ما يزال مخيم «عين الحلوة» أكبر مخيمات الشتات الفلسطيني في لبنان مسرحًا يشهد العديد من الأحداث الناجمة عن تصفية حسابات إقليمية، ومحلية على أرضه التي تحوي أيضًا 80 ألف نسمة، هم من اللاجئين.

فشؤون هذا المخيم لا تخص الفصائل الفلسطينية وحدها، فحتى المخابرات السورية استخدمت توظيف الصراعات لصالحها، أما اليوم فقد انتقل تنظيم «حزب الله»، وعناصر تلتحق بـ«تنظيم الدولة» إلى ساحة المخيم، هذا المخيم الذي تتغير ظروفه دائمًا نحو الأسوأ، فلا الوعود تتحقق، ولا يكف اللاجئون الفلسطينيون في سوريا عن اللجوء إليه لتزداد المعاناة.

«عين الحلوة» تحت نيران القذائف

السبت الماضي، شهد مخيم «عين الحلوة»، وتحديدًا الشارع «الفوقاني» الواقع بين منطقتي البركسات والصفصاف اشتباكات مسلحة، كانت تلك الاشتباكات بين عناصر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) من جهة، ومسلحين إسلاميين من جماعة «بلال بدر» من جهة أخرى.

انفجار في مخيم عين الحلوة (المصدر: الجزيرة نت)

الاشتباكات التي أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين، استخدمت فيها لأول مرة قذائف الهاون، وقذائف مباشرة من عيار 106، والرشاشات الثقيلة، حسب وكالة «معًا» الإخبارية الفلسطينية، حتى أن يوم زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان شهد انفجار قنبلة يدوية، ليحتل هذا الوضع الأمني للمخيم حيّزًا من محادثات عباس مع المسؤولين اللبنانيين.

طفل مصاب في المخيم (مصدر الصورة: نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي)

لذلك يرى الكاتب هيثم زعيتر إن ما جرى كان متوقعًا بالتزامن مع زيارة عباس، ويقول: «إصرار بعض الأطراف على توتير الوضع، وتحويل المخيم إلى صندوق بريد لصالح أجندات خارجية، إضافة إلى تضرر العديد من الأطراف من التنسيق الحاصل بين الجانبين اللبناني والفلسطيني«.

أما المدير العام لـ«هيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين»- صيدا
«علي هويدي»، فيقول إن: «ضراوة وشراسة الاشتباكات أجبرت جميع الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية على تشكيل لجنة أمنية مشتركة بصلاحيات مفتوحة، للأخذ على يد كل من تسول له نفسه العبث بالأمن الداخلي للمخيم، وهذا غاية في الأهمية مع التنسيق الأمني بين القوى الفلسطينية، واللبنانية؛ لتجنيب المخيم والجوار اللبناني أية تداعيات»، مشيرًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أنه للمرة الأولى تم اتخاذ قرار بإضراب مدينة صيدا كاملة بمؤسساتها الرسمية والخاصة؛ استنكارًا للأحداث.

هل يوجد «تنظيم الدولة» في المخيم؟

تعتقد المخابرات اللبنانية، وتنظيم «حزب الله»، وبعض القيادات الفلسطينية أن مخيم «عين الحلوة» يضم خلايا محلية لـ«تنظيم الدولة»، وتؤكد هذه الجهات أن الكثير من اللاجئين الفلسطينيين انضموا إلى تنظيم الدولة وجبهة النصرة التي تعرف بـ«فتح الشام»، مسمية حي التعمير في المخيم معقلًا لهذه التنظيمات المتطرفة، بل تحمل تلك الخلايا مسؤولية وقوع سلسلة من الهجمات المسلحة داخل المخيم.

وقد تمكن الجيش اللبناني في سبتمبر (أيلول) الماضي من اعتقال أمير التنظيم عماد ياسين خلال عملية أمنية في المخيم، وتقول المصادر الأمنية اللبنانية إن ياسين الذي انشق قبل سنوات عن تنظيم عصبة الأنصار، ثم أعلن مبايعته لتنظيم الدولة: «كان يعتزم تنفيذ عمليات وُصفت بالأمنية في جنوب لبنان»، وتستشهد هذه الجهات أيضًا للتدليل على وجود خلايا للتنظيم بسلسلة محاولات اغتيال لمسؤولين أمنيين فلسطينيين نفذها عناصر من تنظيم «جند الشام»، وهو تنظيم يشاع أنه يسعى إلى السيطرة على المخيم الذي تسيطر عليه حركة فتح.

على النقيض، ترى مصادر فلسطينية أن الحديث عن وجود تنظيمات إرهابية في مخيم عين الحلوة، كتنظيم «جبهة النصرة»، أو «تنظيم الدولة» غير واقعي، إذ تقدر اللجان الشعبية في المخيم أن أكثر من 90% من المطلوبين داخل المخيم ارتكبوا جنحًا كإطلاق نار في الهواء، أو تجاوزات مالية، أو مشاكل مع الجيران، ولجؤوا للمخيم الذي تمارس فيه الفصائل الفلسطيني نوعًا من الأمن الذاتي، فالجيش اللبناني لا يدخل بموجب اتفاق ضمني بين الفصائل الفلسطينية والسلطات اللبنانية.

ويرى هؤلاء أن هناك مجموعة ممن يعتبرون أن فكر النصرة أو «تنظيم الدولة» يمثّلهم، لكن هذا لا يصل إلى الارتباط التنظيمي الواسع؛ يقول قائد القوة الأمنية الفلسطينية في المخيمات منير المقدح: «كل ما يُحكى هو مضخم، ونحن كقوة أمنية لدينا سطوة كبيرة وقادرون على فرض الأمن وإجهاض أي محاولة، نسيطر على الوضع بشكل كامل، ولا داعي للقلق».

ويتهم المقدح الإعلام اللبناني بالتجييش، ونشر أخبار مغلوطة حول وجود التنظيم في مخيم عين الحلوة، ويضيف: «الإعلام في وادٍ ونحن بعين الحلوة في وادٍ آخر، والعناصر الموالية لـ(تنظيم الدولة) في المخيم لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة».

عين الحلوة و«جدار العار»

«قريبًا سيرسم أطفال عين الحلوة لوحات عن فلسطين، والحرية على جدار العار«، هذا ما كتبه أحد الفلسطينيين على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك«، تعقيبًا على قيام الجيش اللبناني ببناء جدار حول مخيم «عين الحلوة» رغم عدم اتخاذ مجلس الوزراء اللبناني قرار بنائه.

جدار مخيم عين الحلوة (المصدر: الجزيرة نت)

وصف البعض هذا الجدار الذي أعلن لاحقًا الجيش اللبناني توقف بنائه بـ«جدار الفصل العنصري»، و«جدار العار»، فقد كان مشهد الجهة الغربية للمخيم، والتي شهدت بناء جدار إسمنتي مرتفع مع أبراج مراقبة مؤلمًا للغاية، وقد ذكر موقع «المدن» أن السلطات اللبنانية قررت بناء جدار بارتفاع أربعة إلى خمسة أمتار، على كامل حدود المخيم لتسييج حياة نحو 120 ألف شخص داخل المخيم.

وأشار الموقع إلى أن العمل كان «سيستغرق نحو 15 شهرًا نظرًا لدقة العمل ووظيفته الأمنية، والتنفيذ يجري تحت إشراف ضباط من الجيش اللبناني، والعملية تسير وفقًا لما هو مرسوم لها»، ولمح الموقع حسب مصادره إلى أن: «شركة المقاولات التي لُزمت المشروع، وقامت بتلزيم شركات صغيرة أعمال تنفيذية في المشروع (كما هو سائد في لبنان)، ربما تكون عائدة إلى مقربين من شخصية لبنانية غير مدنية بارزة».

وجاء في بيان الجيش اللبناني لإعلان وقف بناء الجدار أن: «ما يجري تنفيذه هو سور حماية في بعض القطاعات التي لا تشرف على التجمعات السكنية يهدف إلى الحفاظ على سلامة المخيم، ومنع تسلل الإرهابيين إليه«، وأضاف البيان: «هذا الموضوع قد جرى الاتفاق عليه مسبقًا بين مسؤولي الفصائل الفلسطينية، ومديرية المخابرات«.

حزب الله يريد تأمين طريقه إلى الجنوب

في أبريل (أيار) الماضي، كُشف النقاب عن مشاركة عناصر تابعين لـ«سرايا المقاومة» التي تعد ذراعًا عسكرية لحزب الله في غير بيئته الشيعية في اشتباكات وقعت في مخيم «عين الحلوة».

«سرايا المقاومة» التي يحصل المنتمون لها على رواتب، ويؤمن لهم الحزب الغطاء الأمني والدعم اللوجستي، ليست التنظيم الأول الذي يحسب على حزب الله في المخيم، فقد دخل تنظيم «أنصار الله» الذي تشكل في أغسطس (آب) عام 1990، تحت عباءة الحزب قبل أن ينفصل عنه إثر تنحي أمينه العام جمال سليمان؛ لاعتراضه على مشاركة الحزب في القتال بسوريا.

 

ويصر الحزب على أن لتنظيم الدولة والنصرة مجموعات وتنظيمات في المخيم، ويلعب كثيرًا على وتر تهديد الأمن القومي اللبناني، واحتمال أن تشن هذه التنظيمات هجمات، ولذلك يربط النائب اللبناني معين المرعبي بين تزايد الحديث عن وجود «تنظيم الدولة» في مخيم عين الحلوة، وبين مخطط حزب الله الرامي إلى تهجير السنة من صيدا وعرسال، ويوضح المرعبي أن: «الحزب يستخدم الوضع الحالي المتردي من أجل إيصال الأمور إلى درجة من التصعيد تجعل أهالي المخيم في حالة شديدة من اليأس، وتضعهم في مواجهة مع محيطهم، ومع القوى الأمنية على وجه الخصوص».

ويهتم الحزب لأمر المخيم الذي يعتبر الشريان الأساسي الذي يصل بيروت بالجنوب معقل «حزب الله»، إذ يزداد تخوفه من أن تعترض مجموعات منظمة الطريق في صيدا، يقول الباحث غير المقيم في مبادرة سلام، وأمن الشرق الأوسط في مركز «برنت سكوكروفت» «نيكولاس بلانفورد»: «حزب الله يهمّه مخيم عين الحلوة، فهو قريب من المناطق التي يسكنها الشيعة، وقد عقد الحزب اجتماعًا نادرًا مع مسؤولين من عصبة الأنصار، والحركات الإسلامية المجاهدة لنقاش الخطر المحتمل الذي يشكّله الجيل الجديد من الجهاديين في عين الحلوة».

ويضيف: «حيث تؤكد حقيقة جلوس حزب الله إلى الطاولة نفسها إلى جانب ممثلي مجموعتين سلفيتين متطرفتين (لكنّهما واقعيّتان هذه الأيام) على مخاوفهم المشتركة من وجود متطرفين في عين الحلوة».

من جانبه، يؤكد المحامي اللبناني نبيل الحلبي أن: «هناك تواجدًا لبعض المسلحين المحسوبين على حزب الله، يثيرون المشاكل كل فترة من أجل زعزعة استقرار المخيم، كونهم يخشون من السلاح الفلسطيني في الجنوب»، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «بالتالي هدفهم إدخال المخيم في أتون الفوضى، بحيث تعلو المطالبات اللبنانية والدولية بضرورة اقتحام المخيم، وسحب السلاح الفلسطيني، ثم إلقاء القبض على عدد من الشبان المعارضين للحزب، وللنظام السوري في المخيم»، ويؤكد الحلبي أن تخوف الحزب قائم منذ زمن، وهو يحاول افتعال المشاكل، لكن الآن استغلت مجموعته إشكالًا عائليًّا.

الوضع الإنساني يتفاقم

لن يكون مخيم «عين الحلوة» أكبر المخيمات الفلسطينية في الشتات حمل المزيد من المعاناة التي نتجت عن الاشتباكات سابقة الذكر، فبينما دخل المقاتلون إلى المخيم عجلت العائلات بالنزوح بعد أن أغلقت المحال التجارية والمدارس، وأعلنت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إغلاق مؤسساتها التربوية والصحية من معاناة السكان.

ففي المخيم الذي يقيم فيه حوالي 80 ألف شخص بالقرب من تخوم مدينة صيدا، لاجئو سوريا انضموا خلال الأعوام الماضية لسكان المخيم، ليتحمل الجميع الثمن الأكبر للفوضى الأمنية من اكتظاظ سكاني، ونقص كبير في البنى التحتية، والمستلزمات الصحية، كما تمنعهم القوانين اللبنانية من تملك العقارات، أو ممارسة الأغلبية العظمى من المهن الحرة.

يرجع الباحث في شؤون اللاجئين الفلسطينيين، ورئيس لجنة فلسطينيي سوريا في لبنان «إبراهيم العلي« حالة من الاحتقان والغليان في المخيم للعديد من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، ويقول: «مخيم بمساحة لا تتجاوز كيلومترًا مربعًا يعيش فيه حوالي 80 ألف لاجئ، ومحاط من كل بواباته بحواجز للجيش اللبناني، ولا يسمح بالدخول للمخيم سوى لأبنائه، وغير ذلك لا يسمح له بالدخول إلا بتصريح أمني».

ويشدد «العلي» على أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان محروم من ممارسة أكثر من 70 مهنة، وبالتالي فهو يعاني من أوضاع اقتصادية غاية في السوء، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «هذه الأزمات المتكررة تفاقم من معاناة اللاجئ، فهو في كل اشتباك يفقد جزءًا من بيته، أو أثاثه، أو سيارته، أو أبنائه؛ مما يجعلها في حالات من الإحباط والتخبط، لقد بدأ الناس في المخيم يبيعون بيوتهم بثمن بخس، ويفكرون في الهجرة، أو البحث عن سكن مستأجر في مناطق خارج المخيم».

من جهته، يحمل المدير العام لـ«هيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين»- صيدا
«علي هويدي» الحكومة اللبنانية و(الأونروا) جزءًا من المسؤولية لما آلت إليه الأمور، ويقول: «تتحمل هذه الجهات مسئولية عدم توفير الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية للاجئين، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة والازدحام السكاني في مخيمات بقيت على نفس المساحة على الرغم من زيادة أعداد اللاجئين لأكثر من أربعة أضعاف، وبوجود أكثر من ثلاثين ألف لاجئ فلسطيني مهجر من سوريا، وتتحمل الأونروا مسؤولية عدم توفير كافة الخدمات، لا سيما الصحية منها».

ويشدد هويدي على أن عدم توفير هذه الخدمات الإنسانية يفاقم من الأوضاع الاجتماعية والأمنية، وحتى سيُصبِح هناك عملية استغلال للشباب من هذا الفريق، أو ذاك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد