف المرزوقي من جديد للمنصب.

ومن المرشحين للرئاسيات المقبلة أيضًا مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الحالي، ورئيس الهيئة السياسية للحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي.

وأما بالنسبة لحزب حركة النهضة الذي لم يعلن بعد عن مرشحه للرئاسة فإن هناك من المتتبعين من يشير إلى الأمين العام للحزب المستقيل حمادي الجبالي أو رئيس الحكومة السابق علي العريض.

إذا كانت تونس قد مهّدت لِما سمي الربيع العربي الذي تفجر على أرضها قبل أن ينتقل إلى دول عربية أخرى، فإنها بعكس بلدان الربيع الأخرى بدت فيها المؤسسة العسكرية ذات دور باهت ولا يكاد يُرى فيما يجري من أحداث ربيعية. كما أن نخبتها السياسية أبانت عن تفهم كبير وتضحيات جمة؛ وقد تابع العالم كيف أن “الإسلاميين” الممثلين في حزب النهضة، وعلى الرغم من أنه كان يملك قوة برلمانية (داخل المجلس التأسيسي) ويقود حكومة ترويكا، بدَوا زاهدين في السلطة وهم يتنازلون بها لفائدة حكومة تكنوقراطية فأخرجوا البلاد من عنق الزجاجة، بعدما كادت أن تنزلق إلى الأسوأ لا سيما بعد تصاعد أصوات داخلية وأخرى خارجية أرادت أن تنقل “النموذج” المصري في التعامل مع الإسلاميين إلى تونس الخضراء. إلا أن أبناء الأخيرة رجحوا كفة العقل على المصالح الشخصية والأيديولوجية. فهل ستكون تونس هذه المرة مهدًا لانتقال ديمقراطي حقيقي؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد