هل تخيلت يومًا ما أن يكون شعورك أثناء تواجدك في منزلك مماثلًا لشعورك داخل السجن؟ ربما يكون ذلك مستبعدًا عن ذهنك، ولكن هناك أشخاص يعيشون هذه المشاعر باستمرار، ولا تفارقهم، ويتحول منزلهم إلى مكان يقيدهم مرضهم النفسي بداخله، وبمجرد مفارقته يسيطر عليهم الشعور بالقلق والخوف الشديد، ويُعرف هذا المرض النفسي علميًا باسم «رهاب الساح»، أو «رهاب المناطق المكشوفة».

وتتمثَّل معاناة المرضى بـ«رهاب الساح» في حاجتهم إلى شخصٍ يرافقهم في تحركاتهم اليومية؛ لخوفهم من التواجد بمفردهم في الأسواق، ووسائل المواصلات، وبالإضافة لذلك فهم يتجنبون الاحتكاك مع الآخرين قدر الإمكان، ويسيطر عليهم طوال الوقت الخوف من مباغتة نوبة الهلع في مكان يصعب عليهم الفرار منه، وطلب العون.

الأسباب نفسية وأيضًا بيولوجية

يصاب الشخص في أغلب الأحيان بـ«رهاب الساح»، باعتبارها واحدة من مضاعفات «اضطرابات الهلع»، والتي تتمثل أعراضها في البداية في حدوث نوبات ذعر، يسيطر فيها الخوف الشديد على المريض، ومن هنا ينشأ ربط بين نوبات الهلع، والأماكن التي حدثت فيها، وبالتالي يتجنب المريض الذهاب لهذه الأماكن قدر الإمكان.

ولا يمنع هذا وجود بعض المرضى بـ«رهاب الساح»، الذين ليس لديهم تاريخ مرضي مع «اضطرابات الهلع»، وفي هذه الحالة قد يكون مرضهم له صلة بتعرضهم لمواقف نفسية صعبة، مثل حوادث السرقة، أو تواجدهم في الخارج لحظة وقوع تفجير إرهابي بالقرب منهم، ومن وجهة نظر الخبراء النفسيين فهناك مجموعة من العوامل الأخرى التي تقف وراء الإصابة بهذا النوع من الرهاب، وتنقسم إلى:

العوامل البيولوجية، وتشتمل على عدة نظريات:

1- الهروب اللاإرادي

يمكن تفسير هذه النظرية بأن القلق والخوف يتسبب في إفراز الجسم لمجموعة من الهرمونات أهمها الأدرينالين، وزيادة معدل التنفس، وضربات القلب، وبشكل تلقائي يضع الجسم نفسه في موقف مواجهة الخطر، ولذلك يتصرف المريض بشكل خارج عن إرادته، ويغادر المكان الذي يتواجد به؛ لوقف هذه الحالة السيئة التي يمر بها.

2- خلل في الناقلات العصبية

من النظريات التي تفسر الإصابة بـ«رهاب الساح»، أن يكون هناك خلل في مستويات النواقل العصبية في الدماغ، مما يؤثر على المزاج والسلوك، وبالتالي تحدث استجابة عالية للتوتر المتصاعد، مما يصيب المريض بحالة شديدة من الذعر.

3- شبكة الخوف

سميت هذه النظرية بذلك الاسم، لأن أدمغة الناس الذين يعانون من «رهاب الساح» تكون شبكة الأسلاك فيها مختلفة عن الآخرين، وينتج عن ذلك وجود خلل في أجزاء المخ المسئولة عن توليد عاطفة الخوف، فتولد هذه الأجزاء مشاعر خوف قوية تؤدي إلى حدوث نوبة الهلع.

4- الوعي المكاني

توصل علماء النفس إلى وجود صلة بين «رهاب الساح» و«الإدراك المكاني»، ويقصد به قدرة الشخص على الحكم على مكان وجوده، ووعيه بالأشياء، والأشخاص الموجودين في محيطه، وفي حالة حدوث خلل في هذا الوعي، يشعر الشخص بالإرهاق أثناء تواجده في الأماكن المزدحمة، ويضل الطريق، مما يثير ذعره.

وإلى جانب العوامل البيولوجية السابقة، هناك عوامل نفسية تقف أيضًا وراء الإصابة بـ«رهاب الساح» مثل:

1- المرور بتجربة قاسية في الطفولة، مثل التعرض للاعتداء الجنسي، أو وفاة أحد الوالدين.

2- المعاناة من ضغوط نفسية مفاجئة مثل الطلاق، أو فقدان الوظيفة.

3- وجود تاريخ سابق للإصابة بأمراض نفسية مثل الاكتئاب، أو فقدان الشهية العصبي، أو الشره المرضي.

4 أعراض تؤكد الإصابة بـ«رهاب الساح»

نظرًا لأن مصابي «رهاب الساح» يخافون الخروج من المنزل معظم الوقت، فتتكون لديهم مشكلة في الذهاب إلى الطبيب النفسي، واستشارته، والمتابعة معه، وهنا يكون الحل البديل الاستشارة الهاتفية، والتي يوجه فيها الطبيب إلى المريض عدة أسئلة مثل:

1- هل تجد أنك تبذل جهدًا لمغادرة المنزل؟

2- هل هناك أماكن أو مواقف معينة تحرص على تجنبها دائمًا؟

3- هل تلجأ للآخرين لكي يرافقوك خارج المنزل، ولو لأبسط الأمور مثل الذهاب للتسوق؟

ومن خلال الإجابة على الأسئلة السابقة يُشخص الطبيب الحالة بدقة، وفي بعض الحالات يطلب إجراء بعض الفحوصات البدنية، مثل تحليل الغدة الدرقية؛ وذلك لأنه ينتج أحيانًا عن فرط نشاط الغدة الدرقية، حدوث أعراض مشابهة لأعراض نوبة الهلع، ولكن في النهاية توجد 4 أعراض يمكن من خلالها تأكيد أن المريض يعاني من «رهاب الساح»، وهي:

1- سيطرة القلق والخوف الشديد على المريض في أماكن، أو مواقف معينة بشكل متكرر، وشعوره بأن هناك صعوبة قصوى للخروج من هذا المكان، أو الموقف، وأنه لا توجد مساعدة يمكن له الحصول عليها للخروج من الأزمة التي يواجهها، مما يجعل الشخص يصاب بنوبة هلع واضحة.

2- يتجنب المريض الأماكن، والمواقف التي يشعر بأنها قد تسبب له نوبة هلع، أو قلق شديد، فعلى سبيل المثال يبتعد عن الانتقال بالمواصلات العامة، ويصل الأمر لامتناع بعض المرضى عن الخروج من المنزل بشكل تام.

3- لا يستطيع المريض بـ«رهاب الساح» أن يتحمل مفارقة المقيمين معه في المنزل، والبقاء لوحده بضعة أيام، وإذا ما حدث ذلك لظرف طارئ فإنه يصيبه القلق الشديد، وتظهر عليه أعراض نوبات الذعر التي كانت تصيبه خارج المنزل، والمتمثلة في سرعة ضربات القلب، والتعرق المفرط، والارتجاف، والغثيان، التقيؤ، بالإضافة لضيق الحلق، والتنفس.

4- تؤثر نوبات الذعر على ثقة المريض بنفسه، فيشعر دائمًا بأنه يظهر بشكل مثير للإحراج أمام الآخرين، ويخشى دائمًا من عدم قدرته على الهروب من الأماكن، والمواقف التي تسيطر النوبات عليه فيها.

العلاج تدريجي.. والأدوية النفسية الاختيار الأخير

يمكن لمعظم المصابين بـ«رهاب الساح» أن يشفوا من مرضهم باتباع خطوات تدريجية للعلاج، تبدأ من تثقيف أنفسهم عن المرض، وفهم ما يصيبهم، وتغيير نمط الحياة المؤدي لتكرار نوبات الهلع لديهم، بالحرص على ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، وتناول الطعام الصحي، وتجنب الكحول، والمخدرات، والمشروبات التي تحتوي على الكافيين، مثل الشاي، والقهوة.

ومن الأمور الهامة المساعدة في رحلة الشفاء تطبيق تقنيات المساعدة الذاتية، مثل التنفس بعمقٍ وهدوء لتخفيف التوتر، والتركيز على أشياء ملفتة في البيئة المحيطة؛ لإلهاء النفس لحظة مواجهة الرهاب، وأيضًا سيكون مفيدًا إذا ما لجأ الشخص إلى التفكير بواقعية عند حصول النوبات، وذلك باسترجاع المواقف المماثلة التي كانت توقعاته فيها سوداوية، ومرت دون حدوث ما كان يتوقع، وتوجيه الأسئلة لنفسه عما يمكن أن يحدث في حالة وقوع أحد الاحتمالات السيئة التي يتخوف من حدوثها، وبالتمرين المستمر سيجد نفسه أقل خوفًا، وستظهر النتائج الإيجابية تدريجيًا.

وفي حالة عدم نجاح تقنيات المساعدة الذاتية في العلاج، يتحول المريض إلى جلسات العلاج النفسي، وتبدأ بالعلاج المعرفي السلوكي، والذي يهدف إلى كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها المريض، وإيجاد طرق جديدة للتفكير يمكن أن تساعده على التصرف بشكلٍ أكثر إيجابية، وتجعله أكثر استعدادًا لمواجهة المواقف التي كان يرهبها، وفي العادة يسير العلاج المعرفي السلوكي بالتوازي مع العلاج بالتعرض، عن طريق وضع مهام يقوم بها المريض بصورة تدريجية، وتتناسب مع تطور حالته، ويكون الغرض منها تغلبه في النهاية على التحديات التي تواجهه.

وتوجد بعض الحالات الشديدة لـ«رهاب الساح»، يكون العلاج الدوائي الوسيلة الأكثر تأثيرًا لعلاجها، بإعطاء المريض جرعات محددة من مضادات الاكتئاب، ومن أشهرها أدوية مجموعة «S.S.R.I»، والتي ثبت فعاليتها في علاج الاضطرابات النفسية المؤدية لـ«رهاب الساح»، مثل القلق، والأفكار المتسلطة، وبالطبع لا تعمل هذه الأدوية بشكل فوري، وإنما تستغرق من أسبوعين إلى أربعة أسابيع حتى يبدأ تأثيرها بالظهور.

المشاهير ليسوا في مأمن من «رهاب الساح»

لا يفرق المرض النفسي بين الإنسان المغمور، والمشهور، ولذلك يوجد العديد من المشاهير أصيبوا بـ«رهاب الساح»، وفي مقدمتهم المؤلفة الأمريكية «شيرلي جاكسون»، والتي انعكست تجربتها مع المرض النفسي في مؤلفاتها وأشهرهم قصة «اليانصيب»، والتي تتحدث فيها عن مظاهر الخوف من المجتمع، وعانت «جاكسون» من مجموعة من الأمراض النفسية المختلفة في حياتها، كان أحدها «رهاب الساح»، إذ قضت الأشهر الأخيرة من حياتها لا تستطيع مغادرة غرفة نومها، ونظرًا لأن وزنها زاد في هذه الفترة كثيرًا، بالإضافة لكونها مدخنة شرهة، كانت النتيجة وفاتها بنوبة قلبية عام 1965، عن عمر يناهز 48 عامًا.

لوحة الصرخة لـ «إدوارد مونش»

ومن المشاهير الذين أصيبوا بـ«رهاب الساح» أيضًا، الرسام النرويجي «إدوارد مونش»، وأشهر أعماله الفنية لوحة «الصرخة»، والتي تعكس معاناته من هذا النوع من الرهاب، ويشرح «مونش» لنا ذلك قائلًا: «كنت أمشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور مباغت بالحزن والكآبة، وفجأة تحولت السماء إلى لون أحمر بلون الدم، فتوقفت وأسندت ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب، وواصل الصديقان مشيهما، ووقفت هناك أرتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره، وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردد صداها طويلًا عبر الطبيعة المجاورة»، ووصلت معاناة «مونش» مع «رهاب الساح» إلى حد أنه كان يجد صعوبة في عبور الطريق، ويسير دائمًا ملتصقًا بجدران المباني في المدينة، وانتهت معاناته بوفاته عام 1944.

الممثلة الأمريكية «كيم بايسنجر»

ويوجد مشاهير آخرون يعانون من «رهاب الساح» وما زالوا يعيشون حتى اليوم، ومن أبرزهم الممثلة الأمريكية «كيم بايسنجر»، والتي عانت في سن مبكرة من نوبات هلع كانت تشل حركتها في الأماكن العامة، وتدهورت حالتها في سن العشرين، إذ كانت تتعرق بشكلٍ زائد، وترتجف عند ظهور النوبات، ولذلك اضطرت إلى عدم مغادرة المنزل لمدة ستة أشهر، وفي هذه الفترة كانت تقضي بعض أيامها لا تفعل شيئًا سوى البكاء طوال اليوم.

ومن أصغر النجوم الذين يعانون من «رهاب الساح» الممثل الأمريكي «ماكولي كولكن»، والبالغ من العمر 36 عامًا، والذي قام في طفولته ببطولة الفيلم الشهير «Home Alone»، ولكن بعد وصوله إلى سن المراهقة، أصبح يعيش في عزلة، ونادرًا ما كان يغادر المنزل، وفي عام 2004، اعترف «كولكن» بمعاناته من الخوف من الأماكن المكشوفة، وأكد أنه أشترى كلبًا خصيصًا؛ ليشجع نفسه على الخروج من المنزل بصحبته.

عرض التعليقات
تحميل المزيد