875

تحوَّل تركي آل الشيخ – خلال الفترة الماضية – مستشار ولي العهد السعودي، والرئيس الشرفي السابق للنادي الأهلى المصري، إلى الرجل الأول في سباق الأخبار، والنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، وذلك على خلفية البيان الذى أصدره، وذكر فيه حجم الأموال الممنوحة من جانبه لمجلس إدارة النادى، والتى قُدرت بنحو ربع مليار جنيه؛ فى إشارة صريحة منه لدوره الكبير فى دعم محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي فى الانتخابات، ولاحقًا إثر توليه رئاسة النادي؛ دون تقدير من إدارة النادي لهذا الدور، وفقاً لما جاء في البيان.

وقد دافع آل الشيخ عن نفسه قائلًا: «أنا لست شوال رز» فى إشارة مباشرة لمجلس إدارة النادي الأهلي الذي تعامل معه كآلة صرف للأموال فقط، وفقاً لما ذكره. استدعى بيان تركي آل الشيخ التذكير بتاريخ قطبي الكرة المصرية في الحصول على المنح المالية من رجال الأعمال الخليجين، وبشكل أخص منهم السعوديون على مدار عشرات السنوات، والفوارق بين كُل نموذج منهم، وكيف تتحايل الأندية المصرية الأخرى.

عبد الله الفيصل.. رجل المال في ولاية «المايسترو»

يسود انطباع لدى مُحبي كرة القدم في مصر حول تمايز الفترة الزمنية التي رأس فيها صالح سليم النادي الأهلي عما سبقتها ولحقتها من فترات؛ فهؤلاء يعتقدون أن سليم كان حاسمًا فى رفض تلقي أي تبرعات من رجال أعمال أو أمراء خليجيين، وهي المسألة التي أعيد تكرارها منذ أيام بعد واقعة الخطيب الأخيرة، واتهامه بأنه تحول لمتسول للنادي، على خلاف صالح سليم،  أيقونة النادي الأكثر شعبية، والرمز الذي ارتبطت به قيم ومبادئ النادي.

لم يكن سليم خارج دائرة رؤساء الأندية المصرية التي تتلقى تبرعات من أمراء ورجال أعمال عرب ومصريين؛ إذ شكل هو الحلقة الأهم في تأسيس نمط خاص من العلاقة بين رؤساء الأندية المصرية وأمراء من آل سعود خلال رئاسته للنادي الأهلي. كانت هذه العلاقة بطلها الأمير عبد الله الفيصل، نجل الملك فيصل، وقد شغل منصب الوزير في أكثر من وزارة بالسعودية، والذي تحول لأكبر متبرع للنادي خلال ولاية سليم.

وشملت تبرعات الفيصل للنادي تقديم سيف من الذهب الخالص وضعه صالح سليم في خزينة النادي، وأعلن «أنه حصل عليه، لأنه رئيس النادى الأهلي، ومن ثم فإن النادي أولى به لأنه لو لم يكن رئيس النادي لما حصل على هذه الهدية»، فضلًا عن منح مالية ومكافآت مستمرة لدعم النادي المصري.

لم تقف التبرعات عند هذا الحدّ، بل امتدت لتشمل منح عبد الله الفيصل لسليم قبل وفاته مبلغًا يُقدر بنحو 40 مليون جنيه، وسعت عائلة الراحل لحوزة هذا المبلغ اعتقادًا منهم أنه كانت هدية لوالدهم، قبل أن يتدخل عدد من مسئولي النادي لأخذ هذه الأموال وشراء أسهم بها باسم النادي في فندق هيلتون رمسيس من أجل تنمية موارده، وذلك وفقًا لرواية محمود باجنيد، رئيس لجنة تنمية الموارد في النادي خلال تلك الفترة.

مُشكلة تلقى الأموال من الأمراء بدت انعكاساتها في الجدل والنزاع الذي تجدد بين عائلة سليم ومجلس إدارة النادي، فضلًا عن الشُبهات التي أحيطت بصالح سليم خلال فترة رئاسته للنادي. يتأكد ذلك من واقع ما سرده الناقد الرياضي ياسر أيوب، وأحد الصحافيين المُقربين من سليم، في مقال منشور له في «اليوم السابع» حول خصوصية العلاقة التي جمعت سليم بالأمير السعودي، والتي طالته من وراء هذه العلاقة بعض الشبهات.

ويذكر أيوب في شهادته: «جمعت بين الأمير عبد الله فيصل وبين صالح سليم صداقة حقيقية ودائمة وشديدة الخصوصية.. صداقة أسيء تفسيرها طوال الوقت، ورآها بعض الناس بمثابة علاقة المصلحة والمال.. ولم يهتمّ صالح ولو مرة واحدة، ولم يقبل بتوضيح أن الصداقة وحدها هي ما جمعت بينه وبين الأمير عبد الله الفيصل، لا عمل ولا تجارة، ولم يكن صالح سليم أبدًا خادمًا أو سمسارًا للأمير أو لكل العرب مجتمعين. ولم يستخدم التوكيل الرسمي من الأمير عبد الله الفيصل سوى مرة واحدة في حياته.. وكان ليبيع شقة الأميرة التي فوق شقته في الزمالك لزوجة الأمير».

وبدأ دعم الأمير السعودي للنادي الأهلى المصري حين كان شابًا في الثلاثينات؛ إذ أخذ شكل الدعم آنذاك بمنح النادي عددًا من نجوم كرة القدم في شكل صفقات مجانية كحال اللاعب السوداني سليمان فارس، أحد أهم النجوم في تاريخ النادي الأهلي المصري، والذي أهداه الأمير السعودي للنادي المصري بعد فترة قضاها المدافع السوداني في نادي أهلي جدة السعودي.

منصور البلوي.. سعودي يمد يد العون لنادي الزمالك

لا يتوقف الدعم الخليجي عند النادي الأهلى المصري فقط؛ بل يمتد الحال كذلك إلى القطب الثاني في كرة القدم المصرية، نادي الزمالك، الذي سار على نفس المنوال نحو التعويل على المنح المالية الخليجية، وإن بنسبة أقل مما كان عليه حال غريمه التقليدي. كان البطل في تقديم منح مالية هذه المرة هو رجل الأعمال السعودي منصور البلوي، رئيس نادى اتحاد جدة السعودي، والذي ورد اسمه ضمن قائمة رجال الأعمال المتورطين فى قضايا فساد مالي، وأمر ولي العهد السعودي بإجراء تحقيقات معهم.

بدأت قصة البلوي، الذي يحمل العضوية الشرفية لنادي الزمالك، حين خرج إلى الفضائيات يروج لدعمه وحبه لنادي الزمالك؛ قبل أن تتحول هذه المشاعر إلى أفعال واقعية فى عام 2005 خلال رئاسة مرتضي منصور للنادي، والذي جمعته علاقة صداقة وعمل مشترك مع رجل الأعمال السعودي، ساعدته على الحصول دعم مالي لانتشال النادي من أزماته المالية.

كانت أولى هذه التحركات في عام 2005؛ حين تبرع البلوي بمبلغ مليوني جنيه عقب انتخاب مرتضي منصور رئيسًا لنادى الزمالك، والتعهد بالتعاقد مع  لاعب من طراز عالمي للنادي بدعم كامل من منصور البلوي الذي عُرف عنه تشجيع نادي الزمالك ودعمه له، ولكن هذا الصفقة لم تتم دون أسباب معلومة.

«البلوي يتسبب في إقالة رئيس الزمالك!» كان هذا أحد المانشيتات الرئيسة التى عنونت بها صحيفة الرياض السعودية صفحتها الرياضية، في دلالة على مآلات المنح الخليجية على الأندية المصرية، ودائرة الشبهات التي تدور حول هذه الأموال؛ إذ تعود هذه الواقعة إلى احتجاج وزير الرياضة المصري ممدوح البلتاجي على مسألة التبرع، ورصد لجنة تشكلت من جانبه  مخالفات مالية على رئيس الزمالك، بما فيها مليونا البلوي.

كان هذا ما أوضحه الوزير لاحقًا حين ذكر في معرض إجابته على أسباب حل إدارة الزمالك برئاسة منصور: «لقد تم إعداد مذكرة إيضاحية لقرار حل مجلس الإدارة وفيه جملة المخالفات التي تم ارتكابها بالتفصيل، سواء كانت مخالفات مالية مثل قضية المليوني جنيه التي تبرع بها البلوي لأن أي مبالغ يتم التبرع بها وتدخل خزينة النادي تصبح أموال دولة».

كما شملت تبرعات البلوي لنادي الزمالك تقديم هدية مالية قدرها 5.3 مليون دولار لمرتضي منصور فى يونيو (حزيران) 2006؛ والتي نجح استثمارها في مساعدة نادي الزمالك على اجتياز الأزمة المالية وشراء لاعبين جدد، وتجديد التعاقد مع المهاجم المصري آنذاك عمرو زكي.

تركي آل الشيخ.. «أحدث موديل» في تمويل الأندية المصرية

قبل عامين ظهر تركي آل الشيخ في الساحة المصرية من بوابة المُحب والمُشجع للأهلي المصري منذ صغره؛ ما منح هذا الظهور مزيدًا من الوهج، كان نفوذه داخل المملكة العربية السعودية مستشارًا لولي العهد السعودي، لا تستطيع وسائل الإعلام المصرية نقده أو التعرض له، وكان العنصر الآخر لهذا الوهج لاحقًا هو كمّ الأموال التي منحها للنادي الأهلى، والتي أخذت جانبًا استعراضيًا على خلاف من سبقوه.

Embed from Getty Images

تمثلت مهام آل الشيخ في تمويل عدد من المشروعات الرياضية كمشروع «استاد القرن» للنادي الأهلي، الذي أعلن عنه رئيس النادى محمود الخطيب في مؤتمر رسمي بتاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، ويستغرق بنائه 30 شهرًا، بجانب بناء مدينة رياضية كاملة لنادى الزمالك وفق ما أعلن عن رئيس الزمالك مرتضى منصور في تصريحات صحافية بتاريخ 31 ديسمبر، بعد اجتماع جمعه مع «آل الشيخ».

أتت نتائج هذه الأموال سريعة؛ إذ أعلن النادي الأهلي المصريّ في 31 ديسمبر من العام الماضي تنصيب آل الشيخ رئيسًا شرفيًّا للنادي الأهلي المصريّ، قبل أن يلحق به نادي الزمالك، في 16 مارس (آذار)، بمنحه رئاسة النادي الشرفيّة مقابل التكفّل ببناء استاد للنادي.

كما ساهم في تسهيل انتقال محترفين مصريّين من النادي الأهلي المصري للّعب في الأندية السعوديّة بمبالغ ماليّة كبيرة، مثل مؤمن زكريا الذي انتقل على سبيل الإعارة لمدة ستة أشهر من الأهلي المصري للأهلي السعودي في 4 يناير (كانون الثاني) 2018، بمقابل يصل نحو 400 ألف دولار، وكذلك دوره في التجديد للاعبي الفريق أحمد فتحي وعبد الله السعيد، ومنحه مكآفات مالية مستمرة للنادي واللاعبين، وعروضه السخية الدائمة والتي كان آخرها التكفل بالتعاقد مع مدرب عالمي للفريق، وأربع صفقات «من العيار الثقيل»، على حد تعبيره.

وقُدرت هذه المنح المالية خلال ستة أشهر للنادي الأهلي المصري بنحو ربع مليار جنيه، وفقًا لما أعلنه آل الشيخ نفسه، على إثر خلافات واسعة مع مجلس إدارة النادي بسبب ما وصفه «بعدم تقدير من النادي وخلافات بشكل دائم» في بيان رسمي أسهب فيه بشكل مُفصل حجم إنفاقاته، وطلبات محمود الخطيب له بشكل دائم لتقديم الدعم المالي له.

كانت الواقعة الأكثر انعكاسًا لحالة «الانسحاق» الكامل للنادي الأهلي أمام أموال تركي آل الشيخ، وفقًا لما انطبع في أذهان البعض من بيانه، هي ما سُرب حول فضيحة هدايا الساعات من ماركة «روليكس» العالمية، إضافة إلى 50 ألف ريال سعودي، منحها تركي آل شيخ رئيس الهيئة الرياضية السعودية لبعثة الأهلي، التي شاركت في مهرجان اعتزال فؤاد أنور لاعب فريق الشباب السعودي الأسبق، الذي أقيم على استاد الأمير فيصل بن فهد في العاصمة الرياض.

يمنح حضور تركى آل الشيخ ظهورًا استثنائيًا نفوذه السياسي في المملكة، والتي تجعله معصومًا على الانتقاد من جانب أي وسيلة إعلام محلية؛ إذ كان قرارًا أكثر من وسيلة إعلام مصرية خاصة عدم نشر أي مقالات تتناول أزمة آل الشيخ مع النادي الأهلي، وفقًا لأكثر من مصدر لـ«ساسة بوست».

«أندية المظاليم».. التبرعات المصرية بديلًا عن المال الخليجي

تغيب بقية الأندية المصرية عن عيون رجال المال الخليجي؛ إذ يرتبط دعمهم برغبتهم في تمويل أندية تتمتع بحضور جماهيري وشعبية كبيرة، تمنحهم شهرة استثنائية، ونفوذًا جماهيريًا واسعًا في العالم العربي؛ وهي الشروط التي تتحقق في ناديي الأهلي والزمالك اللذين يتمتعان بشعبية واسع في المنطقة العربية.

Embed from Getty Images

لوجو الاتحاد المصري لكرة القدم، المُشرف الرئيس على الأندية المصرية

تجد الأندية المصرية الأخرى مدخلًا آخر للحصول على أموال، بدرجة أقل بكثير، وذلك فى صورة منح مالية من رجال أعمال مصريين ينتمون للمحافظات التابع لها الأندية، والتي يحاولون من خلال هذه التبرعات تسويق أنفسهم، وتلميع نفوذهم، خصوصًا أن منهم من يجدها فرصة مواتية لتسويق نفسه تمهيدًا للترشح في انتخابات مجلس الشعب.

أحد أبرز هؤلاء محمد مصيلحى، رئيس نادي الاتحاد السكندري، والذي شغل عضوية مجلس النواب خلال حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، ممن اعتادوا التبرع بمبالغ مالية متوسطة مقارنة بما يدفع رجال الأعمال الخليجيون لناديي الأهلي والزمالك. ففي عام 2013 تبرع مصيلحى لفريق الكرة بطاقم ملابس رياضية، و20 كرة، و100 ألف جنيه.

ويبرُز في بورسعيد رجل الأعمال المصري كامل أبوعلي، الذي تحول للداعم المادي الأول للنادي المصري في السنوات الأخيرة؛ إذ تضمنت أحد هذه التبرعات للنادي البورسعيدي مبلغ 50 مليون جنيه مصري في 2012، وتكرر دفعه أموالًا للنادي، وشراء لاعبين للفريق الأول لكرة القدم.

وتوجد شريحة من الأندية التي تتمتع بالتمويل الذاتي الجيد، من جانب الشركات والهيئات الحكومية التي تتبعها، وتنفق عليها، دون الاعتماد على المنح المالية من رجال الأعمال المصريين، كحال أندية: إنبي، وبتروجت، واتحاد الشرطة، وطلائع الجيش، وحرس الحدود، والإنتاج الحربي، وهي أندية تتمتع باستقرار مالي يرتكز بشكل أساسي على استقرار المؤسسات التي تتبعها.