فتى أسمر في منتصف العشرينات من عمره، بشعر مجعد وملامح أبعد ما تكون عن الوسامة، فقير ولكنه غير معدمٍ عاش في زحام أسرة من 16 فردًا، داخل بيت لم يحتضن أحلامه فحمل حقيبته وفر مباشرةً إلى شارع محمد علي – المشهور بالغناء والعازفين – في عام 1969، أي بعد عامين من نكسة يونيو «حزيران» 1967، محاولاً أن يجد نفسه في شوارع القاهرة القديمة، التي أصبح زجاج منازلها مطليًا باللون الأزرق خشية الغارات الإسرائيلية.

ازرقت نوافذ القاهرة واقتربت من لون السماء، التي طار بجوار سحابتها بلا جناح، فقط عبر حنجرة تمتاز بـ«بحة»، وقبول شعبي.

أحمد محمد مرسي المعروف بـ«أحمد عدوية» أسطورة الغناء الشعبي الذي تجاوز أن يكون ظاهرة تمر كغيره، ولكنه تأصيل لتاريخ الشارع المصري في السبعينيات والثمانينيات، الصعود والهبوط والغنا والفقر والطبقية المتأصلة في مصر ما بعد أكتوبر1973، ابن المنيا، من مواليد 1945، وترتيبه الـ15 بين اخوته، حاول الغناء ولكن والده رفض، فتحدى وانتقل للحرية والانطلاق في القاهرة ذات الأبواب العتيقة.

ظل «عدوية» مثار جدل ليومنا هذا، وشهد الوسط الفني حالة من الجدل بعد إعلان المطرب عن اقترابه من طرح ألبوم جديد له، فطلب منه الملحن المعروف حلمي بكر الاعتزال ليشهد الوسط الفني حالة جدل كبير، تشبه بقية حلقات الجدل الدائر حول «عدوية» منذ بدايته، حين منعت الإذاعة المصرية أغانيه في وقت ما.

منذ ظهوره، هاجمه كبار أهل الفن واعتبروه مرضًا لعينًا فتاكـًا ينشر التفاهات والابتذال، تركهم وما يقولون، ربما أيضًا لم يكن صاحب الشعر المجعد يدري معني كلمة ابتذال، فليست في قاموس تعاملاته تلك الكلمات التي يصدع بها المثقفون داخل المكاتب وعلى طاولات حواراتهم. يعرف عدوية قاموس آخر، قاموس الشارع والحارة القاموس السهل والصريح والواضح، فقدم للشارع كلماته وأغانيه فقبلها أهل الحارة والقرى والمدن، وأنجز ما عجز عنه الكثير ليصبح في لحظة تاريخيه بوابة العبور بين شعراء وملحنين كبار كاد شارع السبعينات أن ينساهم بعدما بدأت التركيبة السكانية لمصر تتغير.

«السح الدح امبوه» ليست لعدوية فقط

نكسة يونيو «حزيران» كانت صدمة دفعت الشارع العربي والمصري في المقدمة منه، للتعديل والتبديل وتغير المزاج بالكامل بعيدًا عن »الكلاسيكيات« القديمة، سواء فيما يخص الأفكار أو الذوق.

لم يكن معروفًا ولم يكن منتظرًا منه أي جديد، عاش سنواته الثلاثة الأخيرة كضابط إيقاع »عازف رق« في محاولة لكسب الرزق وكان واحدًا من رودا قهوة »الآلاتية« -مصطلح يطلق على مطربي وعازفي الأفراح الشعبية غير المعروفين- الدائمين في شارع محمد علي، وكان للصدفة فضل في انتشاره الحقيقي حين تمت دعوته كسنيد بين الفقرات وملء فراغ فقرات النجوم الكبار، في عيد زواج الفنانة شريفة فاضل، زوجة المخرج المسرحي السيد بدير، عام 1972.

فقرة قصيرة ولكنها لفتت انتباه الحضور وعلى رأسهم الشاعر الكبير «الكلاسيكي» مأمون الشناوي كما دفع حلاوة صوت «عدوية» صاحب ملهى في شارع الهرم، لتوقيع عقد عمل معه وبعدها جاء أول ألبوم مع شركة صوت الحب بعد أن قدمه «الشناوي» لصاحب الشركة.

بعدها تشجع المنتج، صاحب شركة صوت الحب، وقرر إنتاج أول ألبوم لـ«عدوية» ولم يكن وقتها الشريط الكاسيت قد انتشر وكان هناك الأسطوانات، وحينها تفاجأ الجميع بأغنية تحمل كلمات «السح الدح امبوه».

تعد أغنية السح الدح أمبو أحد أهم الأغنيات التي صدح بها صوت عدوية، وتسببت الأغنية في عشرات الأزمات، وكان أولها الصراع في المحاكم بينه وبين الريس بيرة، الذي يعد مكتشف عدوية، وكان الخلاف كبيرًا حول صاحب الأغنية الحقيقي أهو السيد بيرة أم أن الأغنية كتبها عدوية ووضع اسم السيد بيرة عليها، أم هي أغنية قديمة لمحمد طه.

في الواقع «السح الدح امبوه»، كان قد غناها العديد من المطربين، لكن مع تغيير في المحتوى في كل مرة، فقد غناها المؤدي الشعبي الفلكلوري «شكوكو» والمطرب الشعبي محمد طه، وهي أغنية عن المولد الجديد تشبه إلى حد ما جمل السبوع المصرية الشهيرة، وبالرغم من ذلك منع عدوية من الإذاعة بسبب أغنيته، واعتبرها النقاد وأهل الفن نوعًا من الابتذال والإسفاف، لأنها بلا معنى من وجهة نظرهم، ولكن عدوية قال إنها ذات معنى واضح مفسرًا ذلك بأن: «السح» تعني البكاء بشدة، و«الدح» تعني الإعياء، أما «امبو» تعني الشرب، وهي كلمة مصرية فرعونية.

https://www.youtube.com/watch?v=DiNs2_CkCPI

زحمة يا دنيا

امتلأت الشوارع بالسيارات وهجر أبناء القرى إلى القاهرة، وكثرت العشوائيات حول العاصمة، ومع ازدياد السكان انتقلت الأفراح من فوق المنازل كما كانت إلى الشارع، وانتقل معها «أحمد علوي»، وانتشر في المناطق الشعبية غنى للناس ما يريدون،. لكن لحظة من هو أحمد علوي؟

القاهرة التي تغيرت علي ما يبدو بعشوائية غيرت أيضًا في مستقبل هذا الفنان بالعشوائية نفسها، بل بدلت اسمه وليس فقط طريقه وفنه، يقول المطرب في أحد حواراته : طلبت من منتج أول ألبوم لي ان يكتب اسمي على الأسطوانة، ولكن عامل التجميع عند الطبع بدلاً من كتابة «أحمد علوي» كتب «أحمد عدوية» وتضايقت للغاية من ذلكن ولكن المنتج وقتها طلب أن أُبقي على الاسم، خاصة وأن هناك أغنية اشتهرت في ذلك الوقت للمطرب محمد رشدي اسمها «عدوية».

في الزحام لا تركز فيما يقوله أحمد عدوية، والذي كان عادة ما يقدم داخل أغانيه العازفين معه، وكيف لا وأحمد نفسه كان عازفًا ويعرف معنى العازفين وأهميتهم، ومن أبرز من عزف معه الموسيقار العالمي، عبده داغر، ذلك الفنان الذي ضاع اسمه في وسط زحمة الدنيا.

 

بنت السلطان

الآلاف في الشوارع يهتفون ضد السادات في مظاهرات عرفت بـ«انتفاضة الخبز» 1977، مصر الستينيات واشتراكيتها انتهت والآن يشهد الشعب التفاوت الطبقي الذي لم يكن موجودًا من قبل بهذه الحدة، وانتقل بعض سكان الطبقة المتوسطة لأحياء الطبقة العليا، والآن يعاد من جديد توزيع السكان، قاهرة جديدة وأحياء متناثرة بدأت تمتلئ بالسكان.

لم يكن الشارع يقبل بأن تظل الأغاني بكلمات الماضي، وقد استغل عدوية الرغبة في التجديد وكان جزءًا منها، وتماشى معها، وبدأنا نسمع لأول مرة أحياء القاهرة الجديدة في الأغاني »يا بنت السلطان حنّي على الغلبان…شاوري وأنا جيلك ماشي.. من شبرا لمصر الجديدة«.

قد تراه محاكاة لما غناه من قبل المطرب محمد عبد المطلب «ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين، علشان أنول كل الرضا يوماتي أروح له مرتين من السيد لسيدنا الحسين»، لكن المناطق قد اختلفت تمامًا، أخيرًا وجدت القاهرة وأحياؤها الجديدة من يتحدث عنها بعد التغير الجديد.

القاهرة التي لم تكن قادرة على التعايش مع الظروف والضغوط الاقتصادية، وجدت فيما يقوله عدوية فرصة للتنفس؛ فكان أول مغنٍ مصري يبيع مليون نسخة من أسطوانتين «السح الدح امبوه وبنت السلطان» فقط في فترة قصيرة وأصبح يعرف بـ«المطرب صاحب المليون أسطوانة»، قبل أن يصبح بعد ذلك ملك الكاسيت.

«قرقشنجي».. الكبار مع عدوية

لأكثر من عشرة سنوات قاومت الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري شعبية أحمد عدوية، للحفاظ على الكلاسيكية المصرية، حتى قيل يومًا إن الرئيس السادات يحب أحمد عدوية وطلب منه أن يغني في حفل ذكرى ميلاد أخته سكينة، أغنية «أم حسن»، فاضطر التلفزيون بعد ذلك لقبوله مغنيًا معتمدًا في عام 1980، ويقول عدوية إن السادات كرم عدوية في ذكرى عيد ميلاده بشهادة تقدير.

ودائمًا لا تجد دقه في تاريخ عدوية، فالناقد والمؤرخ للتاريخ السينمائي قال إن عدوية تم اعتماده عام 1977 بتوصية من الموسيقار مدحت عاصم، وليس هناك مصدر ثابت لاعتماد عدوية.

كان أبرز من كتب لأحمد عدوية حسن أبو عتمان، وكان حسن حلاقـًا وشاعر غير محظوظ، بالرغم من أنه كتب لعدد من المطربين الكبار مثل محمد رشدي، كذلك كتب لعدوية خطاط و«الريس بيرة».

«الابتذال والإسفاف والعشوائية»، هي تعبيرات رافقت توصيف عدوية، ليس فقط في المقالات والهجوم إعلامي والفني على أحمد عدوية، ولكن امتد الأمر إلى السينما، ففي فيلم «خرج ولم يعد» من إخراج محمد خان كان عدوية رمزًا للعشوائية، عندما صرخ يحيى الفخراني عند عودته من جمال الريف للقاهرة المزدحمة قائلاً «جايلك يا عدوية».

ولكنك مع القراءة المتأنية لتاريخ عدوية تجد أن هناك رموزًا ثقافية كبيرة أشادت به وقالت في حقه شهادات إيجابية، على رأسها شهادة نجيب محفوظ – الأديب المصري الحائز على نوبل في الأدب– الذي قال عنه: «صوت قوي مليء بالشجن» وقال عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب إنه أحد أصح الأصوات العربية، وقال عبد الحليم حافظ عنه «يا عدوية أنت صوتك حلو وجميل جدًا وخلي بالك من نفسك».

ووصفه الكاتب الصحفي اليساري صلاح عيسى في كتابه «تباريح جريح»: «وفشل كل الذين لم يعجبهم ذلك في أن يجدوا حائطـًا على سطح هذا الكوكب العربي العجيب لا يختبئ وراءه عدوية، فقد انتشر الرجل كألاعيب الساسة، ونفاق الصحف، وأكاذيب العشاق».

عمل «عدوية» مع كبار الملحنين والشعراء، ولك أن تتخيل أن أحد أكثر الأغاني الغامضة لعدوية «قرقشنجي دبح كبشه» من كلمات الشاعر مأمون الشناوي، وتعني الحديث حول الطعام واللحم ومحاولة إسعاد الآخرين، وذلك وفقًا لتفسير عدوية »قرقشنجي دبح كبشه، يا أحلى مرقة لحم كبشه»، فـ«قرقشنجي» تعني الجزار، و«كبشه» الخروف وتعني أن الجزار عندما أمسك بالخروف ذبحه وكانت مرقته ذات مذاق رائع.

وليس مأمون فقط، فقد كتب لعدوية أيضًا كبار شعراء العامية المصرية، من بينهم عبد الرحمن الأبنودي »بأحب خمسة« وصلاح جاهين.

ولحن لـ«عدوية» كبار الملحنين، على رأسهم بليغ حمدي، الذي لحن له «بنج بنج» و«آلا أونا» ولحن له سيد مكاوي«سيب وأنا أسيب»، كما لحن له هاني شنودة زحمة يا دنيا زحمة، وأغاني أخرى مثل «سلام مربع»، و«قلق في قلق»، و«مجاريح»، ولحن له كمال الطويل أغنية «علي فين»، ولحن له عمار الشريعي أغنية «ميه مسا»، وكان من أكثر المتعاونين معه من الملحنين حسن أبو السعود.

عم يا صاحب الجمال

شارع السبعينات والثمانينات اختلف عن الشارع المصري من قبل، اختلافًا كبيرًا اختفت معه إلى حد كبير الرومانسية، وجفت المشاعر وسط زحام العمل السريع، والانفتاح، وجمع المال، الذي بشر به الرئيس أنور السادات في عهده، والتعامل مع هذا التغير على صعيد الأغنية المصرية تطلب عدوية، ذلك الرجل الذي سبح دائمًا ضد التيار، ضد رغبة والده وعائلته والمثقفين والمنطق والظروف.

الرومانسية كانت دائمًا الشأن الغالب والهم الرئيسي في الأغاني، وهل يمكن أن يصبح هناك مغنٍ غير رومانسي ويبكي سامعيه ويبكي معهم؟ ولكن بكاء عدوية وأغانيه اختلفت عن رومانسية «الأطلال» و«من تكون حبيبتي» و«قارئة الفنجان»، ولأول مرة تتحدث أغنية عن شخص يتألم فتقول: «ده حبيبنا ولا عزول وقاسي، وجينا نبعد قالونا نقعد، وجينا نقعد شدوا الكراسى، ده زي ما يكون فرح وجينا، من غير ما صاحبه يكون داعينا، نسرح نروح وجينا نفرح ما لقينا مطرح ولا كراسي».

«الناس الرايقة.. يبقي الكبير كبير»

الكثير من المغنيين عندما حاولوا البحث عن النجاح والشهرة، قلدوا عدوية، ومن بين هؤلاء راغب علامة والذي غنى له يا بنت السلطان وكانت سببًا في شهرته، كما تعاون في 2009 عدوية مع رامي عياش في دويتو «الناس الرايقة»، وحقق رامي من ذلك انتشارًا كبيرًا، بالرغم من غياب عدوية عن الغناء من نحو 15 عامًا، وغنى مع ابنه محمد عدوية وشارك عدوية الغناء مع فرقة وسط البلد في عام 2013، وغنوا سويًا كركشنجي وأغنية مسافر مع مطرب الراب «آبو».

ويستعد عدوية من جديد لطرح ألبوم، كان مثار جدل كبير خلال الأيام الماضية، عندما طالبه الملحن حلمي بكر بالتوقف عن الغناء نظرًا لتقدمه فى العمر وحالته الصحية الحرجة، وهو ما قوبل من عدوية بالرفض والتراشق بين عدد كبير من الفنانين ردًا على بكر، كما قال عدوية في حديث تلفزيوني: «متنساش نفسك يا حلمي أنت كنت ميكانيكي»، فما زال عدوية مصرًا على استكمال رحلته المثيرة، التي لم تنته بعد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد