ميرفت عوف

7

ميرفت عوف

7

7,001

استجابت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لدعوة وُجِّهت لرئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، وغيره من قادة الحركة، لحضور مراسم أداء اليمين الدستورية للرئيس الإيراني «حسن روحاني». اختارت (حماس) وفدًا عالي المستوى للمشاركة في هذا الحفل، وذلك : «تقديرًا لما تقوم به إيران من دورٍ كبير في دعم صمود الشعب الفلسطيني ومناصرة حقوقه وإسناد مقاومته» حسب ما جاء في بيان الحركة.

جاءت هذه الزيارة العلنية في وقتٍ تعاني فيه (حماس) على جميع الأصعدة، داخليًا لا يزال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يتخذ الإجراءات العقابية ضدها، وتحركاتها مع خصم عباس «محمد دحلان» غير آمنة، بينما يستمر المحيط الإقليمي خاصة بعد الأزمة الخليجية بالضغط عليها واعتبارها «إرهابية».

رغم التقارب مع «دحلان».. حماس تتحرّك بشكل وحدوي نحو إيران

تدفع حالة الاصطفاف التي بدأت تتشكل بعد مجموع التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة العربية والدولية، العديد من الجهات للتفكير الجدي في مساراتها الحالية وترسيم سياساتها المستقبلية. في الإطار السابق، يقرأ  المستشار الإعلامي وأستاذ الإعلام في جامعة السلطان محمد الفاتح في إسطنبول «نزار الحرباوي» دوافع زيارة وفد (حماس) لطهران وما جرى قبل ذلك من زياراتٍ لمصر وفتح حوارات واتفاقيات تمهيدية مع «معسكر دحلان»، ويقول: «المبادرة في هذا التوقيت بالذات لها دلالات عدة، تشير إلى رغبة (حماس) بأن تثبت حضورها في الساحة الفلسطينية والدولية، كما أن الأمر له دلالة على حجم الأزمة التي تعيشها (حماس) في قطاع غزة بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار وثلاث حروب خاضتها ضد الاحتلال الإسرائيلي».

وفد حماس في إيران (المصدر: فيسبوك).

ويشير «الحرباوي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أنّ الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالكل الفلسطيني، وسياسة إسرائيل في اللعب على التناقضات والتجييش ضد الفلسطينيين ومحاولات تغذية الفرقة واضحة، كل ذلك يوجب على التيارات الفلسطينية اليوم أن تتحرك بعقلانية وبشكل وحدوي برغم خلافاتها الأيديولوجية والتكتيكية، ويضيف: «هناك ضغوطات ومحاولات وتوازنات إقليمية تحاول أن تدخل على الخط وفق رؤاها وأجندتها الذاتية، فالشعب الفلسطيني هو باروميتر الحراك العالمي برغم كل ما يعصف به من أزمات وهو ما أثبتته أحداث القدس الأخيرة التي غيرت كثيرًا من الوقائع داخل فلسطين وخارجها».

تضامن بغزة مع ضحايا حلب.

من جانبه، يشير الإعلامي الفلسطيني «زاهر البيك» إلى أنّ حركة (حماس) وبعد سنوات من وقوفها مع الثورة السورية ضدّ بشار الأسد المدعوم إيرانيًا والبعد عن المحور الإيراني، فقدت الأمل بجدوى التقارب مع السعودية، موضحًا: «اعتقدت حماس أنّ السعودية ستدعمها ولكن لم تدعمها وخسرت الدعم الإيراني ولم تستفد من السعودية خاصة بعد التغيرات الأخيرة في السعودية، وصعود محمد بن سلمان، والأمور تتجه نحو الأسوأ مع السعودية».

فيما يتعلق بتحرُّكات الحركة مع القيادي المفصول من حركة (فتح)، محمد دحلان، يؤكد «البيك» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أنّ (حماس) تتعامل مع دحلان بحذرٍ شديد، ولا تأمن جانب الإمارات ودحلان، لذلك الحركة معنية بالتوجه نحو أي جهة تخفف الحصار الشديد على غزة، ولديها جاهزية للتعامل مع هذه الجهات بحذر شديد، وذلك عمل تكتيكي وغير استراتيجي، مضيفًا: «العلاقة مع إيران إستراتيجية أما مع دحلان والإمارات فهي تكتيكية لفترة معينة»، مشددًا على أن الهدف من التقارب هو الدعم السخي لأن الحركة بحاجة شديدة له في هذه الفترة سواء على صعيد دعم المقاومة أو العمل السياسي.

اقرأ أيضًا: محمد دحلان.. ذراع الإمارات الإقليمي الذي اغتال خصومه وراوغ حلفاءه

الجناح العسكري.. إيران أكثر فائدة للحركة

رغم إظهار كل من إيران و(حماس) أن العلاقات بينهما لم تنقطع وكانت طبيعية، إلا أنه لا يمكن إخفاء التدهور الكبير الذي طرأ على هذه العلاقات بعد وقوف الحركة إلى جانب الثورة السورية ضد النظام الحليف لإيران.

يحيى السنوار، وإسماعيل هنية.

التحسُّن الملحوظ بين الجانبين ظهر بعد تولّي «يحيى السنوار» رئاسة المكتب السياسي الجديد للحركة في قطاع غزة، إذ يحسب هذا العسكري على المحور الإيراني، لذلك ما لبث أن حقَّقَ تقاربًا مع إيران، كما شكل صعود «إسماعيل هنية» على رأس الحركة، فرصة جيدة لهذا التقارب، فهو أكثر ميلًا للتصالح مع إيران، بعكس سلفه «خالد مشعل»، كما تدرك إيران أهمية الاستفادة من واقع حماس الجديد، التي يحاصرها الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» بإجراءاته التعسفية المتلاحقة، مع استمرار الحصار الإسرائيلي منذ عشر سنوات، بينما يستمر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ودول الخليج باعتبارها «منظمة إرهابية».

تؤكد مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية أنه منذ مغادرة رئيس مكتب (حماس) السياسي السابق خالد مشعل العاصمة دمشق عام 2012، متوجّهًا لقطر، ومشعل يحاول توجيه حماس لدول الخليج، وقد التقي الملك السعودي سلمان قبل عامين، إلا أنّ قيادات الذراع العسكرية للحركة (كتائب القسام) الذين رغبوا في «العودة لأحضان الجمهورية الإسلامية الإيرانية» حسب وصف المجلة، ما زالوا مقتنعين بأن المحور الإيراني هو الأكثر فائدة للحركة، وتذكر المجلة أن موقف قادة حماس السابق أظهر: «تعزيزًا للمكتب السياسي المعتدل نسبيًا لحماس، أما الآن، فإن السعوديين وحلفاءهم يطالبون بقطع العلاقات مع الحركة الفلسطينية وطرد قادتها من الدوحة؛ ما قد يدفعها إلى طهران».

صور لقادة (حماس) يرفعها أنصار الحركة.

يرى أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس المصرية «أحمد لاشين» أن حركة (حماس) منذ نشأتها في التسعينيات وولاؤها الكامل لإيران، إذ لم يشكل الاختلاف المذهبي عائقًا على مدار تلك العلاقة منذ البداية. ويؤكد «لاشين» على أنّ: «محاولات الاستقطاب الخليجي لحماس خلال الفترة السابقة، لم تغيِّر شيئًا من عمق العلاقات الحمساوية – الإيرانية، بل ظلّ خط الود ممدودًا رغم كل ما مر على المنطقة من أحداث، بالإضافة إلى أنّ التباهي السياسي الذي تمارسه حماس الآن بعلاقاتها بإيران، يصب في مصلحة حماس بشكل واضح، أمام الضغوط المصرية ومن خلفها الخليجية».

معقبًا لـ«ساسة بوست»: «بالتالي لا توجد فرصة أهم من تنصيب روحاني لإظهار هذا الولاء، خاصة أن السياسة الخارجية الإيرانية في عهد روحاني أصبحت أقل تصادمية مع الدول العربية وأكثر مهادنة مع الغرب، وذلك رغم بعض التصريحات النارية التي تصدر من بعض الساسة الإيرانيين، لكنها لا تتعدى مجرد تصريحات للاستهلاك المحلي»، وهو ما يصب في صالح حماس التي تحاول غسيل سمعتها دوليًا على الأقل، حسب لاشين.

بأريحيّة نحو إيران

«لقد طَفَحَ الكيل، وعلى قطر أن توقف دعمها لجماعات مثل حماس والإخوان المسلمين»، كانت تلك المرة الأولى التي يصم فيها مسؤول سعودي هو وزير الخارجية «عادل الجبير» (حماس) بالـ«منظمة الإرهابية».

«الجبير» الذي بادر يصافح ويحتضن نظيره الإيراني «محمد جواد ظريف»، خلال مشاركتهما في مؤتمر بتركيا قبل عدة أيام،لم يكن وصفه لـ(حماس) هو الأخير، فخلال الأيام الماضية وصفت صحفٌ سعوديةٌ الحركةَ بـ«الإرهابية»، وهي تنقل خبر مشاركة وفدها في مراسم تنصيب «روحاني»، وذكرت صحيفة «الرياض»، «أنّ حركة (حماس) مجموعة إرهابية، حسب تصنيف كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».

وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير.

في المحصلة، حماس ماضية نحو إيران، ولن تكون زيارة وفدها الحالي لإيران، إلا تتويجًا لتمهيدٍ سبق هذه الزيارة قبل عدة أشهر في عدة عواصم، كما أنّ إيران التي سارعت لتقرب من قطر عقب حصارها، رأت في الضغط على حماس مدخلًا لترميم العلاقة معها، لذلك يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة (الأمة) بغزة «عدنان أبو عامر» أنّ زيارة وفد حماس رفيع المستوى إلى طهران يظهر أننا أمام اختراق حقيقي في العلاقة بين الجانبين بعد فتور استمرّ عدة سنوات، ويعقب لـ«ساسة بوست»: «هي محاولة لطي صفحة الفتور الماضية التي تسبب فيها الملف السوري، ورغبة من حماس في استعادة الدعم العسكري والمالي، وفي نفس الوقت رغبة إيرانية للعودة مجددًا إلى الملف الفلسطيني من أوسع أبوابه عبر حركة حماس».

ويقول أبو عامر إنّ من الواضح أن حماس ترى الاستقطابات الحاصلة في دول الخليج العربي، وترى بأمِّ العين كيف أن هناك علاقات مستمرة بين دول الخليج مجتمعة بما فيها السعودية والإمارات مع إيران دون أن يؤثر ذلك على علاقتها، ويوضح: «حماس طرقت أبوابًا عدة في دول المنطقة في الآونة الأخيرة دون أن تجد استجابة منها سواء في الدعم العسكري أو السياسي، أو حتى الدعم الإنساني لقطاع غزة، لذلك تشعر الآن بنوع من الأريحية وعدم الضغط الخارجي في تواصل علاقاتها مع إيران»، حسب أبي عامر.

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني «مؤمن بسيسو»: «ما تواجهه حماس هذه الأيام، في ظلّ الأزمة الخليجية، جاء في توقيت بالغ السوء، حيث تتربص إٍسرائيل بحماس في غزة، ولا تخفي استعداداتها للمواجهة المقبلة التي تراها قريبة وحتميّة»، مضيفًا في حديثه لـ«المونيتور»: «وإذا قررت حماس الاعتماد على إيران للبحث عن دعم مالي جديد وإسناد سياسي وعسكري، فإنّ هذا السيناريو يتجاهل كليًّا المتغيرات الإقليمية والدولية الحاصلة، خاصة ما تواجهه إيران من حالة العداء العربي والدولي، مما قد يستجلب متاعب كبرى لا تقوى حماس على استيعابها، ونتائجها متوقّعة، وصولًا إلى تعرضها لضربة عسكرية إسرائيلية موجعة في غزة».

إسرائيل تريد قطع الاستثمار الإيراني للأزمة القطرية

«العاروري يخطط لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل من لبنان، وصل إلى لبنان من أجل تعزيز العلاقات مع «حزب الله» اللبناني والحرس الثوري الإيراني، والعمل على ضرب إسرائيل»، جزء مما قاله وزير الجيش الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، وهو يهاجم تقارب شخصيات في حركة (حماس) من المحور الإيراني وحلفائه.

 وزير الجيش الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان.

كان العاروري بشكلٍ خاص، على رأس وفد حماس الذي زار طهران بالأمس لحضور حفل تنصيب «روحاني»، وهو ما يجعل التخوفات الإسرائيلية من تقارب حماس مع إيران واقعًا ملموسًا، فمع بدء الأزمة الخليجية التي طرح فيها اسم (حماس) بجانب قطر، كانت إسرائيل تظهر تخوفاتها من دفع هذه الأزمة لجهات عدة نحو إيران، إذ ذكر تقرير صدر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في جامعة تل أبيب، أن هذه الأزمة «مؤشر على تصدع الجبهة (السُنية) في مواجهة إيران، لذا فإن إسرائيل تشجع بل وتضغط على الإدارة الأمريكية للعودة للوساطة لكي لا ينفرط هذا العقد المواجه لإيران».

كما ذكر التقدير الاستراتيجي لمركز «الزيتونة» للدراسات والاستشارات الصادر في يوليو (تموز) 2017، أنّ: «الوساطة الأمريكية يجب – من وجهة النظر الإسرائيلية – أن تُربط بتقليص دعم قطر لحماس تحديدًا، وهو ما يزيد من الضغوط المالية على غزة، ويجعلها أكثر قابلية للقبول بعودة السلطة الفلسطينية إليها»، إضافة إلى «قطع الطريق على إيران لاستثمار الأزمة القطرية، لأن الضغط المستمر على قطر سيقود لدفع قطر نحو روسيا وإيران بل وسوريا والعراق»، ويعتقد الإسرائيليون أن إبعاد قطر لبعض قيادات حماس من الدوحة مؤشر على أن الضغط على الدوحة قد يعرقل المسار التدريجي الهادئ في التراجع القطري عن دعم حماس.