هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

 «المصري لو كان حاسس إنه هو مكبوت كان زمانه فعلا نزل الشارع، إنما هو مش حاسس»

تنسب هذه الجملة الشهيرة لرجل الأعمال المصري أحمد عز، وعضو البرلمان المصري (مجلس الشعب) عام 2010. يشير عز للتظاهرات التي تدعو لها المعارضة، والتي رأى أن الشعب لن يستجيب لها، ولكن هبّت رياح ثورة يناير لتثبت العكس، وجاءت الثورة منددةً بالفساد، ويصدف أن أهم رموزه هو أحمد عز نفسه.

مهندس «مشروع التوريث» وإمبراطور الحديد في مصر.. من هو أحمد عز؟

بعد سقوط محمد حسني مبارك بأيام، أمر النائب العام المصري بالقبض على أحمد عز، وذلك في 18 فبراير (شباط) 2011، وفي فترة حكم محمد مرسي، صدر على عز حكم بالسجن 37 سنة، في مارس (آذار) 2013.

ويأتي اعتقاله ضمن سلسلة اعتقالات شملت العديد من رجال الأعماء والوزراء والمسؤولين السابقين بتهم مختلفة في قضايا تربُّح وكسب غير مشروع، وجاءت هذه التحركات القضائية مباشرةً بعد سقوط مبارك وتصاعد أنشطة الثورة.

جزء من كلمة لأحمد عز في مجلس الشعب المصري عام 2010.

عز هو أحد أشهر رموز ووجوه نظام مبارك في العقد الأخير لحكمه لمصر، خاصةً بعد الصعود السياسي لابنه، جمال مبارك، ومعه اتسع نفوذ أحمد عز السياسي في مصر لقربه من جمال، واستطاع تكوين ثروته بحصوله على امتيازات اقتصادية خاصة في قطاع الأعمال.

في البداية فلنتحدث قليلًا عن رحلة أحمد عز، وكيف اكتسب لقب «إمبراطور الحديد» في مصر؟ ولد أحمد عام 1951، والده عبد العزيز عز عملَ ضابطًا في القوات المسلحة وتربطه علاقة وثيقة بأول رئيس مصري: جمال عبد الناصر، خرج عز الأب من الجيش بعد نكسة حرب 67، وافتتح متجرًا لتوريد الحديد في مدينة القاهرة.

حصل عبدالعزيز عز على عقدٍ مع الجيش المصري لتوريد أطنان من الحديد شهريًّا ومن هنا كبرت تجارته لتصبح شركةً كبيرة بعد سنوات، وورثها عنه ابنه أحمد.

في حياته الجامعية، كوّن أحمد فرقة موسيقية باسم «طيبة»، مع مجموعة من أصدقائه منهم الفنان حسين الإمام الذي اشتهر لاحقًا في عالم السينما والموسيقى بمصر. ولكن كان لعز اهتمامات أخرى وطموحات كبيرة في عالم الأعمال والسياسة، ما دفعه لترك الفرقة والتفرُّغ لإدارة شركة والده بعد تخرجه في الجامعة عام 1982.

وفي 1983 شهد عز نقطة تحوّل في حياته، حين اعتقلت السلطات المصرية العديد من كبار تجار الحديد في مصر في القضية الشهيرة، «الحديد المغشوش». ولم تكن شركة عز من الشركات المتهمة ما فتح الباب أمامه ليتوسع في السوق المصري.

Embed from Getty Images

أحمد عز (وسط) وجمال مبارك على يسار الصورة.

لاحقًا، وبسبب قرب عز من جمال مبارك مكّنه من الاستحواذ على أكبر شركة حديد تملكها الحكومة المصرية، شركة «الدخيلة»، ليصير اسمها «عز الدخيلة».

وفي الحياة السياسية، يشتهر عن عز أنه أكبر مؤيدي مشروع توريث الحكم من مبارك لابنه جمال، بل يصفه البعض بأنه «مهندس مشروع التوريث»، ويظهر ذلك في تطور دوره السياسي داخل الحزب الوطني، الحزب الحاكم، وقد أدار حملة مبارك الرئاسية لعام 2005 وأدار حملة الحزب الوطني لانتخابات البرلمان عام 2010، الموصومة بالتزوير واسع النطاق.

انهارت أحلام وطموحات عائلة مبارك، ومعها أحلام عز، مع اندلاع ثورة يناير عام 2011. واستقال عز من الحزب الوطني في 29 يناير (كانون الثاني)، قبل أربع أيام من قرار النائب العام المصري بمنعه من السفر وتجميد أرصدته في البنوك المصرية والدولية.

وفي سنوات اعتقاله ومحاكمته لم يقف عز مكتوف الأيدي، وضغط في واشنطن للإفراج عنه، من خلال جهود ابنته في حملة ضغط سياسية في الولايات المتحدة، سنعرضها الآن بالتفصيل.

Embed from Getty Images

أحمد عز خلف القضبان، اعتُقل بعد أيام من سقوط مبارك وأُفرج عنه في أغسطس (آب) 2014.

الضغط السياسي.. إحدى أدوات عز للخروج من السجن

في الأسبوع الأول من مارس (آذار) عام 2011، أي بعد أقل من شهر من القبض على أحمد عز، وقَّعت ابنته عفاف عقدًا مع شركة «كورفيز كومنيكيشن – Qorvis Communications».

هدف العقد تحسين صورة رجل الأعمال المصري وإيصال قضيته لأروقة الكونجرس والحكومة الأمريكية، ولتحسين وضعه في القضايا المتهم فيها بالفساد. تواصلت الشركة مع مكتب مصر بوزارة الخارجية الأمريكية لمناقشتهم بتطورات الأحداث وعرض قضية عز عليهم، وتواصلت أيضًا مع مكتب شؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوزارة.

وتواصلت الشركة مع لجان القوات المسلحة، والخارجية، من مجلس النواب، واجتمعت بمكاتب نائبين ديمقراطيين: أولهما آدم شيف، زعيم الأقلية الديمقراطية في لجنة الاستخبارات، وجيم لانجفين، عضو الاستخبارات ولجنة القوات المسلحة.

من وثائق شركة «كورفيز»، تُظهر الصورة مدفوعات قيمتها 92 ألف دولار، من أصل 251 ألفًا دفعتها عفاف عز، ابنة رجل الأعمال والسياسي المصري أحمد عز، دُفعت هذه الأموال للشركة، لتضغط على وزارة الخارجية الأمريكية والكونجرس، ولتروّج لقضية والدها أمام الإعلام الأمريكي، بعد أن انتقدته صحيفة «واشنطن بوست» ووصفته بـ«الأشد احتقارًا». المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ومن مفارقات القدر أن يتجه أحد رموز نظام مبارك لمنظمات حقوق الإنسان التي لطالما انتقدها النظام، ومنها منظمة العفو الدولية، بهدف العمل نحو قضاء مصري أكثر «شفافية» بتعبير الشركة وعائلة عز.

وتواصلت الشركة مع جهات أمريكية أخرى، تبرز منها صحيفة «واشنطن بوست»، التي نشرت تقريرًا يرصد رحلة أحمد عز السياسية بعنوان «صعود وسقوط الملياردير المصري الأشد احتقارًا.. أحمد عز»، وتضمَّن التقرير حوارًا مع عبلة عز، زوجة رجل الأعمال المصري.

وأخيرًا، تواصلت مع الباحث جرايم بانرمان، من معهد دراسات وأبحاث الشرق الأوسط.

دفعت عفاف عز في هذا التعاقد 291 ألف دولار أمريكي مقابل خدمات الشركة لمدة عام كامل، وانتهت العلاقة في 1 مارس (آذار) 2012، وبعد عامين ونصف، في 7 أغسطس (آب) 2014، أصدرت نيابة القاهرة قرارًا بإخلاء سبيل أحمد عز، بعد دفعه لدفعةٍ أولى من غرامة قيمتها 100 مليون جنيه مصري في قضية احتكار الحديد.

Embed from Getty Images

أحمد عز بعد إخلاء سبيله في أغسطس (آب) 2014.

هذا العقد ليس التعاون الأول بين أحمد عز وشركة كورفيز، فقد دفع 204 ألف دولار عام 2007، لتسوّق الشركة للمؤتمر الوطني التاسع للحزب الحاكم، الحزب الوطني الديمقراطي، الذي عُقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007.

ومن الجدير بالذكر أن شركة كورفيز من أهم شركات اللوبي السعودي، وتعمل لصالحه منذ هجمات سبتمبر 2001، وعملت للبحرين أثناء حملة العائلة الحاكمة لقمع احتجاجات 2011.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

السعودية

منذ شهر
من أحداث سبتمبر لمقتل خاشقجي.. شركة اللوبيات التي لمّعت السعودية رغم كلّ شيء

المصادر

تحميل المزيد