يمكننا أن نبدأ بنقطتين بالغتي الأهمية لمعرفتهما: الأولى هي ما حدث بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، عندما دُمّر برجا التجارة العالميان، من قبل تنظيم القاعدة، باستخدام طائرتين تجاريتين تم اختطافهما ثم تغيير مسارهما، حتى الاصطدام الكامل بالبرجين. فيما بعد هذه الحادثة، المعروفة للجميع بطبيعة الحال، حدثت ثورة شاملة في قطاع أمن الطيران والمطارات العالمي، وتم تغيير النظام الأمني بالكامل، واستبداله، بما يفترض أنه أحد أكثر الأنظمة الأمنية نجاعة وتعقيدًا. نظام من خطوات عديدة يتم تطويره كل عام، لتفادي مواطن الخلل ونقاط الضعف التي يمكن للمسلحين، أو أيًا من كان يُشكّل تهديدًا، أن يستغلها. تبدو الأمور مستقرة جدًا، ووردية بما يكفي للاطمئنان، لكننا سنعرف بعد قليل أن الصورة قاتمة أكثر مما ينبغي.

أما النقطة الثانية فهي: هل تعرفون جيفري جولدبرج؟

جيفري جولدبرج، هو أحد أيقونات الصحافة الأمريكية منذ أكثر من 10 سنوات، ويعرف في الأوساط السياسية الأمريكية بالصحافي «الأكثر تأثيرًا فما يخص الشؤون الأمريكية الإسرائيلية»، وأحد أكثرهم تأثيرًا في السياسات الأمريكية الخارجية عمومًا.

يحظى جولدبرج بثقل بالغ في الأوساط الصحافية العالمية، وهو محرر النيويوركر السابق، وأحد الأعضاء الرئيسيين لهيئة تحرير مجلة «ذي أتلانتيك» السياسية ذائعة الصيت، والرجل الذي أجرى المقابلات الصحافية الأهم في الأعوام الثلاثة الأخيرة على الأقل، والتي تم نشرها منذ شهر واحد، مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

في عام 2008، قرر جولدبرج أن يجري تحقيقًا موسعًا حول نظم الأمن في المطارات الأمريكية، وأن يختبرها بنفسه، مسافرًا في عدد من الرحلات، مرورًا بأكثر من 10 مطارات وطنية عبر ولايات عديدة. في هذه الرحلة الطويلة، فعل جيفري كل ما يمكن لصحافي تحقيقات مخضرم أن يفعله، واختبر كل شيء تقريبًا، بدءًا من تعامل المسافرين مع بعضهم البعض، مرورًا بدقة أجهزة الفحص ونظم المراقبة، وصولًا إلى تقييم أداء أطقم ضباط أمن المطارات والعاملين في منظومة تديرها الإدارة العامة لسلامة النقل (TSA)، إحدى أهم الإدارات الحكومية الأمريكية، ثم نشرت أتلانتيك بعد ذلك تحقيقه الشهير في نوفمبر (تشرين الثاني)، والذي بدأه بجملة شديدة الوضوح لخصت كل شيء: «أمن المطارات في الولايات المتحدة هو زيف ودجل».

تمتلك الولايات المتحدة داخل مطاراتها، ما يصنف على أنه النظام الأمني الأفضل عالميًا، تبعًا لحجم التهديدات التي تتعرض لها، سواء كانت تهديدات واقعية، أو من خلال حالة الخطر التي تُسوِّقها واشنطن عمومًا على مر إداراتها الحاكمة. ولأنها تمتلك نظامًا كهذا فإن جولدبرج توقع أداءً أمنيًّا شديد الاحترافية، بخاصة بعد مرور سبع سنوات على أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، لكن ما حدث هو العكس. وتكفينا الإشارة المختصرة إلى ما حدث معه في مطار أوهير الدولي بشيكاغو، بولاية إلينوي، أحد أكبر مطارات الولايات المتحدة، والأول عالميًا من حيث حركة النقل الجوي، والرابع عالميًا من حيث تعداد المسافرين، وأحد أعضاء مجموعة الكبار، وهي المطارات التي تخدم أكثر من 200 وجهة عالمية. كان جولدبرج دقيقًا عندما اختار أن يجري جزءًا من تحقيقه فيه، لكن النتائج كانت صادمة.

«أغبياء» أمن المطارات بالولايات المتحدة

قبل سرد ما حدث مع جولدبرج، سنقفز زمنيًّا عامًا واحدًا، إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، حين تبع جوي شاركي، كاتب النيويورك تايمز الشهير، والمتخصص في شؤون التنقل الجوي، خطى جولدبرج، وكتب تقريرًا طويلًا تحت عنوان «قصص رعب هيئة سلامة النقل». في هذا التقرير، وقبلها في عموده الخاص في النيويورك تايمز أيضًا، حكى جوي عن ضعف الأداء الأمني في المطارات الأمريكية، حيث يصادر ضباط هيئة سلامة النقل، أشياءَ لا تمثل خطرًا، لدواعي الأمن و«مكافحة الإرهاب»، بينما يتغاضون عن الأشياء التي قد تشكل خطرًا فعليًّا، أو بالأحرى لا يرونها من الأساس.

 

تمتلئ حكايا المسافرين الأمريكيين بالكثير من الأمور المضحكة و«السخيفة»، على حد تعبير بعضهم، فمثلًا يتم مصادرة أشياء بالغة الاعتيادية بحجة وأد أي «خطر إرهابي محتمل»، فنسمع عن التحفظ على كرات أشجار عيد الميلاد، أو سحب أنابيب معجون الأسنان، وأحيانًا أكياس مليئة بصلصة الطماطم! امرأة عجوز، تحكي أن أمن المطار تحفظ على فطيرة يقطين كانت بحوزتها، بدعوى احتوائها موادَّ هلامية. يرى أمنُ المطارات الأمريكية، الموادَّ الهلامية على فطيرة اليقطين خطرًا مُحتملًا، لأنّهم يذهبون بالحرص لأبعد درجة، وهو ما يُمكننا الاتفاق معه إن كانوا يطبقون القواعد بنفس الصرامة على الجميع، لكن هذا لا يحدث.

نسف جولدبرج هذا الاعتقاد تمامًا بتحقيقه الشهير، ففي عام 2008 وأثناء تنقله من خلال العديد من المطارات، قام صحافي الأتلانتيك بتهريب عدد لا بأس به من المواد التي يمكن أن تشكل خطرًا حقيقيًّا على أي رحلة جوية. كان ما حدث مدهشًا، لدرجة وصفه للأنظمة الأمنية الأمريكية بأنها «مصممة لتعطي المسافرين إحساسًا بالأمان وللقبض على الإرهابيين الأغبياء فقط».

في مطار أوهير الدولي وقف جولدبرج مستسلمًا للتفتيش الثانوي المعتاد قبل الصعود إلى رحلته. في هذا التفتيش ولأن الأمن دقيق بما يكفي، فقد تحفظوا على زجاجة مياه معدنية نصف لتر كانت معه وصادروها منه، لأن معايير أمان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الطائرات، لا تسمح للراكب باصطحاب أكثر من 100 ميلليمتر من أي سائل، اعتمادًا على علم الكيمياء، ولأنه من المستحيل على أي شخص أن يقوم بتركيب قنبلة بكمية كهذه أو أقل، لكن جولدبرج استطاع أن يعبر هذا التفتيش بما يدعى «بيربيلي» وهو ابتكار أمريكي أصيل.

أمن المطارات

البيربيلي (مصدر الصورة: Beerbelly.com)

 

هذا الابتكار عبارة عن وسادة مطاطية قابلة للنفخ، يرتديها الأمريكيون تحت الملابس العادية دون أن تظهر، ويمكن أن تُملأ بأي سائل كان، وبها أنبوب بلاستيكي يصل إلى فم مرتديها. وفي المعتاد فإن هذه الوسادة تملأ بالكحوليات، ويستخدمها مدمنو كرة القدم في تهريب الكحول إلى المباريات هناك.

ارتدى جولدبرج الوسادة المطاطية، وعبر بها دون أدنى حرج، ورغم أن أمن المطار قرر أن زجاجة مياه بلاستيكية تُشكل خطرًا مُحتملًا، إلا أنّه لم ينتبه إلى ما قد تُشكله الوسادة من خطر حقيقي، إذ بالإمكان ملؤها بأي عنصر مُتفجّر!

لم يتوقف جولدبرج عند هذا الحد، ليقوم بعدها في مطار آخر بتجربة أكثر إثارة للدهشة. ففي لاغوارديا بنيويورك، أحد أهم المطارات الأمريكية أيضًا، والأول في حركة المسافرين عالميًا، وأثناء تعرضه للتفتيش الثاني، وبعد إفراغ حقيبته الشخصية، أخرجت منها ضابطة الأمن علمًا أصفر اللون بطول أربعة أقدام، لم يكن علمًا عاديًّا وإنما علم حزب الله اللبناني، وهي المنظمة المصنفة أمريكيًّا على رأس قوائم المنظمات «الإرهابية» بشكل رسمي.

كان علمًا شديد الوضوح، مرسومًا عليه قبضة يد حزب الله، متقاطعة مع بندقية آلية من نوع AK-47 الشهيرة، ومكتوبًا فوقها بالعربية «فإن حزب الله هم الغالبون»، أحد أشهر شعارات الحزب، المقتبسة من آية قرآنية. البديهي هنا أن يلفت شكل السلاح، أو اللغة غير الإنجليزية انتباه الضابطة، لكنها نظرت إلى العلم باعتيادية شديدة وبخمول، ثم أعطته مرة أخرى إلى جولدبرج قائلة له «يمكنك العبور». وعندما وقف جولدبرج مشدوهًا، صائحًا في وجهها: «هذا علم حزب الله»، ردت عليه بهمهمة تأييد روتينية، ناظرة إلى المسافر الذي يليه في الفحص.

ما بعد برجي التجارة العالميين

فيما قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ومنذ 15 عامًا، كانت إجراءات السلامة والأمان في المطارات بسيطة جدًا، ولا تواكب تطور التسليح العالمي، حيث كان الإجراء الأساسي، وربما الوحيد في بعض المطارات، هو المرور على بوابة كشف المعادن للكشف عن المسلحين لا أكثر، مع فحوصات غير دقيقة لخلفيات المسافرين الرسمية.

فيما بعد عملية برجي التجارة العالميين، تغير كل ذلك، وأصبحت الفحوصات أكثر دقة، ولم يعد يسمح بمرور السوائل فوق حجم معين كما ذكرنا أعلاه، وتُفحص الأجهزة الإلكترونية والحواسيب الشخصية منفصلة، كما يُجرى فحص جسدي شامل للكشف عن أي أجسام مزروعة، وتخلع الأحذية في بعض المطارات للتحقق منها، ويتم مطابقة الهويات مع حجوزات الطيران، وهو ما لم يكن معمولًا به قبلًا. تبدو كل الأمور محكمة أمنيًّا إذًا، فأين المشكلة؟

 

بعد ما حدث بثلاثة أعوام فقط، في عام 2004، وفي خضم تركيز العالم بإيعاز أمريكي على «مكافحة الإرهاب»، وصناعة طوق أمني مشدود لا يمكن اختراقه بسهولة، حلقت طائرتان روسيتان من مطار دوموديدوفو، أكبر مطارات روسيا الاتحادية، وعلى متنهما تسعون شخصًا يتضمنون طاقميهما. بعد فترة من الإقلاع، ستبث الطائرة التابعة لخطوط سيبيريا الجوية، إشارة تعرضها للاختطاف، ثم ستختفي من على شاشات الرادار، قبل أن يُعثر على حطامها، بينما سنرى انفجارًا في الطائرة الأخرى التابعة لشركة فولجا، بحسب ما روى شهود العيان، قبل أن تتحطم أيضًا، وفي الحالتين لم ينج أحد على الإطلاق.

تكمن أهمية الحادثتين في عثور السلطات الروسية بعدها على آثار متفجرات ومواد كيميائية، ثم إعلان كتائب الإسلامبولي مسؤوليتها عن اختطاف الطائرتين والتفجيرين، وهو الأمر الذي ذكره فيما بعد مسؤولو المخابرات الروسية، التي تولت التحقيق في الأمر بأمر رئاسي من فلاديمير بوتين. حينها بدا وكأن المنظومة العالمية لأمن المطارات ما زالت تعاني بلا تغيير، وأن هناك شيئًا ما مفقودًا أثناء محاولات رتق الثقوب الأمنية العديدة فيها.

يمكن فهم الأمر بوضوح أكثر من خلال تقرير مجموعة ثاليس، عملاق أنظمة الأمن الإلكترونية، وأحد رواد قطاع أعمال تأمين المطارات. يضع التقرير العامل البشري في المرتبة الأولى لقائمة العوامل التي تساعد، أو يستهدفها المسلحون، عند قيامهم بالتخطيط لعملية ما، مثل موظفي المطارات وضباط الأمن والمتعاقدين التجاريين وأطقم الطيران، وغيرهم ممن لهم احتكاك دائم ببيئة العمل في أي مطار.

لا يوجد مثال أوضح مما حدث في عام 2014 في قلب مطار فرانكفورت الألماني، أحد أكبر المطارات الأوروبية والعالمية، عندما أرسلت المفوضية الأوروبية محققين متخفين إلى المطار، ليقوموا باختبار وسائل الفحص ومنظومة الأمن هناك بشكل عملي. بعد ذلك أصدرت المفوضية تقريرها والذي كان بمثابة فضيحة، عندما عرف العالم أن هؤلاء المحققين نجحوا في المرور من أجهزة المراقبة بمواد ممنوعة، مع إمكانية تهريب أسلحة في المرة الثانية لكل فحص، بحسب تقرير لدويتشه فيله، حينها خرج كريستوفر هوليشاير، المتحدث باسم شركة فرابورت المسؤولة عن إدارة المطار بالكامل، ليحاول تدارك الأمر، قائلًا إنهم سيعيدون تدريب 2500 عامل، ليكونوا أكثر دقة في اكتشاف الأجسام المشبوهة، أثناء ظهورها على أجهزة المسح الإلكتروني، في نفس الوقت الذي قالت فيه المفوضية إنها «غير مقتنعة بأن المطار اتخذ الإجراءات الكافية لتأمين المسافرين»، ما يعنيه هذا، هو إمكانية إخراج المطار، في أي وقت، من دائرة الحدود المفتوحة الأوروبية، ليكون على المسافرين منه المرور بفحوصات إضافية أخرى.

أمن المطارات ما بين شرم الشيخ وبروكسل

قبل الوصول إلى مصر، ودورها في تنشيط أزمة ضعف منظومة الأمن الجوية، وإثارة الجدل مرة أخرى، ربما ينبغي لنا الاستماع أولًا إلى بيلي ريوس، أحد أفضل خبراء الأمن السيبراني في الولايات المتحدة، والذي يمكن تلخيص وصفه الوظيفي في قدرته الكبيرة على اكتشاف نقاط الضعف في الأنظمة الإلكترونية، والثغرات التي يمكن استغلالها لاختراق هذه الأنظمة، ومن ثم إبلاغ الجهات المسؤولة لسد هذه الثغرات، وهو من «المخترقين الأخلاقيين ذوي القبعات البيضاء».

أمن المطارات

بيلي ريوس (مصدر الصورة: kqed.org)

في عام 2013، قام بيلي بجولة في بضعة مطارات وطنية في الولايات المتحدة وأخرى عالمية، ثم كتب تقريرًا ورفعه إلى وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، المعروفة اختصارًا بـ«DHS»، ولخصته شبكة NBC. يخبر بيلي مسؤولي الوزارة في التقرير بأنه، ومن خلال جولته في المطارات، اكتشف ثغرات يمكن أن تستغلها أي مجموعة مسلحة، وأنه يمكن اختراق أجهزة كشف المعادن والسيطرة عليها، وأجهزة المسح الإلكتروني، وبضعة أجهزة أخرى، من خلال حاسوب محمول واحد لا أكثر، وأن نقطة الضعف الكبرى هي كلمات السر التي يمكن معرفتها بسهولة، وهو ما شكل بالنسبة له صدمة كبيرة، لأن هذا يتيح السيطرة على النظام الأمني الإلكتروني لأي مطار بالكامل.

لن نذهب بعيدًا، إذ لم تفقد حادثة الطائرة الروسية زخمها بعد، عندما سقطت نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد إقلاعها من مدينة شرم الشيخ المصرية، متجهة إلى سان بطرسبورغ الروسية، ليلقى كل من على متنها حتفهم، وعددهم 224 شخصًا. حينها أكدت المخابرات البريطانية (MI6)، أنه تم تسريب شحنة متفجرة إلى الطائرة، عن طريق شخص ما يعمل في المطار، دون أن تحدد إن كان عاملًا ضمن الفريق الأمني للمطار أم غير ذلك. في نفس الوقت كانت السلطات المصرية والروسية متخبطة في سبيل معرفة ما حدث. أتت 2016، لتقر روسيا أخيرًا، بصحة ما قالته «MI6»، في تحقيق قالت إنه كان بالتعاون مع الجانب المصري، توصّل إلى أن الضالع في التفجير عامل أمتعة استقال مُباشرةً بعد أداء المهمة، ثم فرَّ هاربًا.

ورغم استهانة السلطات المصرية بما حدث، ومحاولة التقليل منه حتى النهاية، لأسباب سياسية واقتصادية، فإن الحادث استقطب اهتمام العالم بالكامل، وتبارى الجميع، من الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وصولًا إلى مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية بنفسه، وغيرهم، في التنبيه على خطورة ما حدث، ومطالبة السلطات المصرية والروسية بجدية التحرك.

استمرت الأمور في تطور مستمر خلال الشهور الخمسة الماضية، إلى أن قررت السلطات الروسية، نهاية مارس (آذار) الماضي، إرسال فريق من خبرائها لفحص المنظومة الأمنية في ثلاثة مطارات مصرية، وهي القاهرة والغردقة وشرم الشيخ. وربما لفتت شرم الشيخ أنظار العالم إلى منظومة أمن المطارات مؤخرًا، لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، وكان لأوروبا نصيب أيضًا.

الحرب

نحن نتجاهلها تمامًا ولا نبالي بها. – إسحاق يفيت، رئيس القسم الأمني بشركة طيران العال سابقًا، ومدير شركة يفيت للاستشارات الأمنية، متحدثًا عن ثغرات منظومة أمن المطارات العالمية.

في 22 مارس (آذار) الماضي، وعندما انتفض العالم على أثر الدماء التي سالت في بروكسل، جراء هجوم متزامن على مناطق من العاصمة البلجيكية، بينها انفجاران في قلب مطار «زافينتم» الدولي، أوقعا 14 قتيلًا، كانت الأسهم مصوبة مرة أخرى إلى ثغرات المنظومة الأمنية الدولية، وبدا وكأن حرب من يوصفون بـ«الإرهابيين» ضد مسؤولي الأمن في جميع أنحاء العالم لم تُحسم بعد.

في القرن الماضي، كان اختطاف الطائرات هواية محببة لدى كثير من التابعين لتنظيمات ثورية، أو منظمات إجرامية. كان الأمر سهلًا حتى بدايات السبعينيات، بسبب الضعف الشديد في منظومة أمن المطارات العالمية. ويمكننا أن ننطلق من هنا مؤرخين لبداية سباق السرعة بين الطرفين، من ناحية فإن الحكومات بدأت تصعب الأمور على المختطفين المحتملين، ليصبح اختطاف الطائرات عملًا شديد الصعوبة، وإن كان ما حدث في طائرة مصر للطيران، التي اختطفت إلى قبرص الأسبوع الماضي، يظل استثناءً.

بعدها اتجه المسلحون إلى تفجير الطائرات، بدلًا عن اختطافها، ليقر مسئولو الأمن إجراءً قياسيًا بمسح الحقائب بلا استثناءات وبأعلى دقة ممكنة. ثم لجأ تنظيم القاعدة في أحداث سبتمبر (أيلول)، إلى تحويل سكاكين الطائرات لسلاح صالح للسيطرة عليها، فردت الولايات المتحدة ومن ورائها العالم، بتغيير المنظومة بالكامل، ووضعت تغييرًا جذريًا في منظومتها الجوية الوطنية، بتعيين مارشال فيدرالي متخفٍّ أو اثنين على متن كل رحلة طيران، ليمنع اختطافها أو السيطرة عليها قدر المستطاع.

 

كان لابد للحرب أن تتخذ منحى جديدًا، فكان الاتجاه إلى نقطتي الضعف الرئيسيتين، أولاهما العامل البشري، الذي سمح بتفجير طائرة روسيا فوق سماء سيناء، وثانيهما هو إجابة السؤال البديهي والبسيط: «لماذا نرهق أنفسنا مع الطائرات، طالما بإمكاننا ضرب المطارات مباشرة؟»، ونتيجة بروكسل ماثلة أمام العيان بالطبع.

يجمع خبراء الأمن العالميون على أن هذه الحرب انتهت، بالأحرى، وكما قال دوغلاس ليرد، الخبير الأمني، فإنه عند وصول المهاجمين، أيًا كانت صفتهم، إلى المطار فإن اللعبة انتهت، فلا يمكننا أن نتوقع تواجد الشرطة أو قوات أمن في كل مكان، وأن المطارات تحديدًا بها أماكن لا يمكن حمايتها بالمرة، وهو، مرة أخرى، ما أثبتته أحداث بروكسل بدقة بالغة.

يركز هؤلاء الخبراء على الحل، الذي لا يبدو حلًّا نهائيًّا بالطبع، وهو استباق الهجمات والقبض على فاعليها قبل وقوعها، وأثناء مرحلة التخطيط لها، من خلال تعزيز شبكة الاستخبارات الأمنية والاستثمار فيها، فعشرات المليارات التي أُنفقت وتنفق على أمن المطارات العالمي، لا يمكنها أن تمنع أو تسد كل الثغرات، وبأي حال من الأحوال، ومهما بلغ تعقيد وكفاءة الأنظمة الأمنية الإلكترونية، فإنه لا يمكن مراقبة مئات ملايين المسافرين كل عام بين جميع دول العالم. تبدو عملية مستحيلة تمامًا؛ لذلك فالحل دائمًا سيكون لدى أجهزة الاستخبارات والأمن، خارج المنظومة. أما من داخلها، ومع سد ما يمكن من الثغرات المكتشفة باستمرار، فإنه وعندما يصل الأمر للمطارات نفسها من حيث إمكانية ضربها من عدمه، فإن الحرب تكون انتهت تمامًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد