default-avatar
هيثم سليماني

28

default-avatarهيثم سليماني

28

تزامنت موجة الحر الأخيرة التي شهدتها دول البحر الأبيض المتوسّط مع موجات حرائق غابيّة (حرائق غابات) أتت على آلاف الهكتارات واستنفرت جهود الآلاف من أعوان الإطفاء والأجهزة الأمنية والطبية. ولا تزال النيران مُشتعلة في مناطق مختلفة، بالرغم من الجهود المبذولة لمحاصرتها والسيطرة عليها.

في الحقيقة، كان للإنسانية دائما صراع دائم مع هذه الحرائق التي تندلع فجأة مُستفيدة إما من خطأ بشري أو من تضافر عدد من العوامل الطبيعية؛ لتأتي على الأخضر واليابس، ولتتسبب في أضرار بشرية ومادية هائلة، وليخسر الإنسان جزءًا كبيرًا من الغابة التي تُعد رئة العالم الحقيقية ومصدر الأوكسيجين الذي يتنفس.

خارطة الحرائق على ضفتي المتوسّط

بحسب وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، كان شهر مايو (أيار) 2017 الأكثر حرارةً على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجة الحرارة عالميا قبل 137 عام. وانعكس هذا الارتفاع مُباشرة على قابلية نشوب حرائق غابية خاصة حوض المتوسّط مع حلول شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، إذ عرف جنوب أوروبا وشمالي إفريقيا انتشارًا سريعًا للحرائق الغابية.

تونس : محاولات للسيطرة وشكوك

انطلقت الحرائق الغابية بتونس في مناطق تقع بالشمال الغربي للبلاد على الحدود مع الجزائر، وهي مناطق معروفة بامتدادها الغابي الكثيف. ووفق مصادر رسميّة، أتت هذه الحرائق التي تجاوز عددها 100 حريق على ألفي هكتار من الغابات.

وأوضح كاتب الدولة لدى وزير الفلاحة عمر الباهي، في ندوة صحفية، أن الحرائق«تسببت بخسارة حوالى ألفي هكتار»، مضيفًا أن هذا الرقم «ليس عاديًا لأن الخسائر تبلغ في العادة حوالى 1300 هكتار سنويا»، مؤكّدًا السيطرة على غالبية الحرائق مع بقاء «بعض الجيوب».

من جهته أكد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني العميد خليفة الشيباني أن «العوامل الطبيعية» أسباب بديهية لاندلاع الحرائق، نظرًا الى موجة الحر التي تشهدها تونس، مشيرًا إلى أن درجات الحرارة في جندوبة (شمال غرب) التي شهدت حرائق كثيفة بلغت «في الظل 47 وفي الشمس 59» درجة، لكنه أشار في ذات الوقت إلى أن بعض الحرائق قد تعود أسبابها إلى أعمال إجرامية متعمّدة مشيرًا إلى فتح «26 قضية بالتنسيق مع النيابة العمومية على علاقة بالحرائق.. تم خلالها إيقاف 4 أشخاص لقيامهم بحرق أراضي الدولة». وأوضح الشيباني أن التحقيقات الأولية كشفت أن بعض المتورطين أعوان حظائر عرضيين تم انتدابهم ثم التخلي عنهم أضرموا نيرانًا كي يتم «الاستنجاد» بهم في إخمادها، وكذلك «لاحقًا لاستغلالها بجمع الفحم».

الجزائر: خسائر كبرى

وشهدت الجزائر بدورها حرائق غابية ألحقت العديد من الأضرار بالثروة الغابية الجزائرية، ويتواصل تسببها في إتلاف آلاف الهكتارات من الغابات على مستوى بعض ولايات مثل ولاية البليدة، والطارف، وبجاية، وعنابة، وجيجل وغيرها، في حين تمّ تسجيل حالة وفاة بولاية بومرداس جرّاء هذه الحرائق.

وكشف مدير الحماية المدنية ببومرداس أحمد محمودي عن تسجيل حالة وفاة على مستوى بلدية لقاطة بعد تسبب حريق الأدغال والأحراش في وفاة شاب يبلغ من العمر 20 سنة حاصرت النيران سيارته. وأضاف أنه تم تسجيل 10 حرائق في مختلف مناطق الولاية ناتجة عن هبوب رياح جنوبية قوية، وارتفاع درجات الحرارة التي فاقت 40 درجة مئوية.

من جهتها أوضحت الملازم أول المكلفة بالإعلام بالحماية المدنية بولاية جيجل السيدة بومالة للقناة الإذاعية الأولى أنّ مصالح الحماية المدنية لولاية جيجل سجّلت خلال 48 ساعة الماضية 17 حريقًا أتت على 41 هكتارًا من مختلف مكونات الغابة من فلين وبلوط وأحراش وأعشاب.

وأضافت بومالة أنه تمّ التحكم في الحرائق بصفة جيدة من طرف أعوان الحماية المدنية بالرغم من الصعوبات التي يواجهونها في الميدان من تضاريس وغياب المسالك وبعد نقاط المياه. وعلى مستوى ولاية بجاية، أكد مدير الحماية المدنية بالولاية المقدم حكيم عميشي أنه تم تسجيل 44 حريقًا خلال الـ 24 ساعة الماضية وجل الحرائق أخمدت ما عدا 3 ما زالت العملية فيها متواصلة.

وكشف المدير العام للغابات بالجزائر عز الدين سكران، اليوم الأحد أن مصالحه أحصت ما يقارب 1604 حريق منذ غرة يوليو (تموز) المنصرم أدت إلى إتلاف 14310 هكتار من المساحات الغابية والأدغال والأحراش.

وقال سكران خلال ندوة صحفية عقدها بمقر المديرية العامة للغابات الجزائرية قدم خلالها الحصيلة المؤقتة لحرائق الغابات منذ انطلاق موسم الصيف، أنه في الفترة الممتدة من 1 جوان إلى غاية 5 أوت، قامت مصالح مديرية الغابات بإحصاء 1604 حريق انتشرت على مساحة مقدرة بـ 14310 هكتار، منها 4848 هكتار من المساحات الغابية و4656 هكتار من الأدغال و4806 هكتار من الأحراش.

فرنسا: الأمور خرجت  عن السيطرة

يعيش جنوب شرق فرنسا منذ منتصف شهر يوليو الماضي على وقع الحرائق التي اجتاحت المنطقة وأحرقت أكثر من 7 آلاف هكتار من الغابات حسب وسائل الإعلام الفرنسية. ولم تتمكن وحدات الحماية المدنية الفرنسية وعناصر الشرطة من إخماد الحرائق التي تتزايد وتنتشر، حيث يقع يوميًا إجلاء سكان بعض مناطق الجنوب الشرقي الفرنسي.

وذكرت صحيفة كورس ماتان الفرنسية أنّ رجال الإطفاء لم يتمكّنوا من الوصول إلى أجزاء من حريق حول بالنيكا على التضاريس الصخرية، وهي محطة في جي آر 20، وذلك بعد يوم من اندلاع الحرائق هناك وفى أبيتو.

وقال حاكم جنوبي كورسيكا: إنه تم جلب الطائرات لتفريغ مياه ومواد إطفاء بالإضافة إلى ثلاث مروحيات لمكافحة الحرائق في بالنيكا وأبيتو. ويقع كلا الموقعين شمال العاصمة أجاكسيو. وألقت الشرطة الفرنسية أول أمس القبض على 4 شبان تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة بتهمة إشعال الحرائق عمدًا. أما الأرقام حول حرائق الغابات في فرنسا، فيمكن الاطلاع على هذا  الإنفوجراف

أسباب اندلاع الحرائق الغابية

تؤكِّد معظم الهيئات الدولية أنّ 95% من حرائق الغابات تنتج عن نشاطات إنسانية خاطئة، سواء كانت بدون قصد أو بخلفية إجرامية، منها ما ينتج عن ترك المتنزهين الذين يقصدون الغابات للاستجمام لمواقد النار خلفهم دون إطفائها ومنها ما يقوم به بعض المزارعين من التخلص من مخلفات مزارعهم عن طريق الحرق.

وبالإضافة إلى ما سبق، يلجأ لصوص الأخشاب أو منتجي الفحم في بعض الحالات إلى إشعال النيران في الغابات بهدف الحصول على كميات من الأخشاب التي تبقى بعد إخماد الحريق، بينما يلجأ بعض المزارعين إلى حرق مساحات من الغابات بهدف توفير مساحات زراعية إضافية. وتشكل الحوادث المرورية التي تقع على الشوارع التي تمر عبر الغابات ورمي بعض السائقين لأعقاب السجائر أو لأي أجسام مشتعلة أخرى على جنبات الطريق، دون الاكتراث لأسباب أخرى مهمة يُمكن أن تؤدي لاشتعال حرائق الغابات.

وبالإضافة للدور البشري، يمكن أن تنتج الحرائق عن بعض الظواهر الطبيعية وأهمها الصواعق والانفجارات البركانية ودرجات الحرارة العالية في مواسم الجفاف. ومن بين العوامل التي تزيد من تأثيرها ارتباطها بهبوب عواصف قوية تعمل على انتشار النار بسرعةٍ أكبر. علميًا لا يشبُّ الحريق، إلا إذا توافرت له ثلاثة عوامل على الأقل: الأول هو المادة القابلة للاحتراق، والثاني الحرارة المرتفعة، والثالث هو أكسجين الهواء الذي بدونه لا تتكون النار.

تقنيات إخماد الحريق

تعتمد نظرية إطفاء الحريق على إلغاء أحد أضلاع المثلث المسؤول عن ولادته (المادة المشتعلة والحرارة والأكسجين). ومن هنا يتبع خبراء الإطفاء ثلاثة وسائل رئيسة تتمثل في التبريد والخنق والتجويع.

1- التبريد

والمقصود به تبريد المكان المحترق وما فيه من مكونات وما حوله خشية امتداد الحريق. ويتم ذلك بقذف أو رش المياه بأية وسيلة، سواء عن طريق الخراطيم أو الخزانات المحمولة جوًا عبر الطائرات. والهدف من هذا التبريد هو جعل المكان المحترق يمتصُّ المياه المقذوفة أو المرشوشة، فإذا ما ارتفعت درجة حرارة المياه الممتصة في مكان الحريق تبخرت، فيعمل بخار الماء المتصاعد على سحب أكسجين الهواء، ومن ثم كتم الحريق حتى ينطفئ.

2- الخنق

والتعبير مستخدم لدى خبراء الأمن والسلامة والدفاع المدني وفي أدبيات الإطفاء، والمقصود به تغطية الحريق بحاجز يمنع وصول أكسجين الهواء إليه وذلك بوسائل كثيرة منها:

  • تغطية المادة المشتعلة – إذا كانت مساحتها في متناول أجهزة الإطفاء – بالرغى الكيماوية.
  • فصل مصادر النيران عن المادة المحترقة بنسف مكان الحريق بالديناميت، وهذا ما يتم غالبًا أثناء إطفاء حرائق آبار البترول.
  • غلق منافذ وفتحات التهوية – إذا كان الحريق في مكان مغلق – للتقليل من نسبة الأكسجين في الهواء إلى النسبة التي لا تسمح باستمرار الاشتعال.

3- التجويع

أما التجويع فالهدف منه الحد من كمية المواد القابلة للاشتعال بالوسائل التالية:

  • نقل المواد القابلة للاشتعال بعيدًا عن تأثير الحرارة والنار، مثل إزالة النباتات والأشجار بالغابات والأراضي الزراعية لوقف سريان وانتشار الحريق.
  • إبعاد المواد المشتعلة فيها النيران بالفعل بعيدا عن الأماكن المحتمل أن تمتد إليها، وذلك باستخدام جرافات ضخمة مخصصة لهذا الغرض.
  • تقسيم المساحات الجغرافية المشتعلة فيها النيران من الغابة إلى مساحات صغيرة لتكون كل واحدة منها حريقا صغيرًا قائمًا بذاته يمكن السيطرة عليه.
  • الطرق على أخشاب الأشجار المشتعلة لتفتيتها إلى أجزاء صغيرة يمكن أن تتأثر بمواد الإطفاء.

خسائر ومضار

تؤدي حرائق الغابات إلى تدمير النظام البيئي في تلك الغابات وغالبًا ما تقضي على كافة أنواع الحياة فيها سواء بموت الكائنات الحية أثناء الحريق أو هجرتها للغابة التي لا يتبقى منها سوى بعض الأشجار المتفحمة، وهو ما يجعلها غير ملائمة لعيش كثير من أنواع الكائنات الحية. ويمكن تلخيص أضرار حرائق الغابات فيما يلي:

  • تدمير كميات هائلة من الأخشاب الثقيلة ذات القيمة العالية والتي تصل أعمارها أحيانًا إلى مئات السنين وهو ما يتسبب في خسائر مادية مباشرة للدول التي تحوي تلك الغابات؛ إذ تشكل أخشاب الغابات جزءًا هامًا من المواد الخام لكثير من الصناعات، مثل صناعة الأثاث والإنشاءات.
  • التسبب في تسريع زحف التصحر نحو المناطق الخضراء إذ تشكل الغابات حوائط صد ممتازة لحماية المناطق الخضراء من زحف الكثبان الرملية القادمة من المناطق الجافة كما تعمل على الحفاظ على التربة وتخصيبها وتمنع تدهور بينتها، وبذلك تحميها من التصحر.
  • تدمير المناطق السكنية المتاخمة للغابات وتهجير آلاف البشر والتسبب بخسائر في الأرواح والتي قد تكون كبيرة في بعض الحرائق.
  • تسبب حرائق الغابات في إنتاج كميات هائلة من غاز ثاني أوكسيد الكربون بالإضافة إلى كميات أخرى لا تقل ضررًا من دقائق الغبار التي تصل إلى مناطق تبعد مئات الأميال عن منطقة الحريق ويمكن أن تسبب مشاكل صحية وبيئية، ونظرًا لكميات غاز ثاني أوكسيد الكربون التي تطلقها فإن حرائق الغابات تعد أحد العوامل التي تساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

Embed from Getty Images

أشهر حرائق الغابات في السنوات الأخيرة

يُسجّل سنويّا عدد الحرائق في الغابات، إلا أن حجم الامتداد الجغرافي لحريق ما وحجم الخسائر البشرية والمادّية التي يُسبّبها قد يُدخل بعضها للتاريخ:

حرائق غابات إندونيسيا

حرائق غابات إندونيسيا هي مجموعة حرائق متتالية بدأت في سنة 1999 وانتهت في سنة 2005 وامتدت على مساحات شاسعة في كل من كالماتانا وسومطرة وجاوة وغيرها، وأدت إلى تدمير مئات آلاف الكيلومترات من الغابات الإندونيسية في هذه المناطق. ومما زاد الوضع سوءًا أنها جاءت بعد حريق كالماتانا الذي نشب عام 1998 وتسبب في تدمير أكثر من 95 ألف كيلومتر مربع. وتعتبر إندونيسيا من أكثر دول العالم التي يتم تعمُّد إشعال حرائق الغابات فيها بهدف إفساح المجال أمام زراعة أشجار النخيل المخصصة لإنتاج الزيوت وتوفير مساحات إضافية لإقامة مناطق سكنية جديدة لمواجهة متطلبات الزيادة السكانية.

حرائق الغابات في أستراليا

حرائق الغابات في أستراليا تحدث في أستراليا بصورة متكررة خلال الأشهر الأكثر حرارة من السنة، ويعود ذلك إلى مناخها الحار والجاف، إذ تؤثر هذه الحرائق على مساحات واسعة في حين بإمكانها أن تسبب أضررًا في الممتلكات وخسارة في الأرواح. ومن أشهر هذه الحرائق هي حرائق منطقة سيدني المتكررة في الأعوام 1983 و 1994 و 1997 و 2000 وكذلك حريق ولاية جنوب أستراليا والذي حدث في صيف العام 2014 وأدى إلى تدمير أكثر من 240 كيلومتر مربع من الغابات وتعد الحرائق حدثًا سنويًا يتكرر حدوثه في عدة مناطق من أستراليا.

فيديو لحريق سيدني سنة 1994

حرائق اليونان

شهدت اليونان حريقين هائلين في منطقة بيلوبونيس سنة 2007 اعتبرا الأسوأ منذ القرن التاسع عشر، إذ أدت الحرائق إلى قتل عشرات الأشخاص، وإلى تدمير آلاف الكيلومترات من الغابات. وتجاوزت خسائر هذا الحريق مليارات اليوروات، بالإضافة إلى مقتل أكثر من 65 شخص.

فيديو يظهر حرائق اليونان 2007

حرائق غابات كاليفورنيا

حرائق الغابات في كاليفورنيا  في أكتوبر (تشرين الأول) 2007 وتعرف بـ California wildfires of October 2007 هي عبارة عن أكثر من 20 حريقًا في الغابات في جنوب كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأدت إلى إجلاء أكثر من مليون  شخص من منازلهم، وتدمير ما لا يقل عن 1500 من المنازل والمباني، وأدت هذه الحرائق أيضًا إلى احتراق نحو 2000 كيلومتر مربع من الأراضي في أنحاء النصف الجنوبي من الولاية، وقال المسؤولون: إنهم يخشون أن تصبح النار أكثر وأشد فتكا من حرائق عام 2003، وقالوا إنه من الممكن أن تكون الأسوأ من أي وقت مضى على الإطلاق.