ترجمة وتحرير الخليج الجديد

كل من إيران وتركيا تتسابق لزيادة مكاسبها في العراق، بينما تحاول الدول السنية العربية تعزيز علاقاتها مع القبائل السنية العراقية. أما فيما يتعلق بطهران، فهي تحاول الآن بشتى الطرق إقامة وجود أكبر في كردستان. ومن جانبه، أخذ الدور التركي في العراق منعطفا في الآونة الأخيرة كما هو مبين في أمور القتال بين الأكراد في الشمال، وخروج منظمة سنية جديدة ومدربة ومجهزة من قبل أنقرة في الموصل إلى النور.

في كردستان، اندلع القتال في الصباح الباكر من يوم 24 مايو/أيار بين قوات البيشمركة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) وحزب العمال الكردستاني (PKK) على الحدود الإيرانية- الكردية. وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الذي يعد على مقربة من حكومة إقليم كردستان (KRG)، يحاول إقامة قاعدة في المنطقة التي يعتبرها حزب العمال الكردستاني ضمن أراضيه. وهناك قنوات عادية للاتصال بين حزب العمال الكردستاني وطهران. لكن حكومة إقليم كردستان حاليا في بداية شهر عسل طويل مع الأتراك.

وتدخل رئيس حكومة إقليم كردستان «مسعود بارزاني» بسرعة لاحتواء الاشتباكات. ومع ذلك؛ فإن علامة التهديد التي ظهرت في هذه المعركة كانت البعد الإقليمي. وقد ثبت أن المصالح الإقليمية، باعتبارها عاملا على المدى الطويل، تتجاوز أي قضايا محلية أو جهود مصالحة يتم القيام به على أساس محلي. بعد أسبوع واحد، لا تزال الاشتباكات بين المجموعتين، وخاصة حول المنطقة المتنازع عليها «كيله ‌شين» مستمرة.

ولا يمكن تفسير الحرب بين الأكراد فقط على أساس المصالح الإقليمية المتصارعة، ولكنها دائما حالة من النزاعات المحلية التي غالبا ما تجذب مزيدا من التدخل الإقليمي على الفور. وسوف يقاس نجاح المنطقة الكردية بمدى حكمتها في العبور بكردستان من تلك العاصفة الحالية، وكيف سيكون صد هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية».

التصعيد الواضح بين المجموعتين الكرديتين هو نذير شؤم. ولن يستفيد منه سوى «الدولة الإسلامية». ولكن من الواضح أن هناك سؤال واحد ملح يدور بخلد المخططين الاستراتيجيين في طهران وأنقرة: من الذي سيحصل على ماذا في العراق؟

وبالنسبة لتركيا، فإنها ترعى مجموعة طفت حديثا على السطح حول الموصل تحمل اسم «قوة الحشد الوطني» (NMF) بالتوازي مع القوى الشيعية الموالية لإيران في الجنوب والتي تسمى «الحشد الشعبي» (PMF).

وكانت أول علامة على وجود «قوة الحشد الوطني» في مارس/أذار الماضي عندما أشار محافظ نينوى، أثيل النجيفي، أن المسؤولين الأتراك وعدوا بتدريب وتجهيز قوة سنية لقتال «الدولة الإسلامية» في الموصل. وفي 24 إبريل / نيسان، حسبما ذكرت وسائل الإعلام التركية، بدأ ضباط أتراك بالفعل تدريب عدد غير محدد من العراقيين لقتال «الدولة الإسلامية». وفي 26 مايو/أيار ادعى المتحدث باسم قوة الحشد الوطني الشعبي، ويدعى «محمود سورجي»، أن منظمته كانت بالفعل نشطة داخل الموصل. وقال «لقد انتهينا بنجاح من خمس جولات من التدريب على أيدي ضباط أتراك، ونحن نتوقع إمدادات إضافية من الأسلحة والمعدات في الوقت الراهن. إخواننا الأتراك يقومون بتوسيع معسكرات التدريب ويرفعون من معدل مساعداتهم».

وقد قوبلت هذه التطورات على أرض الواقع بمزيج من المفاجأة والشك. وحافظت تركيا دائما على قناة مفتوحة مع «الدولة الإسلامية». ومن المثير للدهشة أن الأتراك كانوا يدربون المقاتلين الذين يواجهون المنظمة ذاتها التي سمحوا لها بالتوسع في المقام الأول.

ولكن هناك دلائل على أن تركيا تقوم حاليا بمراجعة استراتيجيتها في كل من سوريا والعراق. وفي هذا الصدد؛ من الملاحظ أن المشاورات التركية والسعودية والأمريكية آخذة في الازدياد. ومع ذلك فإن هذه المشاورات لن يكون لها تأثير كبير على الأهداف النهائية لكل من أنقرة والرياض. والسبب واضح للجميع؛ وهو ببساطة أنه لا توجد استراتيجية أمريكية برهنت عليها القدرة العملية لتشكيل الأشياء على أرض الواقع. وفي أي معادلة من هذا النوع، يؤدي غياب طرف واحد إلى توسيع دور الأطراف الأخرى، والفراغ يستحث أولئك الذين يمكن تعبئتهم. وهم يملئون ذلك وفقا لآرائهم ومصالحهم طالما أن المكافأة دسمة (أحد الأمثلة شمال العراق على سبيل المثال لا الحصر).

وفيما يتعلق بخطة إيران الشاملة للعراق، فإن الواقع يحد في نهاية المطاف من الآمال والطموحات. وفي نهاية المطاف، سيكون من المستحيل بالنسبة للإيرانيين السيطرة على وسط العراق أو كردستان. هذا هدف طموح يتحدى المنطق الديموغرافي وتطلعات كلا من الاكراد والسنة. وعلاوة على ذلك، لا يتم عمل ذلك لا من قبل القوات الموالية لإيران في بغداد ولا من قبل سياسات الحرس الثوري الإيراني.

على سبيل المثال، الميليشيات الشيعية العراقية لا تزال، بعنادها وغبائها، تصر على تحقيق المعادلة الصعبة التي تقول «كل شيء أو لا شيء». وبعبارة أخرى؛ تتلخص المأساة الكاملة للعراق في رفض بغداد منح الأكراد والسنة وضعا شبه مستقل في الحكومة الاتحادية لعراق موحد. وبدلا من ذلك، إنهم لا يريدون أي تصالح مع الواقع. كما أنه لم يعد من الممكن إخضاع المنطقتين إلى حكومة مركزية تضم كافة القوى بقيادة القوى الشيعية الموالية لإيران أو من قبل أي شخص آخر.

وقبل أيام قليلة فقط، وتحديدًا في 26 مايو/أيار شهد لقاء بين قادة جميع الكتل السياسية في البرلمان العراقي ورئيس البرلمان «سليم الجبوري» رفضا بالإجماع من قبل المنظمات الشيعية لإعطاء الحكومات المحلية أي سلطة على الحرس الوطني المقترح. وبدلا من ذلك؛ أصروا على نشر وحدات من الحرس تحت قيادة واحدة من قادة القوات المسلحة في بغداد. وبالنسبة للسنة فلا يعبئون بالأمر؛ وذلك راجع، في الأساس، إلى اعتقادهم أنه إذا سارت الأمور وفقا لرغبات الكتلة الشيعية، فإن الحرس الوطني لن يكون سوى امتداد لتجميل وجه القوات المسلحة القبيح.

وقبل ذلك؛ فإن المليشيات الشيعية تدعي الآن أنها جزء من الجيش العراقي، وتسمي حملتها في الأنبار «لبيك يا حسين»، وهو مصطلح طائفي صريح. مصطلح يعني أن الشيعة قادمون. وقتل «الحسين بن علي أبي طالب في 860» في معركة كربلاء. هذه الكلمات رمز ديني للشيعة. وغيرت وزارة الدفاع العراقية في وقت لاحق الاسم الرمزي ليصبح «لبيك يا عراق»، مستبدلة اسم العراق بالحين. وهذا يدل على سذاجة مستوى الجماعات الشيعية لفهم الأزمة في بلادهم. وكأن تغيير الاسم الرمزي من شأنه أن يغير طبيعة القوة أو حتى يقنع أحدا بأن شيئا ما قد تغير بالفعل.

المناطق المتنازع عليها في عملية تقسيم العراق ليست فقط المركز والشمال. من الجدير بالذكر أن تتم مراقبة البصرة الغنية بالنفط عن كثب، والتي تؤوي الآن طموحا قويا لتصبح نوعا من المدينة الدولة القائمة بنفسها. وفي هذه الحالة، يمكن القول إن الأطراف الإقليمية ليسوا وحدهم في الحلبة، صراحة أو ضمنا.

يجري حاليا تقسيم العراق في عملية تاريخية مؤلمة.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد