لم تمض سوى أسابيع قليلة من إتمام مهمته في إعداد مسودّة دستورٍ جديدٍ للبلاد، سيستفتى عليه الجزائريون في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حتى أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكليف عضو اللجنة القانونية في الأمم المتحدة البروفسير أحمد لعرابة من جديد بإعداد قانونٍ جديدٍ للانتخابات يسبق الانتخابات التشريعية المسبقة التي يعتزم تبون إجراءها قبل نهاية السنة، وهي الخطوة التي شككت فيها المعارضة الجزائرية واتهمت السلطة بإعداد مشروع قانون للانتخابات على مقاسها، بعيدًا عن الأضواء. 

عربي

منذ 7 شهور
هل يستغل الرئيس الجزائري أزمة كورونا لتمرير الدستور الجديد؟

هذه الاتهامات تأتي في الأساس، بتكليف واحدٍ من أكثر الشخصيات الغامضة بالجزائر بإعداد هذا القانون، وهو الرجل الذي استعان به كثيرًا في السابق الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة في تثبيت أركان حكمه، بل كان الشخص الذي هندس دستور بوتفليقة لسنة 2016، وهو الدستور الذي يُتهم بالتسبب في إدخال الجزائر في أزماتها السياسية التي أعقبت الحراك الشعبي. في الأسطر الموالية من هذا التقرير، نسلط الضوء على واحدٍ من أهم الشخصيات التي تصنع حاضر ومستقبل الجزائر، والتي يعتمد عليها تبون في تثبيت أركان نظامه قانونيًا. 

أحمد لعرابة.. أستاذ القانون الذي حوّل بوتفليقة إلى إمبراطور 

بعد قرابة ثلاثة عقود من حكم الحزب الواحد والفرد الواحد بالجزائر، انفجر الشارع تحت ضغطٍ اجتماعي واقتصادي كبيرين، في ما بات يعرف في – تاريخ الجزائر المعاصر – بأحداث أكتوبر 1988، وهي الأحداث التي أدت إلى قطيعةٍ تامةٍ مع عهد الأحادية الحزبية بالجزائر، والتي كان فيها حزب جبهة التحرير الوطني حاكمًا وحيدًا للبلاد بشرعية التاريخ ويحظر منافسته أو مساءلته عن الحكم.

شقّت تلك الأحداث الطريق نحو إصلاحٍ سياسيٍ واقتصاديٍ شاملٍ، عُبّر عنه بدستورٍ جديدٍ سنة 1989، وهو الدستور الذي فتح للجزائريين آفاقًا من الحريات وأطّل بالجزائر نحو شاطئ الديمقراطية. لم يكتمل مشهد الانتقال الديمقراطي بالجزائر حينها، ولم يعمّر أحد أفضل دساتير الجزائر كثيرًا، ليعلن الجيش الجزائري في 12 من يناير (كانون الثاني) 1992 تعطيل العمل بدستور 1989 لمنع الإسلاميين من تسلّم السلطة، ثم دخلت البلاد في أتون الحرب الأهلية.

في سنة 1996 تمّ اعتماد دستورٍ جديدٍ، وهو الدستور الذي استطاع من خلاله النظام الجزائري دفن دستور 1989 الذي كاد يطيح به، ويغلق لعبة الصراع حول السلطة، ليكون دستور 1996 الحجر الأساس للتعديلات الدستورية المتتالية التي أجراها رؤساء الجزائر المتعاقبين. 

بمجيء بوتفليقة إلى الحكم ربيع سنة 1999، كانت نوايا الرجل تشير إلى عزمه البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة، غير أنّ الدستور حينها كان يتيح اعتماد عهدتين رئاسيتين لكلّ رئيس، ليبدأ بوتفليقة مسلسل الإطاحة بالدستور من خلال ثلاثة تعديلات بين 2002 و2008 و2016، ما مكّنه من الاستحواذ على «سلطات ملكيّة» في نظام جمهوري.

عرّاب تعديلات بوتفليقة الدستورية لم يكن في الحقيقة سوى أستاذ القانون العام أحمد لعرابة صاحب الـ74 ربيعًا الذي استنجد به بوتفليقة عام 2016 من أجل وضع الدستور الجديد الذي يعطي له صلاحيات واسعة.

أحمد لعرابة؛ مهندس الدساتير الجزائرية

أحمد لعرابة، مهندس الدساتير الجزائرية

سقط دستور لعرابة في فخ الاختبار حين أجبر الحراك الشعبي على إقالة بوتفليقة، وهو الموقف الذي تعرَّض من خلاله الدستور إلى انتقادٍ شديدٍ بعد أن وجد الجزائريون أنفسهم أمام فراغٍ دستوريٍ بعد إلغاء رئاسيات الخامس يوليو (تموز) 2019، و لم يخرجوا منه إلّا بفتوى دستورية أقرّها المجلس الدستوري أتاحت لرئيس الدولة عبد القادر بن صالح البقاء في منصبه حتى تنظيم الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 12 من ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي.

أويحي يستقبل أحمد لعرابة من أجل مراجعة الدستور سنة 2016

أويحي يستقبل أحمد لعرابة من أجل مراجعة الدستور سنة 2016 بطلب من بوتفليقة

وفي تصريحٍ سابقٍ لـ«ساسة بوست»، أكّد الخبير الدستوري عامر رخيلة أنّ «الدستور الأخير لبوتفليقة المعتمد حاليًا في الجزائر، جمع بين الدولة المتدخلة والدولة الناظمة، وبالموازاة مع ذلك هناك تداخل وثغرات قانونية كثيرة، وعند تطبيقنا للدستور نقع في الكثير من المشاكل، وهذا ما حصل سابقًا، خاصة أن بعض المواد فصلت على مقاس بوتفليقة، كالمادة 102 التي تنص أنه لا يمكن تفعيلها إلا بموافقة رئيس الجمهورية نفسه، فمنذ سنة 2008 أدخل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تعديلات متتالية على الدستور الحالي أدت إلى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، مقابل تقليص صلاحيات رئيس الحكومة».

الإسلاميون غاضبون

في الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن تكليف الأستاذ في المدرسة الوطنية للإدارة سابقًا البروفسير أحمد لعرابة بإعداد مسودة تعديل الدستور، ووضع تبون للعرابة حدودًا للتعديلات تبدأ بحماية «حقوق وحريات المواطنين» وتنتهي بـ«تكريس الآليات الجديدة لتنظيم الانتخابات دستوريًا» مرورًا بـ«أخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد».

لكنّ مسودة الدستور النهائية التي أفرج عنها لعرابة شهر مايو (أيّار)، حملت تعديلاتٍ دستورية جوهرية فقد تضمنت مسودة المشروع مقترحات موزعة على ستة محاور أساسية، أهمها إقرار مبدأ التصريح (عوض الترخيص) لممارسة حرية الاجتماع والتظاهر، وكذلك إنشاء الجمعيات وعدم حلّها إلا بقرار قضائي، كما أنه لا يمكن للقانون أن يتضمن أحكامًا تعيق بطبيعتها حرية إنشاء الأحزاب السياسية.

كما عادت المسودة إلى تعزيز مركز رئيس الحكومة وتوسيع صلاحياته بدلًا عن اعتماد منصب الوزير الأول وذلك بناءً على مفرزات الانتخابات النيابية، ناهيك عن إلغاء حق الرئيس في التشريع بأوامر خلال العطل النيابية، وقال لعرابة عن المسودة أنّها «حملت تعديل 148 مادة من 240 مادة في مواد الدستور».

تبون ولعرابة

 تبون يكلف لعرابة بإعداد مسودة للدستور، يناير 2020.

ونصت مسودة لعرابة أيضًا على عدم ممارسة أكثر من عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين، وتحديد العهدة البرلمانية بعُهدتين فقط، مع إمكانية تعيين رئيس الجمهورية نائبًا له وإمكانية مشاركة الجيش الجزائري في عمليات السلام بالخارج، إضافة إلى جعل مادة ترسيم اللغة الأمازيغية من المواد الصمّاء التي لا يسمح لأحدٍ تغييرها فيما بعد. 

وردًا على الانتقادات التي وجهت إلى مسودّة الدستور ومهندسها، ردّ لعرابة قائلًا: إن «الدستور موجّه للمواطنين وليس لمؤمنين، وبالتالي فإن عناصر الهوية يمكن إبعادها عن الدستور ليصبح بإمكانك أن تكون جزائريًا دون أن تكون عربيًا، ولا أمازيغيًا، ولا مسلمًا».

صعّدت هذه التصريحات من لعرابة موجة الانتقاد والرفض لمسودة الدستور من قبل القطاعات المحافظة، واتهم رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية المعارض عبد الله جاب الله لعرابة بموالاة التيار العلماني بالجزائر والتاسيس لدستورٍ يعادي القيم الوطنية، وأضاف جاب الله في بثّ مباشرٍ على صفحته الرسمية على «فيسبوك» أنه «سجل 154 مأخذًا جوهريًا عن المسودة الدستورية تتعارض تعارضًا صارخًا مع دين وتاريخ وتطلعات الشعب الجزائري وتهدد السيادة الوطنية».

وختم جاب الله بالتأكيد على أن المشروع المقدم من لجنة لعرابة يشكل خطرًا حقيقيًا على دين الأمة ووحدة الشعب، معتبرًا أنّ «المسودة تحمل تآمرًا على اللغة العربية لصالح الفرنسية».

أم رئيس حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، عبد الرزاق مقري، قال في منشور له: «هل بقي شيء نضيفه لمن لم يقتنع؟ رئيس لجنة إعداد مسودة الدستور يكشف علانية خطة التيار الذي يمثله، القضاء على عناصر الهوية بالتدريج»، في إشارة منه إلى توجهاته العلمانية.

وقد قررت السلطة تمرير المسودة للتصويت في البرلمان دون إجراء مناقشةٍ لها والاكتفاء بمناقشة اللجنة القانونية بالمجلس، كما ستجعل العيد الوطني للثورة المصادف للفاتح من نوفمبر موعدًا لإجراء الاستفتاء الشعبي على مسودة الدستو، وتجدر الإشارة إلى أنّ تصويت الجزائريين بلا على المسودة سيمدّ من عمر دستور بوتفليقة الذي اعتمده دون المرور إلى استفتاءٍ شعبي سنة 2016.

هل سيثبت لعرابة النظام إلى الأبد بقانون الانتخابات الجديد؟ 

لم تنتهي مهمة أحمد لعرابة بإعداد مسودة الدستور، فقد أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استدعاء الرجل لمهمة أخرى لا تقل أهميةً للسلطة عن مهمة إعداد الدستور، المهمة الجديدة لمهندس الدساتير الجزائرية هي إعداد قانونٍ جديدٍ للانتخاب، تقوي به السلطة استقرارها السياسي بعد أن قرر تبون إجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد الاستفتاء على الدستور. 

وتخشى بعض المعارضين بالجزائر من وجود نيّة مبطنة من السلطة لإعداد قانون للانتخابات على مقاسها، من خلال فرضها للأمر الواقع بعيدًا عن الأضواء، خصوصًا أنّ قانون الانتخابات يأتي استباقًا للاستفتاء على الدستور، ويتساءل البعض من جدوى إعداد قانون الانتخاب دون دسترة القانون في التعديلات الدستورية.

الأستاذ فاروق طيفور عضو المكتب التنفيذي لحركة مجتمع السلم – أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة في الجزائر – أكّد في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «قانون الانتخابات هو المدخل الرئيس لتجسيد معيار التداول السلمي على السلطة وميلاد مؤسسات مبنية على قاعدة الشرعية الشعبية من خلال توفير ضمانات قانونية وهيئات مستقلة لتنظيم الانتخابات، ولاسيما بعد أن عرفت الجزائر القديمة فظاعة في تزوير الإرادة الشعبية باعترافات رسمية من الحكام السابقين والجدد، وأصبح من الضروري تغيير النظام الانتخابي جذريًا ليكون وسيلة لزرع الثقة من جديد ومعالجة ظاهرة العزوف الانتخابي».

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
3 قضايا كُبرى تنتظره.. هل سيتغير شيء خلال ولاية رئيس الجزائر الجديد؟

وأضاف طيفور أنّ «تعيين لعرابة للقيام بهذه المهمة مؤشر غير مطمئن لتحقيق هذا الهدف بالنظر الى حالة الاستقطاب التي وقعت عندما كُلّف بملف تعديل الدستور من خلال تصريحاته المستفزة للشعب والنخب، وحتى السلطة الجديدة نفسها تدخلت لتصحيح وتصويب تلك الاستفزازات».

وتعتقد حركة مجتمع السلم حسب عضو مكتبها التنفيذي، وهو الاعتقاد الذي يشاركه فيه قطاعات من المعارضين انه «مهما تكون القوانين جيدة فإن توفر الإرادة السياسية لدى صناع القرار هو الضامن الأساسي لتجسيد النزاهة والشفافية ورسالة التكليف تضمنت جزءًا يسيرًا من هذه الضمانات وعند صدور مشروع القانون سيكون لنا موقف نهائي منه ومن الانتخابات».

تجدر الإشارة إلى أنّ الدستور الذي يعرض على الاستفتاء في الفاتح من نوفمبر المقبل قام بدسترة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، غير أنّ ما يعيبه بعض المعارضين على تلك الخطوة هو وإعطاء صلاحية تعيين رئيس السلطة المستقلة للانتخابات وأعضائها لرئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي قد يؤثر في نظرهم على باب الشفافية والنزاهة في الانتخابات.

المصادر

تحميل المزيد