مع مرور ذكرى انتفاضة الأقصى الفلسطينية الثانية، والتي تصادف السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر من كل عام، يبدأ الفلسطينيون بجمع أحداثهم واحدة تلو الأخرى، وسط ظروف سياسية واقتصادية صعبة للغاية، ومتفاقمة عامًا بعد عام، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

أربعة عشرة عامًا مضى على انتفاضة الأقصى ولا زال الاستيطان في القدس المحتلة والضفة الغربية يفت في عضد الفلسطينيين، ويبتلع مساحات شاسعة من أراضيهم الزراعية، فضلًا عن الطوق المحكم على مداخل المدن الفلسطينية كافة.

ذكر الانتفاضة لهذا العام يأتي في ظل جمود سياسي للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية والتي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب استمرار الانقسام الفلسطيني بين حركتي” فتح وحماس”، والحكومات المتعاقبة في الضفة وغزة، وبقاء ملف الأسرى يراوح مكانه.

دمار في حي الشجاعية بغزة خلال العدوان الأخير

وربما أكثر حدث يستوقف هذه الذكرى هو شن الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا بربريًا على قطاع غزة، في الثامن من تموز الماضي والذي استمر حتى السادس والعشرين من آب/أغسطس، حيث يعد العدوان الأكثر عنفًا ودمارًا وخرابًا مر على الفلسطينيين.

وكان رئيس حكومة الاحتلال الجزار “أريئيل شارون” وقوات كبيرة من جيش احتلال المسجد الأقصى المبارك، وما تبعها من هبّة وانتفاضة فلسطينية داخل الأقصى لمنعه من الوصول إلى المصلى المرواني، حيث شهدت ساحات المسجد مواجهات عنيفة أسفرت عن إصابة عدد من المصلين الفلسطينيين وعدد آخر من جنود الاحتلال، وأدى ذلك إلى امتداد الانتفاضة إلى ربوع فلسطين.

وتميزت هذه الانتفاضة مقارنة بسابقتها بكثرة المواجهات المسلحة وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال راح ضحيتها 4412 شهيدًا فلسطينيًا و48322 جريحًا، وأما خسائر جيش الاحتلال فبلغ تعدادها 334 قتيلاً، ومن المستوطنين 735 قتيلاً وليصبح مجموع القتلى والجرحى الصهاينة 1069 قتيل و4500 جريح وعطل 50 دبابة من نوع ميركافا وتدمير عدد من الجيبات العسكرية والمدرعات ومرت مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلالها بعدّة اجتياحات عسكرية.

ومن أبرز أحداث هذه الانتفاضة هو اغتيال وزير السياحة في حكومة الاحتلال الإسرائيلي (رحبعام زئيفي) على يد مقاومين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومقتل قائد وحدة المظليين في جيش الاحتلال (الكوماندوز) في معركة مخيم جنين، التي قتل فيها 58 جنديًا إسرائيليًا وجرح قرابة 140 آخرين.

في المقابل، اغتالت قوات الاحتلال معظم قيادات الصف الأول في الأحزاب الفلسطينية، على رأسهم الرئيس ياسر عرفات، ومؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، ونائبه عبد العزيز الرنتيسي، والأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى.

ويرى المراقبون والمحللون أن الانتفاضة الثانية تعد الأكثر دموية بالمقارنة بالانتفاضة الفلسطينية الأولى “انتفاضة الحجر” حيث تطورت أدوات المقاومة الفلسطينية بالمقارنة بالانتفاضة الفلسطينية الأولى، فمن استخدام للحجارة والزجاجات الحارقة “المالتوف” والسلاح الأبيض ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي، لاستخدام للسلاح الناري كالبنادق الرشاشة و القنابل اليدوية و العبوات الناسفة والألغام الأرضية.

وضمن إحصاءات هيئة شؤون الأسرى والمحررين فقد ذكرت “أن (85) ألف فلسطيني اعتقلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ تفجر شرارة هذه الانتفاضة، دون تمييز بين شاب وفتاة، أو رجل وامرأة، أو حتى مريض ومسن”، ناهيك عن الأطفال الذين بلغ عددهم ما يزيد على (10) آلاف معتقل، لا يزال منهم قرابة (250) طفلًا خلف قضبان الاحتلال.

ووفقًا للهيئة؛ فقد جرى أيضًا اعتقال نحو (10) آلاف امرأة بينهن (4) أمهات وضعن مواليدهن في الأسر، وهناك (19) أسيرة ما يزلن في سجون العدو، أقدمهن الأسيرة المجاهدة “لينا الجربوني” المعتقلة منذ العام 2002.

ولا يخفى على أحد أن الظروف المحيطة في المنطقة العربية والإقليمية قد أثرت تأثيرًا مباشرًا في التعاطي مع القضية الفلسطينية، فمعظم الدول العربية منشغلة بأحداثها السياسية المبعثرة، وظروفها الاقتصادية المتراكمة، وأوضاعها الاجتماعية المثقلة بالهموم.

وخلال فترة الانتفاضة عقدت عدة مؤتمرات عربية لتهدئة الأوضاع، كان أهمها مؤتمر شرم الشيخ الأول، في 16 أكتوبر عام 2000، حيث حضر المؤتمر رئيس الولايات المتحدة حينها بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، ورئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، وملك الأردن “عبد الله الثاني”، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وقتها كوفي عنان، بجانب خافيير سولانا، الممثل السياسي للاتحاد الأوروبي حينها.

وكما عُقدت مفاوضات طابا، والتي استمرت في مصر، ستة أيام، لوضع مخطط يهدف إلى تهدئة الانتفاضة، والاتفاق على أهم بنود عملية السلام، وانتهت المفاوضات مساء السبت 27 يناير 2001 بإعلان بيان مشترك، تضمن اتفاقًا إطاريًا لمتابعة المفاوضات بعد الانتخابات الإسرائيلية في 6 فبراير 2001، من دون التوصل إلى أي اتفاق حول المسائل الأساسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد