ساحة لا تهدأ فيها الاشتباكات، أصوات إطلاق نار لا تتوقف، كل شيء في المكان يويحي بأنه ثكنة عسكرية، السواتر الترابية، المسلحون المنتشرون في كل مكان، فوهات البنادق المتأهبة للنزاع المسلح.

“عين الحلوة” ذاك المخيم ذو مساحة لا تتجاوز الكيلومترين المربعين، يقطنه أكثر من 100 ألف لاجئ فلسطيني على أرض لبنان، هذا المخيم يعج بالتنظيمات المعادية لبعضها البعض بل بمعاداة المنشقين من الحزب الواحد لبعضهم، ويزيد الطين بلة بتحول المخيم لملجأ للفارين والمخالفين للأجهزة الأمنية اللبنانية.

وللوقوف على حال المخيم بشكل أكثر تفصيلًا، أعد “ساسة بوست” التقرير التالي:

ما هي التنظيمات التي تتواجد في “عين الحلوة” الآن؟

قبل البدء بالحديث عن أزمة مخيم “عين الحلوة” الأخيرة، علينا الوقوف على حال القوى والتنظيمات المسيطرة الآن على المخيم، حيث يضمّ عين الحلوة عددًا كبيرًا من الأحزاب السياسية، أولها حركة فتح ذات الوجود العسكري والاجتماعي الكبير في المخيم، وحركة حماس ذات الوجود الأقل، وتوجد أيضا بعض التنظيمات التي تصنف بأنها معتدلة، ومنها، «الأمن الوطني الفلسطيني – فتح» بقيادة «اللواء» صبحي أبو عرب، والمجموعات التابعة لإمرة «العميد» محمود عيسى (ملقّب بإسم «اللينو») المفصول عن حركة «فتح – رام الله». واختفت في الفترة الأخيرة من المخيم التنظيمات الموالية للنظام السوري، مثل «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» و«القيادة العامة» و«الجبهة الديمقراطيّة».

أما التنظيمات الأخطر والتي غيرت خارطة المخيم التنظيمية في الفترة الأخيرة، فهي التنظيمات السلفية الجهادية مثل “عصبة الأنصار” التي تأسّست في أوائل التسعينات وجعلت منطقة التعمير أشبه بدويلة إسلامية داخل مخيم عين الحلوة، منطقة لا يمكن لا لفتح ولا لغيرها التدخل فيها، “جند الشام” اللبنانية التي تشكّلت في عام 2004.

ويعد تنظيم “فتح الإسلام” المنشق عن تنظيم فتح الذي يقوده الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أحد أهم التنظيمات في المخيم، فهو تنظيم موالٍ للقاعدة وقد اتخذ من مخيم عين الحلوة معقلا رئيسيا له بعد أحداث نهر البارد في 2007، ويسعى التنظيم شأنه شأن باقي المجموعات المتطرفة الأخرى للسيطرة على المخيم، الأمر الذي يثير مخاوف كبيرة، وتوجد في المخيمات تنظيمات موالية لحزب الله أبرزها مجموعات سرايا المقاومة التي أسسها الحزب في المناطق لمجابهة وجود القوى الإسلامية السنية في المخيم.

ويضاف إلى هذا الكاهل التنظيمي الذي يثقل مشاكل المخيم، هروب المطلوبين للحكومة اللبنانية ومن تصدر بحقهم مذكرات أو أحكام قضائية، حيث تحول المخيم إلى جزر أمنية خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية، ويقال أن عددهم يتراوح بين 400 و6000 مطلوب بحسب قائد قوات الكفاح المسلح السابق محمود عيسى الملقب بـ«اللينو».

 كيف تطورت الأحداث الأخيرة داخل المخيم؟

رغم أن جملة من الأسباب تقف وراء الصراع في مخيم عين الحلوة، منها أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، إلا أنه يمكن حصر السبب الرئيسي في تزايد نشاط التنظيمات الإسلامية المتطرفة وانضمامها للصراع على جبهة المخيم.

يمكننا إجمالًا في البداية توضيح أحوال القوى المسيطرة في المخيم، حيث يعد “عين الحلوة”، مخيمًا فلسطينيًا في لبنان لا وجود فيه للسلطة اللبنانية منذ العام 1969 وتم ذلك عندما وافقت الحكومة اللبنانية على اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية لوقف الاشتباكات التي وقعت بين الجيش اللبناني وفصائل فلسطينية، وحدث في عام 2006 حوار بين القوى السياسية اللبنانية، بضرورة تنظيم وجود السلاح في المخيمات الفلسطينية بلبنان ومن ضمنها عين الحلوة، إلا أن هذا البند من الحوار لم ينفّذ لأسباب إقليمية أيضًا، وأخرى فلسطينية تتعلق بإعطاء حقوق مدنية للفلسطينيين، وبقيت الأمور هادئة حتى اندلعت الأحداث السورية، حيث دخلت فصائل فلسطينية على خط الأزمة وانقسموا بين التأييد والمعارضة لنظام السوري وحزب الله.

اليوم وبعد أن كان المخيم مقسمًا بين جماعة حماس وفتح و بعض التنظيمات الإسلاميّة المحدودة، أصبح التيار السلفي الجهادي هو المُسيطر، حيث تحولت أحياء وأزقة المخيّم إلى بؤر أمنية صغيرة وشبه مفصولة عن بعضها، وأصبحت تلك الجماعات اليوم المبادر للتفجير، وهي صاحبة النفوذ الأمني والعسكري.

هذا الانقسام أدى إلى وجود نفوذ أمني وعسكري للتنظيمات المتطرفة تزايد يومًا بعد يوم، ومن أبرز هذه التنظيمات، «الشباب المسلم» و«جند الشام» و«فتح الإسلام»، حيث أصبحت ذات أثر كبير في أحداث المخيم وذلك بعد تناميها باستقطابها الكثير من الشباب اللبنانيين والفلسطينيين والنازحين السوريين الذين وجدوا في ساحة المخيم، الملاذ الآمن الذي يُبعدهم عن يد الأجهزة الأمنية اللبنانية.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن “محاولات تجنيد مُقاتلين جُدد لصالح الجماعات الإسلاميّة المُتشدّدة في تصاعد مُستمرّ، حيث بلغت في الأيّام والأسابيع القليلة الماضية وتيرة مُرتفعة جدًا، بالتزامن مع محاولات تجميع أكبر عدد من هذه الفصائل تحت جناح واحد وقيادة واحدة”، ويستدل على تفاقم وجود التنظيمات المتطرفة، عدة حوادث منها الاشتباكات الأخيرة بين «فتح» وتنظيم «الشباب المُسلم» الذي أظهر مدى التحول في النفوذ الإسلامي داخل المخيم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكاثر عمليّات الاغتيال والتصفية الفرديّة، بالتزامن مع تراجع دور «اللجنة الأمنيّة» المُشتركة، بسبب انقسامات داخليّة، فالجماعات الإسلاميّة المتشدّدة فيها ترفض التدخّل.

هل ينجر المخيم نحو الحرب الدموية أم أن هناك خيارًا آخر؟

“تجاوز كل الخطوط الحمراء .. وهو مقبل على شتى الاحتمالات الأمنية”، هكذا وصفت مصادر فلسطينية الوضع الأمني في مخيم عين الحلوة، فمع استمرار وقوع الاشتباكات وسيرها نحو الأسوأ فانفجار الوضع قاب قوسين أو أدنى من مخيم “عين الحلوة”.

وتصاعد التوتر بعد اغتيال القيادي في “فتح” طلال البلاونة المشهور بـ”طلال الأردني” فرغم تأكيد مصادر فلسطينية بأن خلاصة الاتصالات واللقاءات بشأن إطلاق النار المتنقل في أكثر من منطقة بين عناصر من حركة “فتح” والتنظيمات المتطرفة أثمرت عن الاتفاق بضبط النفس وسحب العناصر المسلحة من الشوارع إلا أن الواقع لا يبشر بالالتزام بهذه التفاهمات. حيث يرى المحللون أن الجماعات المتطرفة لن تهدأ، بسبب عقلها الثأري والكراهية التي تختزنها ضد كل من يخالفها وعلى رأسهم الشيعة، حيث يتوقع أن تصطدم مع الشيعة.

وفيما يخص موقف الحكومة اللبنانية، فإنه في ظل الوضع المربك الذي نجم عن تراجع القوة الأمنية المشتركة في المخيم مقابل تقدم للمجموعات الأصولية والمتطرفة، أكد الجيش اللبناني للفصائل الفلسطينية أنه “إن لم تكن القوة الأمنية التابعة لها قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية في المناطق التي يعتقد بوجود جماعات إسلامية فيها فلتترك الجيش يتولى هذه المهمة”. ويعتبر وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق أن عين الحلوة من البؤر الأمنية الخطرة فـي لبنان، لوجود فارين من وجه العدالة فـيه، ولكونه مأوى لجماعات إسلامية متشددة تتّخذ التكفـير منهجًا لعملها.

و يتوقع المحللون خيارين أمام الوضع السابق، أولهما الحسم العسكري مع التنظيمات المتطرفة من أجل إنهاء حالة التوتر القائمة، وثانيهما تحقيق التهدئة ومعالجة الملفات لتجنب أي اقتتال داخلي، لكن مسؤولين أمنيين يستبعدون الخيار الأول ويقولون: “من غير الوارد الهجوم ببساطة على مخيم عين الحلوة من أجل التخلّص من جميع الجهاديين المختبئين فيه منذ سنوات. فمثل هذا الأمر قد يؤدّي إلى مقتل الكثير من الناس، ولا أحد يريد حربًا أخرى على غرار حرب مخيم نهر البارد عام 2007”. أما الخيار الثاني فيتطلب انتشار قوة أمنية مشتركة لتجنيب المخيم القتال.

ما هي تنظيمات حزب الله في عين الحلوة، وكيف اتخذت التنظيمات السلفية قرارًا بالقضاء على أي وجود لحزب الله؟

بسبب وجود “عين الحلوة” في منطقة حساسة، أي بين مدينة صيدا ذات الأغلبية السنية وحارة صيدا ذات الغالبية الشيعية. أدرك حزب الله أهمية وجود أنصار له في هذا المخيم، لذا يعد تواجد حزب الله اللبناني في مخيم عين الحلوة أمرًا غير سري، فواحد من أبرز التنظيمات المؤيدة للحزب هو تنظيم أنصار الله الذي تعود نشأته إلى أغسطس 1990، حيث كان هذا التنظيم يشكل كتيبة بحركة فتح لكن بسبب مساندته لحزب الله فصل عن الحركة، فانتقل إلى الدعم والرعاية لحزب الله، لكن معلومات نشرت في نهاية يوليو الماضي أكدت على خروج التنظيم من عباءة الحزب بسبب رفضه القتال بسوريا.

أما التنظيم الأهم الموالي لحزب الله الآن في المخيم فهو “سرايا المقاومة”، أنشأه حزب الله قبل نحو 18 عاما، ويعد هذا التنظيم أحد أبرز أوجه الصراع الآن في المخيم، حيث تتخذ التنظيمات المتطرفة في المخيم موقفا عدائيا منه بشكل جماعي، وهذا ما أدى لاغتيال عنصرين من السرايا في أبريل الماضي، ضمن عملية منظمة للقضاء على أي وجود مؤيد لحزب الله أو النظام السوري في عين الحلوة، حيث بلغ عدد من تم تصفيتهم من عناصر سرايا المقاومة منذ مطلع عام 2015 خمسة أشخاص، حيث تجمع الفصائل الفلسطينية على القول إنّ “مبررات قتل هؤلاء من قبل تجمع الشباب المسلم أنهم تابعين لحزب الله”، بالإضافة إلى اتهامات أخرى مثل “القتال في سورية، شتم الدين أو الصحابة أو العمل ضد مصلحة المخيم”.

في المحصلة هناك قرار اتخذ من قبل الجماعات السلفية لتصفية العناصر المحسوبة على حزب الله، وفيما يتعلق برد “حزب الله” على اغتيال عناصره في المخيم، فقد توعد الحزب الذي زف مؤخرًا من أسماه “شهيد الغدر والخيانة التكفيرية” الجماعات السلفية بالانتقام لدماء أنصاره، لكن المحللين يقرأون عدم رغبة لدى “حزب الله” بإشعال معركة داخل مخيم عين الحلوة، إذ ليس من مصلحة الحزب تفجير المخيم في الوقت الحالي، خصوصًا في ظل الضغط الذي يتعرض له في الداخل السوري، لكن كل ذلك حسب المحللين لا يمنع قيام الحزب بعمليات أمنية خاطفة تمنع التفجير الداخلي في المخيم.

ماذا عن الوضع الإنساني داخل مخيم عين الحلوة؟

في “عاصمة الشتات الفلسطيني” يعيشون اللاجئون أوضاعًا صعبة، فبينما تتولى أموره السياسية والأمنية لجنة من الأحزاب الفلسطينية، لا يجد أبناء المخيم أحدًا مسئولًا عن تحسين وضعهم الاقتصادي سوى «الأونروا»، تلك المنظمة التي بات الحديث عن تقليص حجم مساعداتها يهدد المخيم إنسانيا، فقرار وقف المساعدات عن المخيم بعد تزايد عدد اللاجئين فيه – بسبب لجوء الفلسطينيين من سوريا – من شأنه أن يفاقم الوضع الإنساني بانحراف المزيد من الشباب نحو الجماعات المتطرفة ذات المال الكثير.

وتقول المصادر المطلعة أن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تزداد سوءًا بعد نزوح عشرات الآلاف من الفلسطينيين والسوريين إلى المخيمات في لبنان، حيث كان «عين الحلوة» يضم 80 ألف لاجئ فلسطيني، لكن وبعد اندلاع الأزمة السورية في مارس 2011، ارتفع هذا العدد إلى 105 آلاف شخص، معظمهم من الفلسطينيين، ويعاني هؤلاء من وضع اقتصادي مزرٍ زادته القوانين اللبنانية بحق اللاجئين الفلسطينيين سوءًا ومعاناة.

ويشكل وجود أكثر مئة ألف لاجئ الآن في مخيم لا تتجاوز مساحته الكيلومترين المربّعين أزمة تعني أن محاولة أي طرف من الأطراف المتنازعة لبسط سيطرته بالقوّة العسكريّة على المخيم وقوع مجازر بحق المخيم والمنطقة المحيطة به، خاصة أن المخيم يعد أكبر مصدر لبيع السلاح والذخائر في لبنان، فعلى الرغم من إنهاء الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، وحصار المخيم من قبل الجيش اللبناني عسكريا يدل على أنه لا يزال قادرا على تصدير السلاح لتجار السوق السوداء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد