بصورة عادية جدّا أعلنت واشنطن بداية الأسبوع المنتهي أنها اعتقلت المشتبه فيه بتفجير المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي في ليبيا سنة 2012، أحمد أبو ختالة، والذي قَتل أربعة أمريكيين منهم السفير، وأثار ردود فعل قوية ضد الرئيس الأمريكي باراك أوباما. العملية تدعو إلى كثير من الأسئلة عما إذا كانت واشنطن باتت تفضل العمليات “النوعية” على الحرب التقليدية لمواجهة ما تسميه الإرهاب.

أوباما يفتخر!

الرئيس باراك أوباما هدد من سماهم الإرهابيين بأنه سيلاحقهم أينما كانوا ويقدمهم إلى العدالة الأمريكية إذا اعتدوا على مصالح بلاده

الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي خرج بتصريحات عقب الإعلان عن القبض عن الرأس المدبر لعملية التفجير، أرسل رسائل تحدٍ إلى الذين نعتهم بـ”الإرهابيين”، يهددهم فيها بأن أمريكا ستتعقبهم أينما كانوا وحيثما ارتحلوا، قبل أن يكشف في بيان أنه صرح بالعملية التي نفذتها قوات أمريكية في ليبيا يوم الأحد الماضي (15 يونيو)، واعتقلت خلالها أحمد أبو ختالة بالتنسيق مع أفراد من وكالات تنفيذ القانون.

وقال أوباما أيضًا “منذ الهجمات القاتلة على منشآتنا في بنغازي أعطيت أولوية للعثور على المسؤولين عن مقتل أربعة أمريكيين شجعان وتقديمهم للعدالة”، مضيفًا أن أبو ختالة سيواجه العدالة الأمريكية.

التقارير تشير إلى أن أبو ختالة المنتمي لتنظيم “أنصار الشريعة” الإسلامي المحسوب على تنظيم القاعدة، محتجز بصفة مؤقتة على متن سفينة أمريكية بعد اعتقاله على مشارف بنغازي في عملية نفذتها قوات خاصة أمريكية.

صورة أحمد أبوختالة التي نشرتها واشنطن وهو في حالة اعتقال كما يبدو من خلال الزي

وإذا كان الساسة الأمريكان يفتخرون وهم يعلنون عن “العملية النوعية”، بأنه لم تحدث خسائرُ بشرية مدنية في العملية، وأن كل أفراد الكوماندوز الخاص الأمريكيين المشاركين غادروا ليبيا بسلام، دون أن يقدموا على ذكر ما إذا كان الطرف أو الأطراف الأخرى قد تكبدوا خسائر مادية أو في الأرواح، إلا أن مسؤولي طرابلس الذين يعيشون واقعًا غير مستقر بسبب الأوضاع الأمنية غير المستتبة وكذا بسبب الأزمات السياسية المتتالية، سارعوا بالرغم من كل ذلك إلى “التنديد” بالعملية ودعوا واشنطن إلى احترام ضرورة سيادة الأراضي الليبية وتسليم المواطن لسلطات طرابلس من أجل محاكمته والتحقيق معه من طرف الليبيين.

أية سيادة؟

السفير الأمريكي جي كريستوفر ستيفنز بعد إصابته في التفجير قبل أن يلقى حتفه

بطبيعة الحال أمريكا ما كانت لتقبل بهذه المطالب السيادية، على كل حال، من إحدى الدول ذات السيادة الكاملة، مادامت صممت وخططت ونفذت عملية الاعتقال بتلك الطريقة وبدون مساعدة من دولة الاستضافة، فبالأحرى من طرف بلاد ما تزال تفتقد إلى المؤسسات الضرورية التي تُمتع أي دولة “سيادتها” داخليًا وخارجيًا، وهي خارجة للتو من نير دكتاتورية حكمتها لمدة أربعة عقود؛ فالبرلمان الليبي (المؤتمر الوطني الليبي العام) يعتبره الكثير من السياسيين الليبيين بأنه باطل بعدما انسحبت منه عدة مكونات أساسية، وبقي الإسلاميون وحدهم يسيطرون عليه إضافة إلى بعض الأعضاء الآخرين الذين لا يتوفرون على قوة وازنة تستطيع التأثير. وحكومة رئيس الوزراء، عبد الله الثِّني، العائد بعد إصدار المحكمة الدستورية ببطلان تعيين أحمد معيتيق المقرب من الإسلاميين بدلًا عنه، لا تستطيع حتى حماية نفسها بسبب انقسام الثوار إلى جماعات مسلحة مختلفة منها من انضم إلى ما يسمى الجيش الليبي ومنها من بقي ميليشيا موالية لهذه الجماعة “المتشددة” أو لهذه القبيلة، وهو ما أدى إلى جيش ليبي ضعيف غير ذي نجاعة ويفتقد إلى كثير من المؤهلات المهنية.

أنصار الشريعة في ليبيا لا تعترف بالسلطة وتدعو لإقامة دولة الخلافة في بلاد المسلمين

أضف إلى ذلك وجود “تمرد” يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر من نواحي بنغازي بشرق ليبيا، تحت ذريعة محاربة “إرهاب الجماعات المتشددة”، بينما هناك الكثير من المؤشرات على رغبته في السيطرة على الحكم، وفق ما يراه العديد من المتتبعين وكذا الساسة في طرابلس.

أيّ مبرر؟

هذه الأسباب وأخرى جعلت طرابلس تُعبر بصراحة -وهذا واقع لا يُعلى عليه- بعدم علمها بالعملية ولا شاركت فيها، وهو النفي أيضا الذي صدر عن اللواء المتمرد خليفة حفتر، الذي أشارت إليه بعض الأصابع بالتورط هو ورجاله في عمليه إلقاء القبض على “أبو ختالة”، على اعتبار أنه ينتمي لإحدى الجماعات المتشددة التي يخوض ضدها حفتر حربًا أطلق عليها اسم “الكرامة”.

الجماعة المسلحة أنصار الشريعة رفضت تسليم سلاحها للسلطات ويقول اللواء المتقاعد خليفة حفتر أنه يحاربها لأنها جماعة إرهابية

وعلى الرغم من هذا اللّاستقرار الذي يعرفه المشهد الليبي، إلا أنه مع ذلك لا يمكن تبرير اختراق إقليم إحدى الدول، في إطار العلاقات الدولية، وحتى وإن كان ذلك ضروريا، فإنه لابد من مظلة دولية أو إقليمية حتّى، احتراما لسيادة البلدان بغض النظر عن قوة أو ضعف المؤسسات الدستورية للدول، لأن ذلك يعتبر من المبادئ الأساسية لسيادة تلك الدول، التي ينبغي احترامها وعدم المساس بها، ولو كان ذلك بمبرر الحق في “ملاحقة العدو” الذي وضع له القانون الدولي قواعد ومحددات لتطبيقه.

ويبدو أن الولايات المتحدة لا تأبه بما صدر عن طرابلس من دعوات بتسليم مواطنها ومتابعته على الأراضي الليبية، بحيث كشفت واشنطن أن “أبو ختالة” سيُتهم ويُحاكم من خلال النظام القضائي الأمريكي، كما لن يرسل إلى سجن غوانتانامو حيث يحتجز نزلاء يشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة. وذلك تماشيا، على ما يبدو، مع سياسة أوباما منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، بمحاكمة المتشددين المشتبه بهم الذين يعتقلون بالخارج أمام النظام القضائي الأمريكي، وليس أمام نظام المحاكم العسكرية في معتقل غوانتانامو في كوبا الذي يسعى أوباما وإدارته لإغلاقه.

المستندات التي نشرها القضاء الأمريكي تؤكد أن “أبو ختالة” يواجه تهما بقتل شخص خلال هجوم على منشأة اتحادية، وتقديم دعم مادي لإرهابيين، واستخدام سلاح ناري أثناء جريمة عنيفة.

العملية التي أعلنت عنها واشنطن تذكرنا بعملية أخرى نشرتها المخابرات الأمريكية (C.I.A) على شكل فيديو، في وقت سابق من السنة الجارية، ويظهر عناصر أمنية قيل أنهم أمريكيون وهم يعتقلون أو بالأحرى “يخطفون” أحد العناصر المطلوبة لدى الأمريكان من أمام منزله بمدينة بنغازي، على طريقة الأفلام الهوليودية. كما تعيد هذه العملية إلى الأذهان العملية النوعية التي نفذها كوماندو أمريكي لاغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية، وهو ما جعل ساسة باكستان هم الآخرون يعبرون عن استغرابهم ويطالبون واشنطن بتوضيحات، فهل باتت أمريكا تفضل مثل هذه العمليات القريبة من حرب العصابات على الحروب التقليدية ضد ما تسميه الإرهاب؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد