1,487

حسم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلافاته مع وزير خارجيته، ريكس تيلرسون بإقالته عبر تغريدة على حسابه في «تويتر»، وعين بدلًا عنه مدير «الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه)»، مايك بومبيو؛ وهو ما قد يشير في طياته إلى احتماليات المزيد من التصعيد في السياسات بالمنطقة العربية، وإشارة على نفوذ إماراتي واسع في دوائر صناعة القرار داخل البيت الأبيض، بعدما أظهرت تسريبات تورط الدولة الخليجية بعزل تيلرسون.

يرسم التقرير التالي صورة أعم وأشمل لهذه التغييرات الأخيرة داخل دوائر النفوذ فى البيت الأبيض، وانعكاسات ذلك على تعامل واشنطن دبلوماسيًا مع أزمات المنطقة العربية، وكيف عكست هذه التغييرات نفوذًا – بات واضحًا للجميع – للإمارات في واشنطن عبر الدفع برجال موالين لها في دوائر صناعة القرار السياسي.

بومبيو والعتيبة: «الصقور» الرافضة للديمقراطية

على خلاف أغلب خريجي جامعة هارفارد، كُبرى الجامعات في العالم أكاديميًا، ممن يقفون في وجه أعتى الديكتاتوريات، ويدافعون عن حقوق الإنسان والديمقراطية كمبادئ أولى للحُكم الرشيد الذي درسوه فى مناهج الجامعة، كان مايك بومبيو، طالب الحقوق في الجامعة، يشذ عن أقرانه في هذه الاختيارات السياسية. لايؤمن بما يحكي عنه أساتذته في الجامعة عن خيارات الحرية والديمقراطية والقبول بالتعددية.

يسير بومبيو في مسار معاكس لهذا التيار، ويروج لأفكاره عن الديكتاتورية والتعذيب كخيار حاسم حيال كُل إرهابي.

ويُعرف الجمهوريين اصطلاحًا في وسائل الإعلام الغربية بتيار الصقور؛ كون سياستهم تكون أكثر ميلًا دومًا للتشدد، وإيلاء الخيار العسكري أولوية في سياساتهم، فضلًا عن عدم الأخذ في الاعتبار قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حسم إذًا خريج كُلية الحقوق اختياراته داخل بلد ذاع صيتها في الدفاع عن حقوق الإنسان لدول العالم الثالث، وكثرت انتقادات أعضاء الكونجرس لسياساتها تجاه الدول العربية التي تمارس استبدادًا سياسيًا تجاه شعوبها.

Embed from Getty Images

وزير الخارجية الأمريكي الجديد فى إحدى اجتماعات الكونجرس

اجتذبت أفكار الشاب الأمريكي التيار الجمهوري والموالين للمجموعات اليمنية المتشددة، ووجدوه واجهة سياسية قد تجد طريقها فى يوم من الأيام إلى البيت الأبيض؛ كي يكون مُمثلًا رسميًا لسياساتهم في الداخل والخارج. بدأ الشاب حياته العملية باقتحام عالم المال و«البيزنس» عبر تأسيس شركة لقطع غيار الطائرات، وأخرى للإمدادات النفطية، كمحطة عبور للنفوذ السياسي في بلد أسس لأهمية المال في نسج شبكات النفوذ السياسي.

تحقق للجمهوريين ما أرادوه؛ فالشاب بدأ يصعد تدريجيًا مدفوعًا سياسيًا وماليًا من هذه المجموعات، مثل الأخوين تشارلز، وديفيد كوخ؛ ليتم انتخابه لعضوية مجلس النواب عن ولاية كنساس عام 2010، ويُرشح بعد ذلك لثلاث مرات، وينُنتخب عضوًا بلجنة الاستخبارات.

لا تقف أدوار بومبيو عند الترشح فحسب؛ بل واصل بعد ذلك الدفاع عن آرائه وسياسات من دعموه ماليًا وسياسيًا في الكونجرس. اتُهم بومبيو من قبل بعض اليساريين بالإسلاموفوبيا (معاداة المسلمين) بعد تصريحاته عقب هجمات ماراثون بوسطن عام 2013.

واحدة من هذه الأقوال كانت ما تحدث عنه بعد هذه الهجمات حين قال: «عندما تكون أغلب الهجمات الإرهابية المدمرة التي تعرضت لها أمريكا في الـ20 عامًا الأخيرة من أناس يعتنقون دينًا معينًا، وقاموا بالهجمات باسم ذلك الدين، فإن هناك التزامًا خاصًا يقع على الزعماء الروحيين لذلك الدين. وبدلًا عن أن يردوا على تلك الأفعال، فإن صمت تلك القيادات الإسلامية في أنحاء أمريكا يجعلهم – ضمنًا – متواطئين».

لا تقف أفعاله واختياراته على الربط بين كُل حادثة إرهابية والتدين؛ فهو رجُل يسوغ التعذيب ضمنيًا كما دافع سابقًا عن الاستخبارات الأمريكية بعد صدور تقرير لمجلس الشيوخ حول التعذيب، قائلًا: «إن القائمين على المعتقل من رجل ونساء ليسوا جلادين، وإنما وطنيين، ويتصرفون في إطار القانون والدستور».

ولا يكتفى خريج هارفارد بالدفاع عن استمرار بقاء معسكرات التعذيب فحسب، بل يتمادى في التباهي بهذه الأفكار والتصريحات، كما فعل بعد زيارته للمعتقل عام 2013، حين قال: «إن بعض المساجين الذين أعلنوا إضرابًا عن الطعام قد زاد وزنهم».

يمتد الخط لسياسات بومبيو – على استقامته – على طول مسيرته داخل الكونجرس؛ فهو يعارض الاتفاق النووي مع إيران منذ توقيعه، ويصف بوتين «بالزعيم الخطر»، ويناهض سياسات وزيرة خارجية أوباما هيلاري كلينتون، ويعتبر خطابها «تضليلًا للشعب الأمريكي»، ويدفع نحو الحرب الشاملة تجاه إيران كعدو لبلاده، ولا يرى في مسألة الحوار أو التفاوض معه سبيلًا، كحال الجمهوريين في بلاده، ولا يعبأ بقضايا حقوق الإنسان فى دول العالم الثالث.

هل معركة الإمارات وقطر هي حرب بين العلمانية والإسلام السياسي حقًا؟

تتقاطع هذه الأفكار والسياسات مع ما يطرحه دومًا مُمثل الإمارات في الولايات المتحدة الأمريكية، يوسف العتيبة، داخل الحفلات الخاصة التى يُقيمها داخل قصره للنخبة السياسية والمالية والعسكرية من أنصار «بومبيو»، ويروج بها على الشاشات الفضائية الأمريكية، مثل خيار الحرب على إيران، واستدعاء نموذج علماني، لكن تسلطي للتطبيق في الدول العربية، مداعبًا بهذه الأطروحات المجموعات اليمينية.

ترسم هذه السياسات والأفكار لوزير الخارجية الأمريكي الجديد ملمحًا، وصورة أشمل عما سيفعله رجل ترامب الأول في وزارة الخارجية الأمريكية، ومآلات سياسات البيت الأبيض التي تتجه نحو الانقلاب على سياسات الرئيس السابق باراك أوباما، من دعم أوسع لقادة الدول العربية، دون الأخذ في الاعتبار بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، ومزيد من التشدد نحو الاتفاق النووي الإيراني، وفتح الاحتمالات نحو حرب مع إيران، فضلًا عن الدفع والتشجيع  لمحو تيارات الإسلام السياسي، على خلاف إدارة أوباما التي لطالما نظر مستشاروه لأهمية حضور تيارات إسلام سياسي في المشهد العربي.

يُعزز من هذه الاحتمالات التفسيرات التى خرجت من دوائر غربية وأمريكية حول ربط استقالة تيلرسون بمواقفه المخالفة لترامب حول عدم تحمسه لنقض الاتفاق النووي الإيراني، وموقفه الداعم لإنهاء أزمة الخليج، ودعمه لحقوق الإنسان في عدد من الدول، مثل مصر.

الدور الإماراتى في عزل «تيلرسون»: تسريبات «بي بي سي» تُشير لـ«جورج نادر» و«برويدي»

في الخامس من مارس (آذار) الماضى، نشرت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» رسائل بريد إلكتروني مسرّبة تكشف قيام مقربين من الإمارات بحملة تهدف إلى إقالة تيلرسون؛ بسبب معارضته للمقاطعة الخليجية لقطر.

Embed from Getty Images

الرسائل المُسربة أشارت بوضوح لدور رجل الأعمال الأمريكي إليوت برويدي، كمُمثل للإمارات ومسئوليها في الضغط على الرئيس الأمريكي لإقالة وزير خارجيته، عندما التقى به في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. علاقة رجل الأعمال الأمريكي بدولة الإمارات تكشفها ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول حصول شركة «سيرسينوس» التي يملكها برويدي، والتي تعمل في مجال الدفاع، على عقود بمئات ملايين الدولارات من الإمارات، كمنح مقننة لدوره في ممارسة ضغوط على صديقه ترامب، الذي سبق وأن تبرع لحملته الانتخابية داعمًا له.

لم يكتف دور «برويدي» على التحريض على عزل تريلسون بدفع إماراتي، كما أوضحت التسريبات، بل امتدت إلى دفع ترامب نحو دعم الإمارات والسعودية، والنأي بنفسه عن التوتر القائم بسبب قرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر مقاطعة قطر التي وصفها بأنها «محطة تلفزيونية تأتي معها دولة».

رجل آخر يشترك مع «برويدي» في مُمارسة الضغوط على ترامب للميل نحو الإمارات، هو «جورج نادر» الذي كان حلقة الوصل مع رجل الأعمال الأمريكي لترتيب لقاء يجمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي عهد الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، بعيدًا عن الأضواء، في نيويورك أو نيوجرسي، وذلك وفقًا لرسالة أرسلها برويدي إلى رجل الأعمال الأمريكي اللبناني جورج نادر، الذي تعرض للاستجواب مؤخرًا من جانب المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي بالانتخابات الأمريكية الأخيرة، روبرت مولر، استجوب نادر وحقق معه في احتمال محاولة الإمارات شراء نفوذ سياسي في واشنطن، من خلال دفع أموال لحملة ترامب.

بالنسبة للبعض فقد زادت احتمالية صحة وقائع هذه التسريبات؛ بسبب تعقيب رجل الأعمال الأمريكي الذي لم يجد من يتهمه في اختراق حسابه الإلكتروني، سوى دولة قطر، والتي بدورها عقبت تعقيبًا دبلوماسيًا بنفي هذه الاتهامات «بشكل قاطع»، مؤكدة أن هذه الاتهامات هدفها تشتيت الانتباه عن المضمون الخطير للرسائل.

يُعزز من هذه الرواية ما أوردته «واشنطن بوست» نقلًا عن شخص مقرّب من وزير الخارجية الأمريكية، ريكس تيلرسون، عن كون وزير خارجية الولايات المتحدة منزعجًا جدًا من أن «الفتى الأبله»، جاريد كوشنر، يدير سياسة الولايات المتحدة الخارجية من جناح العائلة في البيت الأبيض، وتأثره بعلاقته مع السفير الإماراتي في الولايات المتحدة الأمريكية، يوسف العتيبة، بحسب ما أوردته الصحيفة.

جاريد كوشنر.. باب الخروج من البيت الأبيض ينتظر «الطفل المعجزة»

تحقق للدولة الخليجية ما أرادت عبر محاولات الدفع المستمرة من ممثليها لعزل تيلرسون، الذي كان حائط صد أمام تمرير عدد من سياسات «ترامب» بشأن إيران، وكوريا الشمالية، وأخيرًا الأزمة الخليجية.

إذًا.. كيف ستتأثر الأزمة الخليجية بقدوم بومبيو؟

لم يكن وزير الخارجية الأمريكي السابق تيلرسون على وفاق كامل مع ترامب تجاه آليات التعامل مع الأزمة الخليجية؛ فبينما كان ترامب يدفع في بداية الأمور نحو اتهام قطر بدعم وتمويل الإرهاب، والتصديق على روايات الدول الثلاث، كان وزير الخارجية يدعو للتهدئة، ويمضي نحو رفض مطالب الدول الأربع، ويوقع الاتفاقيات مع قطر في كل المجالات.

Embed from Getty Images

ولي العهد الإماراتي يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

يُعزز ذلك ما نقلته جريدة «النيويورك تايمز» في تقرير لها، وفقًا لمسؤولين، إن ترامب «في خصومة مع وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع جميع قادة الخليج الضالعين في الأزمة»، مشيرة إلى أن تلك العلاقات تعود إلى فترة عمل تيلرسون رئيسًا تنفيذيًا لشركة «إكسون موبيل».

لاحقًا؛ أخذ ترامب موقفًا يتقاطع مع وزير خارجيته في السعي نحو مخرج لهذه الأزمة التي طال أمدها، وتجددت مطالبته لكُل دول الأزمة بتجاوز المشاكل بينهما لتوحيد مواقفهما تجاه إيران. هذا التقاطع في المواقف لم يحسم بعد موقف الرئيس الأمريكي؛ إذ تظل علاقة الإمارات والسعودية مع التيار اليميني والجمهوريين أشد صلة وتأثيرًا من علاقة قطر بهذه المجموعات التي باتت الأكثر نفوذًا في دوائر صناعة القرار، خصوصًا في ظل تأكيد التسريبات على دور الإمارات في عزل تيلرسون.

«ذي أتلانتك»: أمريكا هي الرابح الأكبر من الأزمة الخليجية!

يعزز هذا، العلاقة الجيدة في الفترة الأخيرة بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وتوسيع مجالات التعاون المشتركة بينهما، وهو ما تأكد في تصريح بومبيو، الوزير الجديد للخارجية الأمريكية، وذلك حين كان مديرًا لـ«سي آي إيه»: «إن التنسيق الاستخباراتي بين السعودية وإسرائيل في مجال الحرب على الإرهاب لم يعد فكرة أو اقتراحًا، بل بات أمرًا واقعًا».

وأوضح أثناء مشاركته في «منتدى ريغان» السنوي للدفاع في كاليفورنيا: «شاهدت أنهم (السعوديون) يعملون مع الإسرائيليين في التصدي للإرهاب في الشرق الأوسط، ويبدو أنه بالقدر الذي يمكننا الاستمرار في تطوير هذه العلاقات، ستكون دول الخليج، والشرق الأوسط عمومًا، أكثر أمنًا».

تبدو هذه الوقائع السابقة كفيلة بترجيح كفة دول المقاطعة عند البيت الأبيض، ودعم خياراتها نحو مزيد من التشدد فى مطالبها تجاه دولة قطر لإجراء المصالحة وفقًا لشروط الدول الأولى، التي من شأنها تعزيز نفوذها، وحضورها لدى البيت الأبيض، الذي باتت كُل السلطات تنحصر في حوزة رجال تجمعهم بهم علاقات جيدة ومصالح مالية.

انعكاسات هذه التغييرات على الأزمة الخليجية لصالح معسكر الإمارات والسعودية وهزيمة الجانب القطري يقف أمام حسمها مُحددين رئيسين يتمثلان في انضواء قطر نحو الحلف الروسي الإيراني، خصوصًا في ظل العداء من جانب بومبيو لسياسات روسيا، وكذلك النتائج التي ستخرج بها لجنة التحقيق الخاصة حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية برئاسة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، روبرت مولر، خصوصًا في ظل ضلوع بعض رجال الإمارات الموالين للدولة الخليجية في هذه التحقيقات، وخضوعهم للتحقيقات بتهمة التدخل لشراء نفوذ سياسي في أمريكا.

وقد يؤدي الدفع بومبيو لمسار آخر للأزمة الخليجية من خلال استخدام نفوذه الواسع لدى الإمارات والسعودية لمُمارسة ضغوط عليهما على خلاف تيلرسون ذي النفوذ الضعيف، خصوصًا في ظل تأكيد ترامب أكثر من مرة على رفضه أي تطوير في العراك بين الدول الخليجية، والدفع الدائم نحو طي ملف هذه الأزمة، وتوحيد كُل الجهود لمواجهة إيران، الذى يعتبره وزير خارجيته الجديد العدو الأول لأمريكا، وكان من أشد الناقدين لاتفاقية النووي الإيراني خلال ولاية أوباما.

وعلى كُل فالإمارات تبدو هى الرابح الأكبر، سواء في الدفع نحو التصعيد مع إيران، أو من خلال التسريع في إنهاء الأزمة مع قطر وفقًا لشروطها التي ستسعى لتوصيلها عبر رجالها المقربين من ترامب.