عند الحديث عن الفتوحات الإسلامية في أوروبا، دائمًا ما تتجه الأنظار إلى الفتوحات الأموية في الأندلس، ثم الفتوحات العثمانية في شرق أوروبا. لكن ما لا يعرفه البعض هو وجود فتوحات إسلامية مهمة ارتبطت بجنوب أوروبا، وخصوصًا جزر البحر المتوسط وإيطاليا.

أحد أهم الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وتحديدًا في وسطها، كانت فتوحات دولة الأغالبة، التي حكمت شمال أفريقيا مع جنوب إيطاليا، وصقلية، وسردينيا، وكورسيكا، ومالطة. هذه الدولة كانت لها اليد الطولى في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط في القرن التاسع الميلادي بسبب قوة أسطولهم البحري. ووصل تغول هذه الدولة إلى حد وصولها إلى ضواحي مدينة روما وتهديد سلطة بابا الفاتيكان.

من هم الأغالبة؟

قبل الحديث عن وصول المسلمين إلى روما، نتطرق سريعًا إلى دولة الأغالبة. الأغالبة هم سلالة عربية من بني تميم، اتخذوا من مدينة القيروان (في تونس حاليًا) عاصمة لهم، واستمر حكمهم من عام 800 إلى عام 909 ميلادية. مؤسس هذه الدولة هو إبراهيم بن الأغلب الذي أوكل له الخليفة العباسي هارون الرشيد الولاية على إمارة أفريقيا، والتي تشمل تونس وما حولها، بعد أن شاعت الفتن والاضطرابات في الأقاليم الغربية من العالم الإسلامي في ذلك الوقت، لبعدها عن مركز الدولة العباسية في مدينة بغداد.

ولاية الأغلب بدأت عام 800 ميلادية، ومنحه الخليفة شبه استقلالية في اتخاذ القرار، مع إمكانية أن يورِث حكم الولاية إلى أبنائه، في مقابل اعترافه بسلطان الدولة العباسية، والدعاء للرشيد على المنابر، ودفع 40 ألف دينار ذهبي للخزانة العامة ببغداد. هذا الأمر تسبب عمليًا في إقامة دولة مستقلة في شمال أفريقيا، لمدة قرن تقريبًا حتى سقطت على يد الفاطميين العبيديين.

اشتهرت دول الأغالبة باهتمامها بالقتال البحري، فأنشأت أسطولًا قويًا تمكنوا بفضله من فتح جزيرة صقلية سنة 827 ميلادية. وبعد صقلية، انطلق الأغالبة نحو إيطاليا، فهاجمت قواتهم مدينة برنديزي عام 836، ثم استولوا على نابولي في السنة التالية لها، واستولوا على كابوا سنة 841.

غزو روما.. دون فتح

نأتي هنا إلى الجزء الأبرز. بعدما توسع الأغالبة في السيطرة على الأقاليم الجنوبية لإيطاليا، وصلت قواتهم إلى مشارف روما، فقد غزا الأغالبة روما سنة 846 ميلادية في عملية عسكرية دون أن يفتحوها؛ إذ لم تكن لهذه الغزوة أية أهداف توسعية، وإنما هدفت لإضعاف النفوذ العسكري البابوي، وجني الغنائم، وإظهار النفوذ العسكري المتزايد للأغالبة في إيطاليا.

هذه الغزوة جرت تحت حكم الأمير أبي العباس محمد بن أبي عقال الأغلب، رابع أمراء الأغالبة، واكتفت القوات في غزوتهم هذه باستخدام الأسلحة الخفيفة، دون ورود أي ذكر لقيامهم بأي حصار، أو أي استعمال لأسلحة ثقيلة كالمجانيق وغيرها. بدأ الأغالبة بالنزول على ساحل أوستيا الإيطالية، ليهزموا القوات التابعة للبابا هناك. بعد ذلك ركبت القوات نهر التيبر (ثاني أطول نهر في إيطاليا، والذي يمر بمدينة روما قبل أن يصب في البحر المتوسط في منطقة أوستيا).

إثر وصولهم روما، لم يقم المسلمون بمحاصرتها أو بمحاولة فتحها، إذ كان تسليحهم خفيفًا، ولكنهم هاجموا الأحياء المحيطة، من بينها حي الفاتيكان، والتي كانت تقع خارج جدار المدينة نفسها. وعاد المسلمون بالغنائم من كنائس القديسين بطرس، وبولس، ومن الفاتيكان نفسه، ومن الأحياء المحيطة لكنهم لم يدخلوا المدينة نفسها، ويقال إن من بين ما غنمه المسلمون كان تابوت من الفضة من كنيسة مار بطرس. يذكر أنه في نفس العام غزا المسلمون مدينة جنوى، وفتحوها.

عودة الأغالبة إلى روما

نتيجة لتوسع دولة الأغالبة في إيطاليا، عانى بابا الفاتيكان كثيرًا من أجل محاولة الحفاظ على الأملاك التابعة له خصوصًا مع ازدياد ضغط المسلمين على الشاطئ الغربي لإيطاليا والغارات الإسلامية التي وقعت بين عامي 868-872 على مدينتي جايتا وسالرنو.

توج هذا الضغط الكبير للمسلمين بإنزال الأغالبة جيشًا قويًا في روما التي حاصروها بقوة هذه المرة، حتى كادت أن تسقط. حاول بابا الفاتيكان يوحنا الثامن إنقاذ المدينة من السقوط، فأرسل إلى ملك الفرنجة، وإلى الإمبراطورية البيزنطية، وإلى مدن إيطالية مختلفة، يلتمس لنفسه ولأملاكه الحماية وإرسال العون، لكنه لم يظفر بأي نجاح، ونتيجة لتخلي كل هؤلاء عنه، اضطر بابا روما إلى دفع جزية للمسلمين، قدرها 25 ألف مكيال من الفضة، ولأن التشريع الإسلامي يقبل بالجزية، فقد قبل بها الأغالبة وانصرفوا عن المدينة.

نفوذ الأغالبة في إيطاليا

عند الحديث عن دولة الأغالبة التي هيمنت لقرابة قرن على تونس وجوارها، فإننا لا نستطيع أن نهمل ذكر الأمير زيادة الله الأول الأغلبي، الذي وصلت الدولة في فترة حكمه إلى أحد أبرز عصور عنفوان قوتها العسكرية والسياسية، وكذلك امتدادها الجغرافي، كما شهد عصره واحدًا من أشهر الفتوحات الإسلامية في التاريخ، وهو فتح جزيرة صقلية الإيطالية.

تاريخ

منذ شهرين
من جنوب إيطاليا إلى مايوركا.. قصة الإسلام في جزر البحر المتوسط

وظهرت شخصية زيادة الله في المسلسل الشهير (فايكنج) ضمن ثلاث حلقات من الموسم الخامس، والذي قام بدروه الممثل المصري خالد أبو النجا. وتولى زيادة الله إمارة إفريقيَّة عام 817 ميلادية في فترة خلافة المأمون، الذي ثبته في موقعه، وطلب منه أن يمنح الولاء الاسمي إلى عبد الله بن طاهر الوالي العباسي لمصر، فوافقَ زيادة الله على ذلك على مضض.

وكان الحدث الأبرز الذي ارتبط باسم وعصرِ زيادة الله الأغلبي، هو فتح جزيرة صقلية، أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط. وبالرغم من أن الفتح الإسلامي لتلك الجزيرة الكبرى في البحر المتوسط قد استمر عقودًا، إلا أن الجانب الأهم منه قد وقع في عصر زيادة الله الأول الأغلبي.

وقد حاول المسلمون غزو صقلية منذ عهدي عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان دون تحقيق فتح كامل للجزيرة. لذلك لم يكن أمرًا جديدًا أن يحاول أمير الأغالبة غزو تلك الجزيرة الخاضعة آنذاك لحكم الروم البيزنطيين، العدو التقليدي للدولة الإسلامية منذ بدء انطلاق الجيوش الإسلامية في فتوحاتها.

كانت صقلية غنية بالموارد المختلفة؛ مما سيساهم في دعم خزينة دولة الأغالبة التي أرهقتها الحروب الكثيرة، كما أن موقعها حيوي على مقربة شديدة من السواحل التونسية، مما يسهّل السيطرة عليها والاستفادة منها. ومن بين الأسباب الأخرى التي دفعت زيادة الله لغزو الجزيرة هو محاولة إشغال طاقة الجند بالغزو الخارجي بدلًا عن انصرافِهم إلى الفتن والاضطرابات والمطامع الداخلية.

تأثير الأغالبة في إيطاليا

تمكن الفن والعلوم العربية والإسلامية من التأثير بشكل كبير في مناطق متعددة من إيطاليا وخصوصًا جزيرة صقلية حتى بعد الاسترداد المسيحي لها، ويذكر أن فريدريك الثاني، الإمبراطور الروماني المقدس، وملك صقلية في أوائل القرن الثالث عشر، كان قادرًا على التحدث باللغة العربية، وكان لديه العديد من الموظفين المسلمين، ولا يزال من الممكن مشاهدة النقش القرآني في كاتدرائية باليرمو، والعمارة العربية النورمانية التي تنتشر في المناظر الطبيعية.

ويمكن العثور على تراث اللغة العربية حتى اليوم في العديد من المصطلحات التي لا تزال تستخدم في اللغة الصقلية حاليًا. وهناك إرث آخر للحكم الإسلامي هو بقاء بعض الأسماء الجغرافية الصقلية من أصل عربي، على سبيل المثال منطقة «كالاتا» هي من كلمة «القلعة» باللغة العربية، وتستخدم للتدليل على القرض كلمة «Sulfa»، التي تعني بالعربية: سُلفة: أي قرض، وإذا تعمقت أكثر فستجد كلمة «Fidenum» التي تعني بالعربية: فدان، كما يطلقون على حوض المياه كلمة «Fiskia» التي هي بالعربية: «فسقية»: أي حوض المياه.

وفي القرن التاسع الميلادي كتب لنا الرحالة المسلم ابن حوقل عن زيارته لصقلية، ووصف لنا الأحوال الاجتماعية والسياسية والعمرانية فيها. وكان أكثر ما جذب انتباهه هو مدينة باليرمو، عاصمة صقلية، وكثرة المساجد فيها بشكل كبير؛ إذ كان عدد المساجد في هذه العاصمة يزيد على 300 مسجد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد