في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، أعلنت السعودية قبل أيام وقفًا لإطلاق النار لمدة أسبوعين، في وقتٍ قدّم فيه الحوثيون مقترحًا للسلام لإنهاء الحرب التي دخلت عامها السادس، دون أن تتحقق أهداف التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة المملكة في إعادة الشرعية اليمنية للحكومة، وإلحاق الهزيمة بجماعة الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء منذ سبتمبر (أيلول) عام 2014.

صحافيون يمنيون تحدثوا لـ«ساسة بوست» عن استبعاد أن تهدف الخطوات الأخيرة لإنهاء الحرب، معتبرين أنّ السعودية تسعى فقط إلى إيجاد مستوى من المفاوضات لدفع الأطراف اليمنية إلى القبول بها وسيطًا وراعيًا وشريكًا حاضرًا بصورة دائمة في مستقبل اليمن، وهو ما يفسر الخرق المتواصل للهدنة وصولًا لتحقيق أهداف سياسية واضحة. التقرير التالي يرسم لك نفوذ السعودية ما  بعد الحرب، ذاك النفوذ الذي تمتلكه حتى الآن السعودية عبر أوراق القوة الممثلة في الاتفاقات القانونية التي ستمنح السعودية إبقاء نفوذها طويلًا في اليمن.

اتفاقية إعمار اليمن.. من سيتحكم في الاقتصاد؟

منذ بدأت الحرب في اليمن، قُتل نحو ربع مليون شخص، وخسرت البلاد مكاسب 20 عامًا من التنمية، وحوصر 80% من السكان بين الجوع والمرض في أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفيما تستمر المعارك الدائرة يواجه الاقتصاد شبح الانهيار، بسبب انخفاض إيرادات البلاد من النقد الأجنبي، ونفاد الاحتياطي الأجنبي منذ عام 2016، بالإضافة إلى تهاوي سعر العملة المحلية؛ إذ يسجل الدولار حاليًا نحو 250 ريال يمني.

وبحسب اتهاماتٍ أممية، فالسعودية مسئولة عن تخريب البنية التحتية لليمن عبر قصف والمستشفيات، والمنازل، واستخدام الذخائر العنقودية المحرمة دوليًّا، وعرقلة المساعدات الإنسانية، وتأخير وتحويل ناقلات الوقود، ومنع البضائع من الدخول إلى الموانئ؛ والاتهام الأخطر جاء على لسان الحكومة الشرعية التي اتهمت الإمارات رسميًا بالتخطيط لانهيار العملة اليمنية في ظل صمت سعودي، وهو ما أعطى بُعدًا آخرًا لتدخل التحالف العربي في اليمن.

أحد أهم الاتفاقات التي توضح البُعد الاقتصادي للصراع، هي اتفاقية «إعمار اليمن» الموقعة في مايو (آيار) العام الماضي، والتي تُعطي السعودية صلاحيات كاملة في إدارة موارد الدولة اليمنية، بما في ذلك النفط، والغاز، والموانئ، والمنافذ البرية، وتستطيع المملكة بموجب الاتفاقية إدارة الملف الاقتصادي لليمن دون الرجوع للحكومة الشرعية.

اللافت أنّ الاتفاقية المكونة من 13 مادة لم تُشِر في مضمونها إلى إعادة إعمار ما دُمر في اليمن، وبحسب معارضين يمنيين، فالاتفاقية تتجاوز نصوصًا قانونية ودستورية، وجعلت من اليمن مجرد شريكًا قاصرًا منزوع السُلطة أمام الوصاية السعودية الجديدة في صورة احتلال اقتصادي تحت مُسمّى «إعمار اليمن». وتمنح المادة السادسة من الوثيقة المسؤولين السعوديين سلطة فرض المهام على الجانب اليمني الذي أصبح بموجب العقد موظفًا لدى السعودية التي حصلت حصريًا على حق الاستثمار دون دخول أية شركات أجنبية أخرى.

أمّا المادة العاشرة من الوثيقة فمنحت المسؤولين السعوديين كامل الحصانة من أية مخالفات يرتكبونها بصفتهم دبلوماسيين، وهو ما يخالف اتفاقية «فيينا» الدولية عام 1961، والتي حددت إجراءات وضوابط خاصة بالعمل الدبلوماسي بين الدول، والأهم في الاتفاقية أنها تعفي الشركات والموردين السعوديين والجھات المتعاقدة مع البرنامج من دفع الرسوم الجمركية أو الضرائب، كما أن السعودية لم تضع إطارًا زمنيًا لانتهاء الاتفاقية التي جاء فيها: «تصبح سارية المفعول لمدة غير محددة».

وعن تأثير الاتفاقية على النفوذ المستقبلي للسعودية، يقول الصحافي اليمني عبد اللطيف حيدر، والباحث في مركز الجزيرة للدراسات لـ«ساسة بوست»: «حضور السعودية في المشهد اليمني باقٍ ومستمر تحكمه السياسة والجغرافيا بدرجة أساسية، والمعركة في اليمن لم تكن عسكرية وحسب، وإنما تتعلق بالأطماع والنفوذ أيضًا، إذ طالما تعاملت السعودية مع اليمن باعتباره مشاريع سياسية، لا باعتباره دولة». جدير بالذكر أن المادة الأخيرة من الاتفاقية اشترطت سريانها من تاريخ التصديق عليھا دون الرجوع إلى البرلمان.

المبادرة الخليجية واتفاق الرياض.. وجود سياسي طويل لما بعد الحرب

تبدأ الأزمة الفعلية في اليمن عقب «المبادرة الخليجية» في أبريل (نيسان) عام 2011، والتي أطلقتها السعودية بعد شهرين من الثورة اليمنية، بهدف الوصول لـ«اتفاق سلام» يقضي بتنازل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح عن الحُكم وتسليم السُلطة، مقابل عدم مُحاسبته على الجرائم التي ارتكبها.

وبعد عامٍ من الثورة، وصل الرئيس عبد ربه منصور إلى السُلطة، لكنّه ظل مقيدًا بأنصار الرئيس المخلوع الذي عاد إلى المشهد، وتحالف مع الحوثيين ضد الرئيس هادي، ثم خاض معهم معركة السيطرة على العاصمة صنعاء في سبتمبر عام 2014، وحددت المبادرة الخليجية ملامح المشروع السياسي المتمثل في انتخاب رئيس للجمهورية، ثم تشكيل لجنة لكتابة دستور جديد، يعقبها وضع جدول زمني لانتخابات برلمانية يقوم الحزب الفائز بأكبر عدد من الأصوات بتشكيل الحكومة.

اللافت أنّ السعودية اشترطت أن تكون دول مجلس التعاون والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شهودًا على تنفيذ الاتفاق، وهو ما يمنح الرياض وجودًا سياسيًا طويلًا لما بعد الحرب باعتبارها العرّاب الأول المبادرة، والمبادرة الخليجية التي منحت الخروج المشرف لعلي عبد الله صالح، عبر ضماناتٍ سعودية للانتقال السياسي في اليمن لم تمنع الانقلاب الذي قاده صالح المدعوم بقوات الحرس الجمهوري السابق، والقوات الخاصة التي تدين له بالولاء، والتي ساعدت الحوثيين في السيطرة على صنعاء، ومحاصرة القصر الرئاسي، وإجبار الرئيس هادي المنتهية ولايته على تقديم استقالته؛ وهو ما أفضى في النهاية إلى حرب اليمن التي دخلت عامها السادس.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أجرت السعودية وساطة على أراضيها بين الحكومة الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي هيئة غير سياسية تشكلت عام 2017 – والتي أفرزت «اتفاق الرياض» الذي يقضي بتقاسم الجانبين السلطة وإعادة الحكومة لعدن، وإعادة تنظيم القوات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع.

والاتفافية منحت السعودية بصفتها سلطة الإشراف على تشكيل حكومة كفاءات سياسية بالمناصفة بين المحافظات الجنوبية والشمالية، بالإضافة لاعتبار المجلس الانتقالي شريكًا ممثلًا للجنوب في مفاوضات السلام، وأن تتولى النخب المدعومة إماراتيًّا الأمن في الجنوب، هو ما يعني وفق مُعارضين للاتفاق أن الانفصاليين سيضعون شروطهم في الحل النهائي، ومنها ضرورة فصل الشمال عن الجنوب، لذا يرى مراقبون يمنيون أن اتفاق الرياض يُكرّس لما هو أبعد من مجرد اتفاق سلام.

يقول الصحافي اليمني ياسين التميمي لـ«ساسة بوست»: «هدفت السعودية والإمارات من حرب الخمس السنوات إلى تخليق  قوى يمنية متصارعة يمكن أن يسمح بإدارة حرب أهلية طويلة تنتهي بإضعاف البلاد، وتمرير صيغة للخروج من الحرب أهم ملامحها تفكيك اليمن».

الرؤية التي يتبناها التميمي سبق أن تبنتها جهات سيادية داخل حكومة الرئيس هادي المنتهية ولايته، رافضة للاتفاق، ومنهم وزراء الدفاع والداخلية والنقل في حكومة هادي، كونه من وجهة نظرهم يجعل قرارات الحكومة من السعودية والإمارات، وقد تعرض الثلاثة بعدها لمحاولة اغتيال فاشلة في عمليات متفرقة.

على جانبٍ آخر، فالاتفاق الذي يمنح السعودية وجودًا طويلًا في اليمن لما بعد الحرب، يمنحُ الحوثيين أيضًا انتصارًا سياسيًّا جديدًا، كون أصدقائهم الانفصاليين في الجنوب أصبحوا رسميًّا شُركاء في السُلطة، والاتفاقية نفسها وُصفت من قبل المجلس الانتقالي بالانتصار العظيم.

اتفاقية جدّة الحدودية.. نفوذ السعودية على نفط اليمن

حين تأسست المملكة العربية السعودية في عشرينات القرن الماضي، دخلت في صراع حدودي مع ست دول عربية الإمارات، والكويت، وقطر، والأردن، والبحرين، واليمن، بالرغم أن مساحتها تفوق مليوني كيلومتر مربع، لكنّ الصراع اليُمني اتخذ بُعدًا أكبر من بين كل الدول المجاورة، فلم تكن الأطماع الاقتصادية وحدها هي المحرك الذي دفع المملكة للخصومة.

إذ كان توزيع السكان في اليمن يمثل مصدر إزعاج للحكومة السعودية، فالسُنة الذين يُشكلون أكثر من ثلاثة أرباع السُكان يتركزون في الجنوب، بينما الشيعة على اختلاف مذاهبهم الزيدية والاثنا عشرية، يتمركزون في محافظات الشمال الحدودية مع المملكة التي عمدت إلى انتزاع «عسير، وجيزان، ونجران» عام 1934.

يقول الصحافي اليمني عبد الكريم سُلطان لـ«ساسة بوست»: «بدت السعودية قوة كبرى لها مستقبل سياسي في الجزيرة العربية بعدما ساهمت في إضعاف الوجود العثماني، وإيجاد حليف بريطاني داعمٍ لها، لكن اليمن كان خارج تلك المُعادلة».

يُضيف الصُحافي اليمني: «كان اليمن المُنقسم آنذاك بالرغم من وقوعه تحت سطوة الاحتلال الإنجليزي يُمثل دومًا مصدر تهديد بسبب موقعه الجيوسياسي، إضافة إلى أنه أنهك أقوى سُلطان عثماني – سليم الأول – ثم اصطدم بعدها بالعقيدة الوهابية التي تأسست عليها المملكة، والتي تهدف إلى إقامة دولة سُنية في شبه الجزيرة العربية».

لكنّ استحواذ السعودية على الحدّ الجنوبي لم يخل من مناواشاتٍ يمنية طالبتها بإعادة المدن الثلاث قبل أن تعقد الرياض صفقة مع الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح تم بموجبها توقيع اتفاقية «جدة» عام 2000، والتي منحت السعودية السيطرة الرسمية القانونية على عسير، وجيزان، ونجران.

والاتفاقية الموقعة بين البلدين لم تكن لها توابع حدودية فقط، فالسعودية اشترطت ألا يتم التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما في منطقة تبعد 40 كيلومترًا عن الحدود، إلا بموافقة كلا الجانبين: اليمني والسعودي، إضافةً إلى تبادل المعلومات المتعلقة بالثروات النفطية في المناطق الحدودية.

والسعودية بتلك الاتفاقية منعت اليمن من استغلال النفط الموجود في المساحة المُقدرة بـ40 كليو مترًا، بالرغم من علم الحكومة المسبق بوجود بحيرة نفطية في تلك المنطقة. وتمنع السعودية منذ الثمانينات الحكومة اليمنية من استخراج النفط في المحافظات الحدودية المحاذية لها بدعوى تهديد احتياطات النفط السعودية المقابلة، وفي عام 1984 أعلنت شركة «هنت أويل» الأمريكية اكتشافًا نفطيًا ضخمًا في محافظتي الجوف ومأرب، وهو ما اعترضت عليه الرياض لتتوقف عمليات التنقيب لأسبابٍ غير معروفة، لكنّ وزير المحلية اليمني الأسبق كشف عام 2013 بأنّ المملكة هي التي تقف وراء منع التنقيب عن نفط اليمن.

عربي

منذ 6 شهور
نفط اليمن.. ما لا يحكى عادةً عن أسباب استمرار حرب السعودية هناك

هل توقع السعودية اتفاقًا وشيكًا مع الحوثيين؟

منذ اندلعت الثورة اليمنية في فبراير (شباط) عام 2011، وكل الأحداث السياسية تصبُ في مصلحة الحوثيين، بداية من ظهورهم في الساحة من جديد بعد سنوات من قمعهم عقب إطاحة صالح من السُلطة، وانتهاء بـ«اتفاق جدة» الأخير الذي توصلت له السعودية في الرياض، فالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أصبح رسميًّا في الحكومة الشرعية صرح سابقًا على لسان المتحدث الرسمي له بأنّ توجّهات المجلس تقضي بتشكيل حكومتين. واحدة في الشمال لجماعة الحوثي، وأخرى في الجنوب لهم؛ ما يعني «سياسيًّا» السلام مع الحوثيين، و«عسكريًّا» الدفع بالقوة نحو سيناريو تقسيم اليمن، عقب توقيع اتفاق جدة الأخير.

على الجانب الآخر، فلا يبدو من التصريحات الرسمية أنّ السعودية بعد خمس سنواتٍ من الحرب ترغبُ في مواجهةٍ جديدة مع الحوثيين، فولي العهد السعودي محمد بن سلمان سبق وأن أعلن للمرة الأولى خلال حوار مع برنامج «60 دقيقة» الذي بثته شبكة «سي بي إس» الإخبارية الأمريكية نهاية العام الماضي، برغبته في التوصل لاتفاق سلام مع الحوثين بهدف وقف إطلاق النار والوصول إلى حوار سياسي.

هذا بالإضافة إلى الهدنة الأخيرة التي أعلنها التحالف العربي، والتي لاقت ترحيبًا من الأمم المتحدة، وتجاوبًا من الحكومة اليمنية والحوثيين الذين قدّموا مبادرةً لإنهاء الحرب، وبدء مرحلة من التفاوض المشروط لكل طرف.

يقول الصحافي اليمني ياسين التميمي لـ«ساسة بوست»: «حتى الآن لا تبدو الضغوط الدولية قوية إلى الحد الذي يمكن أن يؤثر على التدخل العسكري للسعودية، وما أراه هو أن السعودية تسعى إلى إيجاد مستوى من المفاوضات تدفع بالأطراف اليمنية الى القبول بها وسيطًا مستقبليًا لما بعد الحرب، ومن المكبر الحديث عن انسحاب السعودية من اليمن طالما أنّها لم تصل إلى صفقة مع كامل الأطراف».

سياسة

منذ 10 شهور
5 أرقام لم يلتفت إليها أحد في حرب اليمن

المصادر

تحميل المزيد