الفراولة والتوت والعنب والطماطم وغيرها، كلها منتجات فلاحية تمثل فخر صادرات المغرب إلى الأسواق الدولية، وتتربح منها لوبيات الفلاحة ملايين الدراهم، لكن لم يكن ليحدث ذلك لولا سواعد النساء العاملات في الضيعات الفلاحية، اللاتي يتعرضن لأبشع صنوف الاستغلال في هذا القطاع.

لم يلتفت الرأي العام إلى هذه الفئة الشغيلة سوى مؤخرًا، والسبب في ذلك جائحة كورونا. فقد ظهرت خلال الأيام الأخيرة بؤرة للفيروس المستجد بإحدى مزارع الفراولة في منطقة «لالة ميمونة» بولاية القنيطرة، وسُجل فيها أكثر من 700 حالة حتى الآن، وهرعت السلطات على إثر ذلك إلى التكفل بالعاملات الحاملات للعدوى ونقلهن أفواجًا إلى المستشفى، وهن يزغردن!

كانت تلك الزغاريد كما يظهر في فيديو متداول، والتي استغربها وسخر منها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إشارة فرح صادرة من نساء ظللن يكابدن القهر والفقر والاستغلال لمدة طويلة دون أي حماية أو مساعدة، وعندما وجدن لأول مرة الاهتمام والرعاية من الدولة فرحن بها وأطلقن زغاريدهن، حتى وإن كانت المناسبة متعلقة بالمرض بفيروس كورونا الذي يجتاح العالم.

تحرش واستغلال وطريق إلى المزارع محفوف بالموت

في مزارع جني الفواكه، البؤرة الجديدة للوباء بالمغرب، يعمل ما يصل إلى 120 ألف شخص، معظمهم نساء قادمات من جميع أرياف وضواحي مدن المغرب، واللواتي انتهى بهن المطاف في هذا العمل الفلاحي، إما بسبب فقر أسرهن، وإما بسبب عدم وجود معيل لهن، فوقعن في براثن الاستغلال في يد أباطرة المزارع.

تبدأ رحلة هؤلاء النسوة إلى العمل الشاق منذ ساعات الفجر الأولى، فيتجمعن في مكان خاص يدعى «الموقف»، وهو المكان الذي يعرض فيه المياومون أنفسهم للعمل، هناك يأتي الوسيط المعروف باسم «الكابران»، الذي عينه صاحب المزرعة أو الشركة للسمسرة في جلب العمال تهربًا من المسؤولية، من أجل اختيار العاملات المناسبات. لا يتردد عادة الوسيط السمسار في ابتزاز النسوة جنسيًّا وماليًّا مقابل الإبقاء على اختيارهن في قائمة العاملات بالمزرعة، العديد منهن لا يجدن حلًّا سوى الانصياع لرغبات هؤلاء الوسطاء، حفاظًا على موردهن الوحيد لإعالة أنفسهن وأطفالهن.

بعد انتقاء العاملات المرغوبات، يُكدسهن في شاحنة مهترئة، من أجل نقلهن إلى المزرعة أو الوحدة الصناعية الفلاحية للعمل، لكن كثيرًا ما تنتهي رحلتهن في المستشفى أو القبر؛ بسبب افتقاد شروط النقل الآمن. وما يزال الرأي العام المغربي يتذكر حادثة سير مولاي بوسلهام التي وقعت العام الماضي، وراح ضحيتها 14 عاملة زراعية، وإصابة 40 عاملة بكسور وجروح متفاوتة الخطورة.

عند وصول العاملات إلى الضيعة أو المصنع الفلاحي ينطلقن مباشرة إلى العمل الشاق في قطف الثمار وحملها وتجميعها طوال اليوم، من شروق الشمس إلى غروبها، في ظروف شديدة القسوة، حيث لا معدات وقائية من المبيدات الفلاحية ولا راحة، ووسط تحرش الرجال المشرفين عليهن. قبل أن يركبن مرة أخرى شاحنات الموت عائدات إلى الديار.

ازداد هذا الوضع سوءًا في ظل الجائحة، إذ يهددهن المرض من جهة، وفقدان عملهن الوحيد من جهة أخرى. «إنه عمل مرعب، كل يوم نقول بعضنا لبعض في اليوم التالي سنمرض. أنا امرأة مطلقة ولدي أطفال، أعمل بـ68 درهمًا في اليوم (7 دولارات)، وضعنا ضعيف للغاية ووباء كورونا زاد الأمر سوءًا» تقول فاطمة، إحدى العاملات الفلاحيات بالمغرب.

عاملات الفلاحة المغاربة.. نسوة تُكافِح وأباطرة يتربحون من ذلك

يبلغ متوسط راتب العاملات الفلاحيات في المغرب حوالي سبعة دولارات في اليوم، متضمنًا تكاليف النقل والطعام. بينما تتقاضى العاملات الفلاحيات اللواتي تستقدمهن إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لديها، حوالي 42 دولارًا في اليوم ومقابل ساعات عمل تبلغ ستة ساعات فقط. مما حذا بالعديد من الشركات الزراعية الأجنبية إلى إنشاء ضيعات خاصة بها في المغرب، لتوفر العمالة الفقيرة القابلة للاستغلال، وذلك في ظل القوانين المغربية الهشة بخصوص حقوق العمال وسلامتهم. ولعل أبرز مثال الشركتين الإسبانيتين، اللتان عرفتا تفشيًا لفيروس كورونا بين عمالها بمنطقة «لالة ميمونة».

«إنه مثالٍ صريحٍ عن مدى جشع واستهتار المستثمرين وكبار الفلاحين المهتمين بضمان استمرار ماكينة إنتاجهم وأرباحهم، مقابل التضحية بأرواح العاملات»، *تعليق جمعية «أطاك» المغربية.

معاناة العاملات الفلاحية بالمغرب

مع كل الظروف المؤسفة لهؤلاء العاملات الفلاحيات، من استغلال، وتحرش جنسي، وظروف سلامة منعدمة، علاوة على فُتات الأجور التي يتاقضونها؛ تبقى الحقيقة أن هذا العمل ضروري وحيوي لهؤلاء النساء الشغِّيلات في الحقول، فهو مصدر رزقهن الوحيد لإعالة أسرهن، في ظل الفقر المدقع والبطالة المستشرية بالمغرب، بخاصة في العالم القروي.

ثم جاء فيروس كورونا، ليسلط الضوء على هذه الفئة الاجتماعية المنسية وغير المرئية والمهمشة منذ فترة طويلة، برغم أنهن جزء من سلسلة التوريد وإمداد الغذاء وطنيًّا وعالميًّا، والتي ساعدت بعملها على استمرار الحجر المنزلي.

في هذا الصدد، تقول باحثة علم الاجتماع زهور بوزيدي، «في أوقات الأزمات يصبح الهامش مركزيًّا، وظروف عمل شغيلات الحقول مؤسفة للغاية، والكل يعرف ذلك، وقد حان وقت التغيير»، مُردفةً «ربما يدعونا الفيروس التاجي إلى إعادة تصنيف أولوياتنا وتسليط الضوء على العاملين والعاملات الأكثر أهمية لوجودنا، والأكثر فقرًا بيننا».

فهل تُصبح جائحة فيروس كورونا مناسبة لإعادة ترتيب الأوليات وإنشاء نظام مجتمعي أكثر عدالة، بعد أن عرَّت الجائحة جانبًا ربما لا نعلمه عن جشع واستغلال جنسي لدى بعض الشركات والمصانع والضيعات في المغرب، التي ما فتئت تستغل الإنسان والطبيعة على حدٍ سواء؟

أبحاث ودراسات

منذ 4 شهور
«الإندبندنت»: كم سيبلُغ عدد الفقراء في العالم بسبب كورونا؟

المصادر

تحميل المزيد