يتابع العالم أطوار «معركة الموصل» بنهم شديد، منذ أن انطلقت قبل أسبوعين، في ترقب لنهاية وشيكة تنتظر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على يد القوات العراقية، التي يبدو أنها تتقدم سريعًا نحو مركز المدينة، تحت حماية أسراب طيران التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

وفي خضم الأحداث الساخنة، المرتبطة بعملية تحرير الموصل، تثار أسئلة مؤرقة حول مستقبل الوضع العراقي، بعد طرد عناصر «تنظيم الدولة» من مدينة الموصل، الأمر الذي بات قريبًا.

فماذا سيحل بـ«تنظيم الدولة» بعد تحرير الموصل؟ وكيف ستدار الموصل؟ وهل يتجه العراق إلى حرب أهلية طائفية جديدة؟

ما مصير داعش؟

يعتقد المحللون الأمريكيون أن عملية تحرير المواصل تمثل المرحلة الأسهل في طريق القضاء على «تنظيم الدولة»، بالنظر إلى حجم التحديات التي ستواجه الحكومة العراقية بعد معركة الموصل.

بات طرد التنظيم من الموصل والرقة مطلبًا عاجلًا بالنسبة للإدارة الأمريكية، مذ أن توسع نشاط التنظيم بشكل مفزع في مختلف أنحاء العالم خلال عام 2016، الشيء الذي جعل واشنطن تركز جهودها في سبيل دحر التنظيم، دون أن يعني ذلك عودة قوات «المارينز» إلى حلبة الشرق الأوسط من جديد.

لذلك لا غرابة أن جهود الإدارة الأمريكية تشكل عماد الحملة الحربية لتحرير الموصل من قبضة التنظيم، ليس فقط من خلال المقاتلات الجوية وطائرات «الدرونز» التي تجوب سماء العراق، ولكن أيضًا بفضل مئات المستشارين الأمريكيين الذي يديرون العملية العسكرية على الأرض، بالإضافة إلى الأسلحة المتطورة التي زودت بها الجيش العراقي.

لكن مركزية التحالف في نجاح الحملة العسكرية العراقية، سيف ذو حدين، فما الذي سيحدث لو تلاشى دعم التحالف بعد تحرير الموصل؟ يتساءل الكاتب مايكل نايتس في «الفورين بوليسي».

فهل ستكون إذن عملية الموصل مجرد انفراج مؤقت، ليعود التنظيم من جديد بعد مدة، كما فعل في سنة 2010، بعد أن دُحر في سنة 2007 على يد القوات الخاصة العراقية الأمريكية، وقوات الصحوات السنية المسلحة أمريكيًا.

الباحث في معهد واشنطن، يعقوب أوليدورت، يرى أن تحرير الموصل والعراق لن ينهي وجود «تنظيم الدولة»، بل سيتحول الأخير إلى فروع أصولية تنشط في مناطق متفرقة، وربما يعود لتنظيم صفوفه مرة أخرى إذا ما سادت الفوضى مجددًا. وعلى الرغم من أنه سينتهي تنظيميًا، يذكر الكاتب، إلا أن فكرة إنجاز «الخلافة المنتظرة» التي أبدعها سوف تستمرّ في إلهام الهجمات بالعالم».

وقد يرى الكثير أن مسلحي التنظيم، ما هم إلا شرذمة من المتعصبين الهائجين المتلهفين لتفجير أنفسهم، إلا أنهم في الواقع «يتمتعون بمهارات عالية وتنظيم يضاهي الجيوش التقليدية». هكذا يقول المسؤول الاستخباراتي، مسرور بارزاني. وذلك بفضل خبرات ضباط حزب البعث المنحل الذي دخل في شراكة مع الأصوليين الجهاديين منذ بداية ظهور الزرقاوي في العراق.

وأمام هذه الفعالية القتالية، يُستبعد أن لا يكون الأعضاء البعثيون لم يفكروا في مستقبل التنظيم في مرحلة ما بعد تحرير الموصل، ومن المؤكد، حسب الخبير في الشؤون الإرهابية، برونو شيرا، أنه في حالة خسارتهم الحرب في الموصل، سيتحولون إلى خلايا جهادية متفرقة، تنتظر الفرصة المناسبة للتكتل من جديد.

لكن هذا ليس الخطر الوحيد الذي ينتظر حكومة بغداد، إذ مذ أن استولى «تنظيم الدولة» على الموصل، استحكم التنظيم في كل مناحي حياة ساكنة المدينة، البالغ عددها مليونًا ونصف المليون، ففرض على النساء النقاب، وأعدم الناشطين والمعارضين، وطبق «الحدود» بين جماهير الناس، ومنع الموسيقى والمقاهي، ثم أتبع ذلك بقرار حظر مشاهدة التلفاز واستخدام الهواتف المحمولة، ناهيك عن استبداله بمناهج التدريس أخرى توافق عقيدته الجهادية.

مما ينذر بتخريج مئات الألوف من الأشبال والمراهقين، الذين تجرعوا بأبشع طريقة أسلوب التنظيم في الحياة الاجتماعية والسياسية، خلال السنوات التي قضوها تحت حكم التنظيم، الأمر الذي سيشكل معضلة حقيقية في طريقة التعامل معهم.

من جانب آخر، يتوقع المحللون بعد دحر «تنظيم الدولة» من الموصل والرقة، أن يعود الآلاف من الجهاديين الأجانب إلى أوروبا، حيث موطن استقرارهم الأصلي، ثم سيحاول قسم منهم تنفيذ عمليات انتقامية بالبلدان الأوروبية، فيما قسم آخر سيتجه إلى مناطق أخرى مضطربة كليبيا وسوريا.

من وجهة نظر مايكل نايتس، فإن القضاء على التنظيم يحتاج ما يسميه «حلًا متأصلًا»، يقوم على شراكة أمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية بالاستعانة بقوات سنية، في ظل ضعف الإدارة العراقية على تأمين المدن السنية المحررة من العناصر الجهادية، كحل جذري لاجتثاث تنظيم الدولة الإسلامية من العراق.

ويظهر أن الإدارة الأمريكية تعي أن نشاط التنظيم لن يندثر بمجرد ضرب مراكز قوته في العراق وسوريا، فقد سبق لقائد قوات التحالف، الفريق شون ماكفارلن، أن أوضح كون الحملة العسكرية الجارية تهدف استئصال التنظيم في الموصل والرقة، ثم محاربة الخلايا السرطانية الناشئة الناتجة عنه حول العالم، وحماية الدول من الهجمات.

هل تلوح صراعات سياسية مذهبية في الأفق؟

اندلعت مباشرة بعد رحيل الأمريكان نهاية 2011 مظاهرات عراقية ثائرة، تزامنًا مع عاصفة «الربيع العربي»، خرجت فيها ساكنة السُّنَّة ساخطة على سياسات نور المالكي، التي أشعرت أعدادًا كبيرة منهم بالاضطهاد والتهميش، وتحولت الأجواء الاحتجاجية بالمناطق السنية إلى بؤر مشحونة بالطائفية، واستغلت الخلايا السلفية والجهادية الفرصة للخروج إلى العلن، وتقمُّص دور المدافع عن السنة في وجه الشيعة.

مع 2014، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية توسعه في المناطق السنية بسرعة تثير الحيرة، دون أي صعوبات لما لاقاه من حاضنة اجتماعية، وجدت في فكرة «الخلافة» التي جاء بها التنظيم حلمًا مثاليًا ومخلصًا من سياسات المالكي المهمّشة للسنة، قبل أن يُصدم العديد من  الناس بما رأوا فيه وحشية التنظيم خلال المدة التي عاشوها تحت سيادته.

وعلى الرغم من أن «تنظيم الدولة» فقد الكثير من الزخم والتأييد الذي كان يحظى به في المناطق السنية، إلا أنه يظهر أنه البديل الوحيد أمام سنة العراق الذين يرون الشيعة يستفردون بدواليب الدولة، فكما يقول أحد المسؤولين الغربيين المتابعين الوضع على أرض العراق، إن «تنظيم الدولة الإسلامية بات الكيان السياسي السني الرئيسي في العراق في الوقت الراهن. وفي حين ينظر إليه الغرب على أنه لا يعدو كونه جماعة من المتطرفين المهووسين، فإن هذا ليس صحيحًا بالمرة».

ولا ينتظر من عملية تحرير الموصل أن تطفئ الغضب السني تجاه حكومة بغداد، ما ينذر بصراع سياسي مذهبي حول السلطة مباشرة بعد إجلاء التنظيم من الموصل، ولا سيما مع دعم السعودية وتركيا حلفاءها السنيين ودعم إيران حلفاءها الشيعة، وهو ما يخشى البعض أن يتطور إلى حرب طائفية جديدة بين السنة والشيعة، على غرار ما حدث في 2006.

فمن جهة يطالب السنة بحكم أنفسهم بعيدًا عن سلطة بغداد، إذ يحاول تحالف القوى السنيّ، تشكيل مجلس يتولّى القيادة في المحافظات ذات الغالبيّة السنيّة (الأنبار، ونينوى، وصلاح الدين، وكركوك، وديالى) بعد هزيمة «تنظيم الدولة»، وإعداد نظام داخليّ لهذا المجلس، وهو ما يوحي بالرغبة في تحقيق إقليم سني ذي حكم ذاتي، على غرار كردستان العراق، المشروع الذي يحظى بدعم السعودية وتركيا.

ومن جهة أخرى لا تقبل الحكومة المركزية في بغداد، المحسوبة على الشيعة، أي مشروع انفصالي، خصوصًا إذا كان سنيًا، لما تراه تهديدًا لوجودها، كما أن فصائل الحشد الشعبي، الشيعية في الغالب، ترفض أن تكون «ماكينة إيجار» لتحرير المناطق السنية من «تنظيم الدولة» لتصبح في الأخير مستقلة بذاتها.

أما بالنسبة للإدارة الأمريكية فلا ترى أن تقسيم العراق يمكن أن يحل مشكلة العراق، بقدر ما يمكن أن يمهد مستقبلًا لحرب طائفية حدودية بين السنة والشيعة، وتطرح بدل ذلك مشروع الحكم الفيدرالي، كنظام سياسي يمنح الولايات الثلاث؛ مناطق الشيعة، ومناطق السنة، وكردستان العراق، صلاحيات سياسية واقتصادية واسعة تحت حكم دستور واحد.

أما الاتجاه الأكثر تفاؤلًا، فيرى أن تحرير الموصل هو بداية للمصالحة بين الشيعة والسنة، بعد أن وعى الطرفان بتبعات إقصاء الآخر، إذ بدأت المكونات الشيعية تدفع بقياداتها السابقة، مثل نور المالكي، خلف المشهد السياسي، بعد أن أدركت خطر الجهاديين الذين كادوا يصلون بغداد، وبالتوازي مع ذلك أدرك سنة العراق أن العنف الجهادي لا يحقق مصالحهم السياسية بقدر ما يزيدهم سوءًا، الأمر الذي يبشر بنضوج العملية السياسية في العراق.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه العراق بعد تحرير الموصل، هو بناء الدولة القادرة على إشعار كل العراقيين بالانتماء وتحقيق العيش المشترك بين الشيعة والسنة، وهو ما أوضحه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما قال: «لا تُهزم الأيديولوجيات بالأسلحة، بل تُهزم بأفكار أفضل، أي رؤية أكثر جاذبية وإقناعًا».

ماذا عن الوضع الإنساني بعد تحرير الموصل؟

بالموازاة مع الحرب الدائرة في محافظة نينوى من أجل تحرير مدينة الموصل من سيطرة «تنظيم الدولة»، تجري استعدادات للتعامل مع الوضع الإنساني بعد إجلاء الجهاديين من المدينة.

وتتوقع المنظمات الدولية أن يكون الوضع الإنساني في الموصل كارثيًا، مقدرة نزوح مليون شخص من المدينة، وافتقاد الكثير من الساكنة لضروريات الحياة، كما يُخشى أن تتسبب المعارك الدائرة في تخليف دمار واسع بالأحياء السكنية.

إلا أن المجتمع الدولي يبدو عازمًا على إصلاح وضع الموصل بعد طرد «تنظيم الدولة» منها، من خلال المنظمات الإغاثية التي تتجهز للتعامل مع النازحين، بالإضافة إلى أموال الدعم المقدمة من الحكومات الغربية من أجل إعمار المدينة، علاوة على عزم الإدارة الأمريكية لعب دور توفيقي في تشكيل إدارة الموصل لمرحلة «ما بعد داعش»، جزءًا من إستراتيجية القضاء على التنظيم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد