لو نظرنا إلى سيرة أحمد باشا الجزار الذي ربطه التاريخ بهزيمة جيوش نابليون بونابرت وبمدينة عكا الفلسطينية، لوجدناها أقرب لسيَر النجاح الشخصي لبسطاء الناس، منها لـ«كليشيه» قائد عسكري ولد ليكون عظيما؛ قصة احتضان أرضٍ لغريبٍ جاءها شريدًا طريدًا فمنحته الحياة، ومنحها التاريخ. هل كان يتخيل ذلك الشاب الهارب من خطيئته في لحظة ضعف، متخفيًا بخوفه، أن يصير بعد قرابة الخمسين عامًا الصدر الأعظم لجيوش الإمبراطورية العثمانية، ووالي الشام؟ هل تخيل أن حياته، على عكس بدايتها، كانت ستنتهي به ذلك الرجل الذي اجتث شأفة الحملة الفرنسية على مصر والمشرق العربي؟

ربما همس القدر في روع الفتى البوسني في طريقه إلى إسطنبول بأن لا تخف. سترتحل من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، وستواجه خصومًا وأعداءً ومنافسين لحكمة ما، سيحين وقتها في اللحظة المناسبة، كن صبورًا فقط. انتظر الشاب طويلاً حتى صار عجوزًا حنّكته التجارب، وعلّمته الحروب والأحداث الكبرى ما كان عليه أن يتعلمه ليكون مستعدًا للعام  1799. 47 عامًا من الإعداد المكثف ليخوض أحمد باشا الجزار معركة حصار عكا متدرّعًًا أسوار المدينة ترسًا، يذبُّ عن بحرها الموت الذي قذفته نيران المدفعية الفرنسية على امتداد شهرين من الحصار المتواصل. خاضها كهلاً (64 عامًا وقت الحصار) يخونه جسده لولا العزيمة فيه.

من يدري كيف كان سيتغير وجه التاريخ لو أن الفرنسيين حالفهم الحظ في تلك المعركة. ومن يدري كيف كان سيتغير تاريخ نابليون بونابرت لو أن مدافعه في ذلك الحصار فعلت ما اعتادت فعله في سهول إيطاليا، وجبال النمسا. بل هل كان يتوقع نابليون الذي دوّخ أوروبا على صغره (30 عامًا وقت الحصار) أن مجده وطموحه سيكسره عجوز بوسني، يحكم مدينة لا تقارن تحصيناتها بتحصينات تلك التي دخلها؟ ولا عديد وعتاد جيشه يقارن بعديد وعتاد الجيوش التي هزمها حتى تلك اللحظة.

من هو أحمد باشا الجزار؟ وما هي قصته؟ وكيف انتصر العجوز العثماني على الشاب الفرنسي؟ سنحاول في هذا التقرير أن نرافقك لمعرفة ذلك.

«الجارديان»: وجها نابليون.. طاغية وحشي أم مصلح حكيم؟

 

المسيحي الطريد.. طريق أحمد الطويل نحو الأمان

«وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور

أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير

أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟

لست أدري!»

*إيليا أبو ماضي

ولد أحمد باشا الجزار لأبوين مسيحيين عام 1735 في مدينة ستولاك في البوسنة والهرسك الآن. إلا أن قدره لم يمهله كثيرًا، ليقترف وهو ابن 17 عامًا، على الأكثر، جريمة اختلف المؤرخون حول طبيعتها؛ قتل أو محاولة اغتصاب دفعته للهرب من مدينته.

في سبيل بحثه عن النجاة يلتحق بحارًا بطاقم سفينة تأخذه في نهاية المطاف إلى العاصمة العثمانية التي يقرر العيش فيها وتعلُّم لغتها.  وهناك يضطر لبيع نفسه لأحد تجار العبيد بكامل إرادته، للهرب من شظف العيش وقسوة الحياة، ويتعلم مهنة الحلاقة التي تمكنه من العمل لدى أحد رجالات الدولة العثمانية. وبصفته عبدًا حلّاقًا انتقل مع حاشية سيده الجديد حكيم أوغلو باشا إلى القاهرة الذي عيّن حاكمًا لها بفرمان سلطاني عام 1756.

بعد عامين من وجوده في القاهرة يكون أحمد باشا الجزار على موعد مع واحدة من أهم محطات حياته، إذ ستجعل منه بعد ذلك، الشخص الذي نعرفه اليوم. رافق أمير الحج المملوكي صالح بيك القاسمي في رحلة حج إلى الديار المقدسة، ودخل في خدمته بعد أن نمت بينهما صداقة قوية ستشكل منعطفًا مهمًا في حياته بعد سنين قليلة، وبالرغم من قلة المصادر التاريخية عن هذه الرحلة إلا أنه عاد بعدها إلى القاهرة رجلاً حرًا، وقد أسلم، وتزوج وأنجب وصار يعرف باسم أحمد البوسناوي. ودخل في خدمة عبدالله بيك المملوكي أحد عمّال رجل مصر القوي آنذاك علي بك الكبير.

 

أثناء هذه الخدمة تعلم اللغة العربية، وتعلم فنون المماليك العسكرية في القتال، وطرائقهم في الإدارة، وسبل تخلصه من خصومه وقمع الفوضى. إلا أن حادثة مقتل سيده عبدالله بك المملوكي من قبل بعض البدو ترك في نفسه أثرًا شديدًا، وأصر على الانتقام لمقتله. يشير المؤرخون إلى انه أحكم كمينًا قتل فيه بوحشية الكثيرين من البدو من بينهم زعماء وقادة قبائل، فسمّاه الناس بالجزّار لوحشيته وقسوته مع خصومه.

ما يراه البعض وحشية في مواقف مشابهة، يراه آخرون ولاء وإخلاصًا، وتدبير وتخطيط وشدة في التنفيذ. وذلك منحه بطاقة عبور مباشرة إلى قصر علي بك الكبير الذي حكم مصر في الفترة ما بين 1768 – 1769. والذي كان يعتمد على مجموعة من الرجال ذوي البأس مثل محمد بك أبو الدهب للبطش بخصومه ومعارضيه ومثيري القلاقل في مناطق سيطرته.

رأى أن أحمد الجزّار سيكون إضافة نوعية لقواته، والرجل لم يخيب ظنّ سيده الجديد إذ قدّم له رؤوس أربعة من أشد أعدائه البدو بعد استعماله بفترة قصيرة، فمنحه لقب بك نظير جهده وعمله، وسلّمه مسؤولية إدارة القاهرة وإنفاذ القانون فيها، والتخلص من خصومه.

وهكذا وجد الشريد البوسني نفسه في القاهرة وقد صار من علية القوم. ولأول مرة يتبوأ منصبًا إداريًا يتعلم من خلاله إدارة الموارد وأحوال البلاد والعباد. ويرى عن قرب شيئاً آخر لا يقل أهمية وهو كيف ينقلب أصحاب السلطة المماليك على بعضهم بين عشية وضحاها.  

خرج الجزار من مصر بسبب الخوف على حياته بعد رفضه اغتيال صديقه المملوكي القديم، أمير الحج صالح بك القاسمي، الذي رأى فيه علي بك الكبير منافسًا قويًا له على منصبه. ولفضل الرجل على أحمد باشا الجزار، بل وأنه السبب الذي قاده للعمل لدى علي بك الكبير نفسه. رفض الأمر ففر عبر الإسكندرية إلى الشام عام 1768 يطارده للمفارقة رفيق سلاحه بالأمس محمد بك أبو الدهب، والذي للمفارقة كذلك سينقلب على علي بك الكبير بعدها بأعوام قليلة ويقتله. هي 12 عامًا قضاها في مصر صقلت شخصيته وموهبته وساهمت بتشكيل نظرته للدولة والسياسة والتحالفات فيما بعد بشكل كبير.

الهروب من مصر.. العجوز والقلعة

«لم نخلق حتى نهزم»– إرنست همنجواي، رواية العجوز والبحر

انتقال أحمد باشا الجزار إلى الشام ما كان إلا هجرة أخرى، وبداية جديدة. خصوصًا أنه ترك كل ثروته خلفه في مصر كما تشير المصادر، وقد حاول مرارًا التخفي بزي أرمني ودخول مصر لاستراجع أمواله. لذا فقد كانت بدايته في الشام صعبة حتى قيل أنه باع ملابسه من شدة الفقر. لكن يبقى هناك فارق واحد هذه المرة؛ الخبرة التي راكمها في مصر، والتي ستكون مفتاحه قريبًا.

تنقل الجزار في بداياته من عمل لآخر ومن خدمة لأخرى. وشهدت فترة  إقامته الأولى هناك تقلبات في تحالفاته واصطفافاته السياسة حسب مقتضيات الحاجة. سعى جاهدًا للحصول على منصب في إحدى مدن الشام الساحلية فلم يتمكن حتى كان عام 1772 عندما أوكل إليه الصدر الأعظم العثماني عثمان باشا الوكيل مهمة مساعدة الأمير يوسف شهاب أمير جبل لبنان بتحصين مدينة بيروت، والدفاع عنها بوجه الشيخ ظاهر العمر الزيداني عدو الدولة العثمانية اللدود وحاكم مدينة عكا وما حولها مدعومًا بالبحرية القيصرية الروسية التي كان حليفًا لها.

دخل الجزّار مدينة بيروت مع جيش كان قد شكله المغاربة أساسًا، وقام بتحصين المدينة وزيادة دفاعاتها. لكن وبدل من أن يقوم بالمهمة الموكلة إليه يعلن رفضه الخروج من المدينة وتحصن بها مع قواته بمسوغ أن وجوده دفاع عن مصالح الدولة العثمانية، وهو التصرف الذي أعجب والي دمشق العثماني. لذا رفض طلب الأمير يوسف إخراج رجله من المدينة، إذ كان بالنسبة له أن رجلاً قويًا مثل الجزّار سيمنع سقوط موانئ ومدن ساحلية أخرى بيد ظاهر العمر الزيداني وغيره من ذوي النزعة الاستقلالية، وسيحدّ من تطلعاتهم في التوسع شمالاً، بل ويشكل قاعدة متقدمة للانطلاق باتجاه شمال فلسطين ذو النزعة الاستقلالية، ما يصب حتمًا في مصلحة الدولة العثمانية. بحسب دارسي سيرة الرجل فإن هذه الحادثة شكلت نقطة انطلاق  انطلاق لمسار أحمد باشا الجزار السياسي في سوريا.

لم يترك أحمد باشا الجزّار المدينة إلا بعد حصار وقصف استمر لأربعة شهور من المدفعية البحرية الروسية التي استعان بها هذه المرة الأمير يوسف عن طريق عدوه القديم وحليفه الجديد الشيخ ظاهر العمر، وبعد أن حصل الجزّار على ضمان من ظاهر العمر بخروجه ورجاله أحياء. انتقل بعد الحصار للعمل في خدمة عدوه بالأمس ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا والجليل الفلسطيني الأعلى.

«إيكونوميست»: كيف أصبح صلاح الدين الأيوبي بطلًا عند الغرب؟

تكفلّ الجزار ورجاله في هذه الفترة مهمة جمع الضرائب من المناطق الفلسطينية الممتدة من عكا وحيفا حتى مدينة القدس. حاول خلالها التقرب من والي القدس العثماني للعمل لديه، لكن الوالي خشي من أن الجزار يخدعه و يخطط لاحتلال المدينة لصالح ظاهر العمر الزيداني دون مقاومة، وتنتهي علاقة الجزار بالشام ومشيخاته بنهبه أموال الضرائب الخاصة بالزيداني ويفر بها إلى والي دمشق الذي استقبله بالترحاب، ومن هناك يشد الرحال إلى إسطنبول حيث استغل شخصيته ودهائه وإنجازاته في إقطاعه إدارة ولاية صغيرة في الأناضول.

عاد الجزّار بعد الصلح بين الإمبراطورية العثمانية والروسية عام 1775 حاكمًا إلى عكا التي نقل عاصمة ولاية صيدا إليها بعد أن قضى مع الأسطول العثماني على مشيخة ظاهر العمر الزيداني ولي نعمته حتى الماضي القريب، ولم ينته عام 1776 حتى منح الجزّار نفسه لقب باشا من الباب العالي في اسطنبول وصار رسميًا واليًا على المناطق من عكا شمال فلسطين حتى صيدا في جنوب لبنان.

أمضى الجزار السنوات التالية في هوايته المفضلة من أيام مصر بإخماد جيوب التوتر في مناطقه، فأخضع الشيعة في جبل عامل، والدروز في جبل لبنان. ولم ينس تحصين وتقوية عاصمته الجديدة، وجر الماء إليها، وبنى فيها سوقًا وجامعًا باسمه ومرافق أخرى حيوية. وبحلول العام 1786 كان أحمد باشا الجزّار الرجل العثماني الأقوى في كل الشام.  

الجزار ونابليون.. أوجه شبه لا تغيب بين الداهيتين

في الوقت الذي كان أحمد باشا الجزار يذلل العقبات، ويتجاوز الخصوم والصعاب واحدًا تلو الآخر في بلاد الشام في سبيل تثبيت حكمه، كان هناك بنفس الوقت شخصًا آخر في القارة الأوروبية يخوض كذلك الحروب وينتصر بها معركةً بعد الأخرى حتى أخضع الممالك الإيطالية والإمبراطورية النمساوية. بفارق واحد عن الجزار هو الزمن المستغرق في تحقيق أهدافه حتى ذلك الوقت.

كان ضابط المدفعية الشاب الفرنسي نابليون بونابرت قد واظب على إدهاش القادة العسكريين بتكتيكاته العسكرية المبتكرة، وبتوظيفه قواته على أحسن وجه لتحقيق انتصارات ساحقة وسريعة، خصوصًا سلاح المدفعية الذي تخصّص به، ومثل الجزّار الذي خاض معارك طاحنة ضد أعداء الدولة الداخليين والخارجيين. كان نابليون كذلك في صف الجمهوريين الفرنسيين ضد الملكيين دعاة العودة إلى الملكية في فرنسا، ولا أدل على ذلك من مجزرته بحق 1400 من الملكيين عام 1795 بعد أن استعان به المؤتمر الوطني لحمايتهم.

مثل أحمد باشا الجزار، ترك الشاب الفرنسي المنحدر من أصول نبيلة إيطالية جزيرته التي ولد فيها كورسيكا إلى فرنسا وتعلم في صغره اللغة الفرنسية التي ظل يتحدث بها بلهجة كورسية واضحة طيلة حياته. وإن كان الجزار قد عمل في سلك البحرية الذي لم يستمر به طويلاً، فإن حلم نابليون الصغير كان الالتحاق بالبحرية الملكية البريطانية، قبل أن يعدل عن فكرته، ويدرس ليصير ضابط في المدفعية الملكية الفرنسية.

وإن كان الجزّار قد تنقل في خدماته وولائه، فإن المصادر تشير إلى أن بونابرت طلب بعد مقتل قائده المباشر روبسبير عام 1794 بأن يتم نقله إلى إسطنبول، لأنه كان يفكر في عرض خدماته على الباب العثماني العالي إلا أنه فشل في ذلك وعزل من منصبه وساءت أحواله قبل أن تتحسن مرة أخرى لاحقًا.

ربيع عكا.. الطريق إلى صفحات التاريخ الخالدة

عكا لا تخشى هدير البحر. * مثل شعبي قديم من المدينة

جاء حصار عكا في وقت كانت قد استجدت فيه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر مجموعة من المتغيرات على المستوى العالمي. إذ كان يبزغ نجم قوى سياسية وعسكرية جديدة مثل فرنسا وبريطانيا، كانت الدولة العثمانية قد بدأت العد التنازلي لأفول نجمها. فأوروبا الناهضة مؤخرًا، كانت قد رمت عن كاهلها عصورًا من الظلام والتخلف. وبدأت كوحش هائج تتوسع يمينًا وشمالاً مدفوعة بحاجتها للموارد من أفريقيا والشرق الأوسط لتلبية احتياجات مصانعها، وإيجاد أسواق لمنتجاتها.  

تعرف إلى أقدم 10 مساجد تاريخية في فلسطين

وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريات الأوروبية تتحد ضد العثمانيين، كان ولاة الدولة العثمانية في بعض المناطق ينفصلون بولاياتهم ويمتنعون عن دفع الضرائب للخزينة السلطانية نتيجة لضعف السلطة المركزية في إسطنبول، فانتزع الجيش القيصري الروسي المقاطعات العثمانية التي تشكل دولة رومانيا اليوم، والجيش الإمبراطوري النمساوي انتزع بلاد الصرب وعاصمتها بلجراد، أما نخبة القوات العثمانية المقاتلة المعروفة بالإنكشاريين فكانت تعاني الترهل الإداري، واعتادت التمرد على الأوامر السلطانية وتعيث فسادًا حيثما حلت.

إذ ذاك أكد الأوروبيون تفوقهم على الأسطول البحري العثماني، وسيادتهم على البحار، وتفوقهم في صناعة السفن الحربية، وإدخال المدفعية سلاحًا رئيسًا للقوات البحرية والبرية. بينما كان العثمانيون في نفس الوقت لا يزالون يفكرون بكيفية تحديث الجيش، وتحسين تسليحه، وإنشاء قوات عسكرية جديدة أكثرة قدرة وكفاءة من الجيش الإنكشاري، وأكثر طاعة للسلطان وأوامره.

في ظل هذه الظروف علم أحمد باشا الجزّار بالاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798، وبحسب الروايات التاريخية  فإنه بدأ بتحصين عاصمته مباشرة منذ ذلك الحين، واستعد لحصار عكا قبل عام كامل من وقوعه لعلمه بنوايا الفرنسيين مسبقًا، وأنهم قادمون لا محالة طال الوقت أم قصر. ولم يخب ظن الرجل، إذ توالت أخبار الحملة الفرنسية على مصر، وقرارها بالتوجه على طول الخط الساحلي لصحراء سيناء باتجاه خان يونس ومدينة غزة فالرملة ثم عكا التي بلغ نابليون أسوارها في مارس (آذار) عام 1799. الهدف هو القضاء على الوجود العثماني في الشام، وقطع خط تجارة إنكلترا مع مستعمراتها في الهند.

لهذا السبب كانت المعركة تعني الإنجليز كذلك وليس فقط العثمانيين. لذا فإن أسطول بحري إنجليزي حط رحاله في ميناء عكا قبل وصول جيوش بونابرت بثلاثة أيام، وساعد طاقمه أحمد باشا الجزار بتحصين المدينة، وتزويدها بمجموعة من المدافع والذخيرة والرجال لصد الهجوم الفرنسي. ثم أن الأسطول الإنجليزي تموقع قبالة سواحل المدينة، وموضع مدافعه بحيث تقدم الدعم اللازم للمدينة من جهة، وتقطع خطوط الإمداد التي قد تحاول الوصول إلى القوات الفرنسية من جهة أخرى.

داخليًا، بنى أحمد باشا الجزار مرابض للمدفعية وشيّد خندقًا حول سور المدينة بعمق ثمانية أمتار، ونصب قرابة 250 مدفعًا بأحجام مختلفة للدفاع عنها بالإضافة إلى كميات كبيرة من البارود كذلك، وخزّن المؤن من الغذاء والقمح والأرز ووفّر كميات كافية من المياه في الفترة التي سبقت وصول الجيش الفرنسي إلى عكا. وذلك استعدادًا لوقت الحصار وغيرها من مستلزمات الصمود.

 

كان يعتقد نابليون أن المدينة لن تصمد في وجه الهجوم لأكثر من أسبوع أو اثنين، لذا فقد بدأ هجومه بحرب نفسية من خلال رسالة يتهدد فيها أحمد باشا الجزار، ويطالبه بلغة استعلائية تسليمه المدينة دون قتال خصوصًا أنه لا فائدة أو طائل من قتل رجل عجوز كما أشار في رسالته. إلا أن رد أحمد باشا الجزار الرافض، والمتحدي بالدفاع عن المدينة حتى آخر قطرة دم هو ورجاله أفهم نابليون أنه لا مناص من الحرب.

في 19 مارس (آذار) 1799 بدأت المعركة. وقامت المدفعية الفرنسية بقصف قلاع المدينة وأسوارها بهدف إحداث ثغرات في سور المدينة يستطيع منها الجيش الفرنسي الدخول. أدى القصف المستمر إلى إحداث بعض الثغرات والتي مكنت  الفرنسيون من الدخول جزئيًا للمدينة، ولكن جنود أحمد باشا الجزار تمكنوا من صد محاولاتهم المتكررة. وكان أحمد باشا الجزار نفسه يقود جنوده على الجبهة الأمامية للتصدي لهجمات الجيش الفرنسي ليرفع من معنويات الجنود على الصمود. مع استطالة أمد الحصار بدأ الجيش الفرنسي بالتقهقر لهبوط معنوياته، على العكس من جنود الجزار الذين ارتفعت معنوياتهم كلما صمدوا أكثر.

أمر نابليون بونابرت بهجوم آخر في أوائل أبريل (نيسان)، جرح فيه و قتل جميع أفراد القوة المهاجمة تقريبًا. بعدها بدأ نابليون يتيقن بصعوبة دخول المدينة، وصار ظنّه بدخول سريع للمدينة يتبخر، لذا طلب المزيد من المدافع والرجال، واستمر القصف المتبادل والقتال من الجانبين حتى فتك أحمد باشا الجزار بالجنود الفرنسيين في كمين محكم في أحد أبراج المدينة الذي أحدثوا فيه ثغرًا وتسلّلوا إلى داخل المدينة.

ترك أحمد باشا الجزار الفرنسيين يتسللون دون مقاومة واستدرجهم إلى الداخل إذ تم تطويقهم ومن ثم قتلهم جميعًا عند منطقة حدائق الجزار في مدينة عكا اليوم. وكان من بين القتلى جنرالان وبعض ضباط أركان الحرب.

تكررت هذه الخسائر الفادحة التي أدت لفقدان نصف الجنود الفرنسيين تقريبًا ما أقنع نابليون باستحالة احتلال المدينة، لذا قرر الانسحاب وفك الحصار عن المدينة. ثم أنه أمر أثناء انسحابه بقذفها بكل ما لديه من مدافع وذخيرة لأربعة أيام متوالية لتدمير عكا. وبذلك انتهى حصار امتد 63 يومًا من 19 مارس 1799 إلى 20 مايو من السنة نفسها. وقد كانت هذه المعركة البرية الوحيدة التي خسرها نابليون حتى ذلك الوقت. بدأ نابليون محاولة كسره لعكا بجيش قوامه 9000 مقاتل، وعاد بـ2300 قتيل، و2200 جريح بإصابات بليغة.

عاش أحمد باشا الجزار بعد ذلك خمسة أعوام، حاول خلالها إقناع إسطنبول والسلطان سليم الثالث، بتوليته مصر – حلمه القديم- إلى جانب الشام. إلا أنه توفي قبل أن يتحقق الحلم الأخير في عام 1804 بعد معاناته مع مرض يبدو من وصفه أن كان الملاريا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد