أحمد الدباغ

15

أحمد الدباغ

15

780

أشهر مضت على تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ولا زال الوضع على ما هو عليه فيما يتعلق بدخول سكان مدينة الموصل خاصة ومحافظة نينوى عامة إلى مدن ومحافظات العراق الأخرى.  فالقوات العراقية تمنع أهل الموصل من دخول عاصمة بلادهم بغداد ومدنًا أخرى، لسان حال الموصلي يقول: «هل تحولت الموصل من سجن داعشي صغير إلى سجن حكومي كبير؟»، تعرض السطور التالية تحقيقًا استقصائيًا لـ«ساسة بوست» يحاول الوقوف على العراقيل التي تمنع مواطني الموصل من دخول بغداد وماهية أسباب ذلك.

دخول  بغداد.. المهمة المستحيلة

في 23 مايو (أيار) 2017، ذهب رغيد محمد أبو علي إلى بغداد رفقة والده لإتمام معاملة والده التقاعدية في مديرية التقاعد العامة، يقول لـ«ساسة بوست» إنه وبعد أن تجاوزوا مدينة سامراء ووصلوا إلى سيطرة العبايجي وهي سيطرة سميت باسم القرية التي تقع قربها وتتوسط الطريق بين مدينتي بغداد وسامراء، يقول إن هذه السيطرة «العبايجي» أبلغتهم بعدم السماح بمرورهم إلى بغداد.

ويضيف أبو علي أنه وعند استفسارهم عن السبب قال الجنود إنها أوامر عليا من بغداد، يضيف أبو علي «أن هذه السيطرة كانت تسمح لحالات ثلاث بالمرور إلى بغداد وأنا منهم وهذه الحالات هي ذوو معاملات التقاعد والمرضى والموظفون الموفدون الحكوميون»، لكن تعليمات جديدة صدرت تلزم من يريد الدخول إلى بغداد بحصوله على كتاب يؤيد ضرورة مراجعة دائرة التقاعد في بغداد، وعند سؤاله عن ما آلت إليه حالهم، ختم بالقول أنهم وبعد خمس ساعات من الانتظار اضطروا للعودة إلى الموصل، ويتوجب على الموصليين المرور بسامراء للوصول إلى بغداد فهي تقع على الطريق بين المدينتين التي تبعدان عن بعضهما حوالي 280 كيلومترًا.

يقول محمد المشهداني وهو ضابط في شرطة نينوى لـ«ساسة بوست» إن إجراءات الحكومة العراقية هذه بمنع دخول أهالي الموصل إلى العاصمة استحدثت بعد بدء عمليات استعادة المدينة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وكانت الإجراءات حينها تكتفي باستخراج «تصريح أمني» من مديرية الأمن الوطني في أطراف الموصل، حيث يثبت هذا التصريح أن الموقف الأمني للشخص المعني سليم وليس لديه أي ارتباط بتنظيم «داعش». ويضيف المشهداني أن الإجراءات أخذت تتعقد تدريجيًا إلى أن أغلقت بغداد أبوابها بوجه الموصليين لأسباب أجهلها أمنيًا، على حد قوله.

موصلي آخر التقته «ساسة بوست» وهو حسن خليل الدليمي، يقول حسن إنه كان ذاهبًا إلى بغداد يوم الثلاثاء الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) الجاري، وكان ذهابه في مهمة رسمية حيث يعمل حسن موظفًا في إحدى الدوائر التابعة لمحافظة نينوى، ولديه مراجعة في وزارة المالية في بغداد، يضيف حسن أنه وعند وصوله إلى سيطرة سامراء -وهي السيطرة التي استحدثت مؤخرًا وتقوم بواجبات شبيهة بما تقوم به سيطرة العبايجي آنفة الذكر- اكتشف أنه قد نسي الأمر الإداري الحكومي الذي يفيد بأنه موظف موفد إلى بغداد للقيام بمهمة حكومية.

ويسترسل حسن أن بطاقته الشخصية الحكومية لم تشفع له بدخول العاصمة، وأنه بعد ثلاث ساعات من توسله للجنود والضباط في السيطرة بالسماح له بالدخول إلى بغداد، قال له أحد الجنود «روح اسأل العبادي ليش مانعكم من دخول بغداد» أي اذهب واستفسر من العبادي، يختم حسن حديثه بالقول إنه اضطر للعودة إلى الموصل وجلب الأمر الإداري الذي يفيد بإيفاد دائرته له إلى بغداد رغم أنه كان يستقل سيارة حكومية عندما رفضت السيطرة دخوله العاصمة، حسبما قال.

Embed from Getty Images

وكان تحالف القوى العراقية (أكبر كتلة سنية في البرلمان العراقي)، قد حذر الخميس الماضي 14 سبتمبر (أيلول) من استمرار قرار منع نازحي مدينتي الموصل في محافظة نينوى والقائم في محافظة الأنبار من الدخول إلى العاصمة بغداد.

وعدّ النائب في البرلمان العراقي عن تحالف القوى زاهد الخاتوني في مؤتمر صحفي أن قرار المنع تكريس للظلم والاضطهاد الذي يتعرض له سكان المدن المحررة، ودعا الخاتوني رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى إعادة النظر بالقرار مع اتخاذ إجراء التدقيق الأمني لمنع تسلل الإرهابيين، على حد قوله.

رضوان الحامد، سائق سيارة أجرة يعمل على طريق بغداد-الموصل، يقول لـ«ساسة بوست» إنه يتفاجأ يوميًا بقرارات جديدة وتعليمات أمنية متذبذبة تخص المسافرين من الموصل إلى بغداد، وعن كيفية دخوله بوصفه سائق أجرة إلى بغداد، يقول رضوان إن السيطرات والمفارز الأمنية قد تعودت على رؤيتهم وسياراتهم وبالتالي فلا مشكلة تذكر في دخول غالبية السائقين إلى بغداد شريطة أن يكونوا بمفردهم في السيارة.

وعن الجدوى الأمنية المستقاة من منع دخول أهل الموصل إلى بغداد، يقول أحد المنتسبين الأمنيين من الذين يعملون في إحدى المفارز الأمنية على طريق بغداد-الموصل والذي رفض الإفصاح عن اسمه لـ«ساسة بوست»، لا داعي لهذه الإجراءات فجميع المسافرين يدققون أمنيًا من خلال مطابقة أسمائهم مع قوائم المطلوبين المثبتة على أجهزة الكومبيوتر في سيطرتي العبايجي وسامراء، ويضيف أيضًا أن هذه المنع لا يخرج عن كونه إجراءً سياسيًا بالدرجة الأولى، ويضيف أيضا أن هذه الإجراءات يختلف تطبيقها من وقت لآخر حسب الضابط المسؤول عن السيطرة.

قف.. أنت ممنوع من دخول الإقليم

حصار مطبق لأهالي مدينة الموصل من الجنوب (باتجاه مدينة بغداد) ومن الشمال باتجاه إقليم كردستان، فإقليم كردستان بمحافظاته الثلاث دهوك وأربيل والسليمانية، يمنع دخول أي شخص من مدينة الموصل مهما كانت الأسباب والظروف إلا من تتوافر لديه إقامة سنوية في الإقليم، وهذه الإقامة لا يملكها إلا الذين نزحوا إلى إقليم كردستان بعيد سيطرة تنظيم «داعش» على الموصل.

Embed from Getty Images

حاجز أمني كردي

عمر سعيد، موظف حكومي يقول لـ«ساسة بوست» إنه حاول وزوجته الدخول إلى مدينة أربيل (عاصمة إقليم كردستان) بعد تحرير منطقته في الجانب الأيمن من مدينة الموصل في الـ15 من أبريل (نيسان) وكان جلّ همه أن يلتقي والده ووالدته الّذين لم يرهما منذ ثلاث سنوات واللذين كانا قد نزحا إلى مدينة أربيل في أغسطس (آب) 2014.

يضيف عمر أنه حاول عدة مرات ومن خلال معارفه في كردستان من دخول الإقليم برًا من الموصل مباشرة، لكنه فشل في ذلك، وأوضح أن هناك طريقة واحدة للدخول آنذاك كانت تتمثل برشوة أفراد من الأجهزة الأمنية الكردية بمبلغ 1000 دولار للشخص الواحد مقابل الدخول إلى الإقليم وهذه العملية خطيرة ومعقدة أيضا على حد قوله، ويضيف عمر أيضا أنه لم يجد أمامه من سبيل للوصول إلى مدينة أربيل -عاصمة إقليم كردستان- إلا من خلال الطيران من مطار بغداد إلى مطار أربيل، حيث إن الإجراءات الكردية أخف وطأة عن طريق المطار.

يتابع عمر حديثه  أنه عقد العزم على السفر إلى بغداد ثم إلى أربيل، لكنه فوجئ بمنعه من دخول بغداد في سيطرة العبايجي، وبعد عدة محاولات واتصالات وانتظار دام خمس ساعات استطاع أحد أقربائه العاملين في الأجهزة الأمنية في بغداد المجيء إلى سيطرة العبايجي وإدخاله معه إلى بغداد بسيارته الخاصة.

يختم عمر حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول إن المدة التي كنا نستغرقها عادة للتنقل بين أربيل والموصل لم تكن تتجاوز خمسين دقيقة، فالمسافة بين المدينتين 85 كيلومترًا فقط، لكن الآن نحتاج إلى يومين كاملين للوصول إلى أربيل عبر مطار بغداد، هذا إن استطاع أحدنا من الدخول إلى بغداد أصلا.

Embed from Getty Images

مطار بغداد الدولي

تتعامل سلطات إقليم كردستان مع من يسكن خارج الإقليم بطريقة مشابهة لمعاملة الأجانب، فالذي يريد الإقامة في أربيل أو أي من مدن الإقليم، يتوجب عليه أن يقدم ملفًا متكاملًا بمعلوماته إلى دائرة الأمن العامة المعروفة كرديًا بـ«الأشايس» ليستخرج بطاقة إقامة مؤقتة تتراوح مدتها ما بين شهر واحد إلى عام كامل.

عراقيل كبيرة تضعها مختلف الجهات الأمنية بوجه المواطن الموصلي، ودائما ما تبرر السلطات ذلك بالوضع الأمني الحرج الذي لا يسمح بفتح الأبواب أمام الموصليين للسفر بحرية، مع أن محافظة نينوى وعاصمتها الموصل كانت قد أعلنت مناطق محررة  بالكامل من قبل الحكومة في أغسطس (آب) الماضي.

تعليقات الفيسبوك