هؤلاء الشيوخ منهم من تم إعدامه، كلهم اعتقلوا في أوقات مختلفة من حياتهم، هُددوا بقطع رزقهم، ومنهم من فُصل أكثر من مرة من وظيفته بالفعل، لكنهم صمدوا في معارضتهم للسلطة ولم يهادنوا.

 

بالتأكيد هناك شيوخ عارضوا السلطة وما زالوا يعارضونها لم يحصهم تقريرنا، بالتأكيد هناك مشايخ معارضة للسلطة من كل التيارات (السلفية والصوفية وغيرها)، إلا أننا اخترنا في موضوعنا “الشيخ” الإسلامي الأبرز في معارضته خلال فترة كل رئيس ممن حكموا مصر.

 

1- سيد قطب وعبد الناصر (1906- 1966)

تلقى قطب التعليم الابتدائي في إحدى مدارس قريته بمحافظة أسيوط، وأكمل تعليمه في القاهرة ليلتحق بكلية دار العلوم عام 1933، ثم عمل مدرسًا ومراقبًا ومفتشًا تابعًا لوزارة المعارف المصرية، حتى قررت الوزارة إرساله في بعثة إلى أمريكا عام 1948 ليعود إلى مصر عام 1950، ويمر بفترة الانضمام إلى حزب الوفد، ثم هيئة التحرير، ثم الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين عام 1953، والتي ظل منتميًا لها حتى عام 1966 في مثل هذا اليوم عندما صدر عليه حكم الإعدام.

 

انضم سيد قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها، وذلك بعد أن ترك هيئة التحرير التي أسستها ثورة 1952، وقبلها ترك حزب الوفد الذي كان منضمًا له عن اقتناع بأفكاره، وكان السبب وراء انشقاقه عن التنظيمين هو الاختلاف معهم في منهج إدارة التنظيم، تولى قطب قسم الدعوة في جماعة الإخوان المسلمين، وكان عضوًا في مكتب إرشادها، وقد شارك في تشكيل الهيئة التأسيسية لها.

 

 

أثناء وجوده في أمريكا كان قطب يكتب مقالات عن الحياة هناك وينشرها في جرائد مصرية، وتأثر بمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا قبل أن يراه أو ينضم للجماعة، فحينما اغتيل حسن البنا كان قطب ما يزال في أمريكا، ولم يسره ما رآه من مظاهر فرح للشعب الأمريكي باغتيال البنا، ودفعه ذلك للانضمام للجماعة بعد عودته إلى القاهرة.

 

وعن علاقة قطب بالثورة وقادتها فيذكر أنه كان المدني الوحيد الذي يحضر بعض اجتماعات مجلس قيادة الثورة، وكان قادة الثورة يعتبرونه مفكرها ومنظرًا لها، حتى أنه عرض عليه مناصب قيادية بعد قيام الثورة ولكنه رفض وآثر أن يكون سكرتيرًا لهيئة التحرير التي لم يستمر فيها سوى شهر واحد. يذكر الدكتور الخالدي في كتابه “سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد” أن قادة الثورة نظموا حفلًا لتكريم سيد قطب بعد الثورة بشهر واحد، أي في أغسطس 1952 وبدلًا من أن يلقي سيد قطب خطبته استغل الضباط وقت الحفل في التعريف بمناقب سيد قطب، وبعد أن كان من المقرر تكريم محمد نجيب له فلم يحضر الأخير لأسباب غير معلنة، ويروي الخالدي أن قطب وقف يلقي كلمة مرتجلة قال فيها: “إن الثورة قد بدأت حقًّا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئًا يذكر. فخروج الملك ليس غاية الثورة. بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام… ولقد كنت في عهد الملكية مهيئًا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا. فأنا في هذا العهد مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل”. فرد عبد الناصر على كلام قطب بصوت جهوري قائلًا: “أخي الكبير سيد. والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثث هامدة. ونعاهدك باسم الله بل نجدد عهدنا لك. أن نكون فداء لك حتى الموت”.

 

 

 

وبعد حادث محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر الشهير في المنشية الذي وقع في أكتوبر 1954، ألقي القبض على الكثير من أعضاء الجماعة ورموز الحركة الإسلامية في مصر، ومنهم سيد قطب، حيث حوكم قطب بتهمة التدبير لمحاولة اغتيال الرئيس، وصدر الحكم عليه بالسجن 15 عامًا.

 

لم يستسلم قطب للسجن وخلال تلك الفترة ألف كتابيه “هذا الدين”، و”المستقبل لهذا الدين”، وأكمل تفسيره للقرآن من خلال كتابه “في ظلال القرآن”، وهي الكتب التي تبين الفكر السلفي الجهادي لسيد قطب، وتأثره بمناهج ابن حزم وابن تيمية وحسن البنا، بالإضافة إلى مؤلفات إسلامية أخرى منها “معالم في الطريق”، و”الإسلام والسلام العالمي” – وهو الكتاب الذي ألفه قبل انضمامه للجماعة وجعل قادتها يهتمون بأمر قطب باعتباره مفكرًا إسلاميًّا-، ومؤلف “في التاريخ فكرة ومنهاج”، و”خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”، بالإضافة إلى مجموعة المقالات التي نشرتها جريدة المسلمين التي تصدر في لندن بعنوان “لماذا أعدموني” والتي يقال أنها الشهادة التي كتبها قطب بخط يده قبل إعدامه.

 

 

أفرج عن سيد قطب عام 1964 بوساطة من الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ولكن قُبض على أخيه محمد قطب عام 1965؛ مما دفع سيد للبعث برسالة احتجاج إلى المباحث العامة، فقبض عليه وآخرين من أعضاء الجماعة وقدموا للمحاكمة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم والتحريض على الدولة، وحُكم عليه بالإعدام. حاولت السلطة بطرق شتى إقناع أخته أمينة قطب بأن تحاول إقناعه والتأثير عليه ليعترف أن الإخوان على علاقة بجهات أجنبية وأن يمتدح ثورة الضباط الأحرار والرئيس جمال عبد الناصر لينال بذلك حريته، ولكنه رفض رفضًا قاطعًا. فكانت جلسات محاكماته حديثًا للناس في الشارع، حتى نفذ فيه حكم الإعدام يوم 29 أغسطس عام 1966.

 

 

 

2- عبد الحميد عبد العزيز كشك والسادات (1933- 1996)

حفظ الشيخ كشك القرآن الكريم قبل بلوغه سن العاشرة في كتاتيب شبراخيت محافظة البحيرة مكان ميلاده، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية، وبرغم فقدانه لبصره حصل على الثانوية الأزهرية بتفوق فكان ترتيبه الأول على مستوى الجمهورية، وأكمل تعليمه الجامعي في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ثم عُين في الكلية معيدًا وهو ما لم يطقه الشيخ كشك ففضل المنبر على صالات التدريس في الجامعة.

 

كان كشك قد بدأ طريقه في الخطابة من سن صغيرة قبل بلوغه الـ15، فوقف يخطب في الناس خطبة الجمعة بعد تغيب خطيب المسجد، ولمس فيه الحاضرون نبوغًا وعلمًا، وبعد تخرج الشيخ كشك من الكلية تولى الإمامة والخطابة بمسجدي الطحان ومنوفي بالشرابية في القاهرة، ثم في عام 1962 تولى إمامة وخطابة مسجد عين الحياة في شارع مصر والسودان بمنطقة حدائق القبة بالقاهرة، وهو المسجد الذي ظل كشك يخطب فيه مدة 20 عامًا، وبذلك استحق كشك لقب فارس المنابر الذي أطلق عليه وظل ملازمًا له حتى وفاته.

 

كانت خطب الشيخ كشك تتعرض ليس فقط للمسائل الفقهية وأمور الدين، إنما تربط خطبه بين الدين والحياة التي يعيشها الناس في ذلك العصر، لذلك يشتهر الشيخ كشك بنقده وسخريته اللاذعة من الفنانين والمطربين الرجال منهم والنساء، حتى رجال السياسة والحكم لم يعتبرهم الشيخ كشك خطًّا أحمر ولكن تحدث عن “ظلمهم” فدعاهم “للعودة إلى الله ودين وسنة نبيه في التعامل مع المواطنين”.

 

ولم يسلم الشيخ كشك من غضب سلطة عبد الناصر على الإسلاميين، فاعتقل مع الذين اعتقلوا في الستينات ودخل المعتقل عام 1965 وتنقل بين سجون طرة وأبو زعبل والقلعة والسجن الحربي مدة عامين ونصف، حتى خرج من المعتقل وآثار التعذيب ظاهرة على جسده كاملًا، وذكر الشيخ كشك وقائع وأحداث فترة وجوده في السجن في مذكراته التي كتبها تحت عنوان “قصة أيامي”.

 

 

 

وعاد كشك للخطابة مرة أخرى بعد فترة اعتقاله في نفس المسجد (عين الحياة)، وبعد توقيع السادات لمعاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل هاجمه كشك بشدة في خطب كثيرة، ووصف ما فعله السادات بأنه خيانة للإسلام، حتى هاجمه الرئيس السادات بنفسه في خطاب 5 سبتمبر 1981 الشهير، وبذلك لم يسلم كشك من الاعتقالات التي طالت جموع أطياف الشعب المصري عام 1981 التي شنها السادات فيما يعرف بـ”قرارات سبتمبر”، حتى أفرج عنه عام 1982 وأصبح الشيخ ممنوعًا من الخطابة في المساجد واعتلاء منابرها حتى للإمامة.

 

غذى الشيخ كشك المكتبة الإسلامية بأكثر من 100 كتاب في موضوعات متنوعة تتعلق بفهم الإسلام، وأكثر من 2000 خطبة مسجلة صوتيًّا، بجانب موسوعته المكونة من 10 مجلدات التي يتناول فيها تفسير القرآن كاملًا بعنوان “في رحاب التفسير”، وهي الموسوعة التي ألفها بعد منعه من الخطابة في المساجد. توفي الشيخ كشك وهو ساجد في نافلة أداها في منزله قبل صلاة الجمعة يوم 6 ديسمبر 1996.

 

 

https://www.youtube.com/watch?v=94kCnhWuCW8&feature=youtu.be

 

3- وجدي غنيم ومبارك والسيسي (1951- وإلى الآن)

نشأ الشيخ وجدي غنيم في محافظة الإسكندرية وتعلم في مدارسها حتى التحق بكلية التجارة، حفظ غنيم القرآن في عشرينات عمره بعد تركه للموسيقى والحفلات التي كان مغرمًا بها على حد تعبيره، وبدأ في إجادة القرآن حتى حصل على إجازة حفص من معهد قراءات الإسكندرية الأزهري عام 1984، ثم توالت شهاداته العلمية في الدراسات الإسلامية مع توغله في جماعة الإخوان المسلمين التي أصبح عضوًا فيها، واشتهر في تلك الفترة – الثمانينات- بسلاسل صوتيات أصدرها ولاقت استحسانًا من قبل الجمهور في الشارع، وتناول فيها غنيم سلوكيات المسلم في أماكن ومواضع كثيرة ومختلفة. ذلك بجانب تقدم غنيم في وظائف عامة منها وكيل حسابات بوزارة المالية، حيث استمر في هذا المنصب من 1972 حتى 2002، كما عمل أمينًا عامًا لنقابة التجاريين بالإسكندرية، وأمينًا عامًا لشعبة المحاسبة والمراجعة بالنقابة العامة بالقاهرة.

 

 

 

بعد التضييق على غنيم من قبل الحكومة المصرية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك ومنعه من اعتلاء المنابر وإلقاء الدروس، قرر السفر عام 2001 (قبل أحداث 11 سبتمبر بيومين) إلى الولايات المتحدة والاستقرار في ولاية كاليفورنيا، وعمل هناك في الدعوة وحصل على شهادة من مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا عن دورته الفقهية التي كانت بعنوان “نوازل الأسرة المسلمة في المجتمع الأمريكي”. وكان الشيخ قد اعتقل في مصر ثماني مرات في المدة بين 1981 – 1997، ومنع من السفر إلى دول عربية وأوروبية ثماني مرات أيضًا، حتى اعتقلته السلطات الأمريكية عام 2004 بتهمة خرق قوانين الهجرة وتم ترحيله منها إلى قطر بعد اعتقال دام شهرين.

 

 

https://www.youtube.com/watch?v=PY9CtlXxByo

 

https://www.youtube.com/watch?v=OANnk3QvTng

 

ثم سافر إلى البحرين التي أبعد منها أيضًا، وإلى اليمن التي غادرها بسبب خلافاته المتواصلة مع السلطات هناك، وإنجلترا التي أبعد منها ومنع من دخولها بتهمة تحريضه على الإرهاب، ثم إلى جنوب إفريقيا التي غادرها لخلافاته مع السلطات أيضًا، وعاد إلى قطر التي غادرها منذ 2014 “بإرادته لعدم إحراج الحكومة القطرية معه” – على حد تعبيره- وهو ما عرف إعلاميًّا في مصر بـ”قرار قطر بطرد الإخواني وجدي غنيم”، ثم استقر حاليًا في تركيا.

 

 

https://www.youtube.com/watch?t=16&v=7fesW_ZmKJU

 

3- حسن الشافعي: الأزهري الذي عارض ما حدث في رابعة (1930)

https://www.youtube.com/watch?v=qGkrR2JgaEw

“اللهم إني أبرأ إليك مما حدث، وأستنكره من كل قلبي. وأسأل الله لبني وطني العقل والحكمة، وأدعوهم إلى التوبة، وكلُّ الحَول والطَّول والقوة بيد الله رب العالمين”، هكذا تكلم الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية ودكتور جامعة الأزهر عقب فض رابعة والنهضة مستنكرًا ومعارضًا ما حدث.

 

درس الشافعي في كليتي أصول الدين ودار العلوم في نفس الوقت، وقد اعتقل للمرة الأولى أثناء تحضيره للماجستير عام 1964. تولى بعد حصوله على الدكتوراه مناصب عديدة منها عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، وعضو المجلس العلمي لكلية الدراسات العليا بمانشستر إنجلترا، وعميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بإسلام أباد عام 1981، ثم تولى رئاسة الجامعة الإسلامية، ورئاسة الاتحاد العالمي لعلماء الصوفية، ورئاسة المكتب الفني لشيخ الأزهر.

 

كتب وأصدر الشافعي قرابة الـ10 كتب وأكثر من 30 بحثًا علميًّا، منهم آخر كتبه والذي أصدره بعنوان “شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر”، وفيه يسرد ما شهده من أحداث ثورة يناير ويحكي شهادته على ما عاصره داخل مشيخة الأزهر وقتها. وقريبًا من المفترض أن يصدر الشيخ مذكراته بعنوان “حياتي في حكاياتي”.

المصادر

تحميل المزيد