«سكنكم جميل، بارك الله لكم فيه»، هذه الجملة كثيرًا ما تسمعها هيا الفتياني (18 عامًا) حين يرى المصلون الذين قدموا للصلاة في المسجد الأقصى مدى قرب منزلها الواقع في باب المطهرة (السور الغربي) من الحرم القدسي الشريف في القدس المحتلة.

هذا القرب الذي جعل هيا تعشق التصوير، مكّنها في الشتاء الأخير من التقاط مقطعٍ مرئيٍّ لقبة الصخرة المضاءة بضوءٍ زادته ذهبتيها جمالًا والمطر الغزير ينهمر عن جانبي القبة حتى ظهر مشهد لاقى رواجًا كبيرًا بين روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الآن شأنها شأن كل سكان الحرم القدسي تحب أن تتناول طعام الإفطار مع شقيقها صادق وأبيها وأمها في مطبخ المنزل ذي النافذة الكبيرة المطلة على قبة الصخرة لترى العائلات المجتمعة تلتفُّ حول ساحة القبة لتناول الإفطار في شهر رمضان المبارك، إذ ترى هذا المشهد أجمل ما يمكن أن ينعم به البصر في القدس.

السكنى جانب المسجد الأقصى في بيتٍ عثمانيّ

بدأ «ساسة بوست» حديثه مع هيا عن لحظات الاستعداد لاستقبال شهر رمضان المبارك في الحرم القدسي، فتقول إنها تحرص دائمًا على مراقبة المتطوعين ورجال دائرة الأوقاف وهم يؤدُّون مهام عدة في الأيام الأولى لشهر رمضان. تراقب هيا بصمتٍ من شرفة منزلها قيام المتطوعين بأعمال التزيين والتنظيف وتفقُّد سماعات واضاءات المسجد: «أشعر حينها بأنِّي أملك كنزًا كبيرًا، من بيتي أتابع أنا وأمي كل ما يجري داخل المسجد الأقصى استعدادًا لرمضان».

منزل الفتياني

في هذه الأيام يبدأ صباح هيا بسماع أصوات المصلين الذي يتوافدون مع الفجر إلى الحرم القدسي، وحين تعود من الجامعة تكون وفود صلاة العصر حتى العشاء قد حلّت في المكان بأعدادٍ كبيرة ومن كل مكان، فإذا ما قصدها مصلٍ تائه أو غريب عن المنطقة بحاجة إلى طعام أو مساعدة، كتجديد الوضوء أو تقديم ملابس للصلاة أو إرشاد إلى طريق معين، تقدم له هذه المساعدة بكل رحابة.

اختارت هيا أن تدرس تخصُّص «تاريخ وآثار» في جامعة القدس، وذلك لأنها أحبّت أن تعرف أكثر عن تاريخ بيتها وعائلتها وتاريخ مدينة القدس، فهي تسكن مكان مدرسة عثمانية أوقفتها سيدة تركية عام 1436، وجعلتها وقفًا ذريًّا لعائلة الفتياني، بعد أن استُخدمت باعتبارها مدرسة حتى نهاية القرن الـ18 الميلادي، ثم تحولت إلى مسكن بعد سقوط الدولة العثمانية.

وبسبب الاحتلال الإسرائيلي فقط فللمكان متاعب، تقول هيا: «من أصعب الفترات التي تمر علينا عند اقتحام جنود الاحتلال للمسجد وإغلاق أبوابه أو حين نرى قطعان المستوطنين تمرُّ من أسفل بيتنا بشكلٍ يوميّ، وكذلك حين نعود إلى بيتنا ويكون باب المطهرة ـ وهو المدخل إلى بيتنا ـ قد أغلق، لقد أصبحوا يغلقون بابنا بالرغم من معرفتهم أننا نسكن في الداخل».

توضّح لنا هيا: «عنواننا يشكِّل لي ولأخي مشكلةً كبيرةً مع الاحتلال، لقد سُجل أبي وأمي في البطاقة الشخصية حين اضطروا لتجديدها أنهما يسكنان في جبل الهيكل بالعبرية (هار هبايت)، وكان ذاك الخيار الوحيد إذا ما أردوا الدخول لمنزلنا»، مضيفة «لم تنجح محاولتنا في تغيير عنوان أبي وأمي، بينما أنا وشقيقي وضع عنواننا باب القطانين وهو أحد أبواب المسجد الأقصى، لكنّ سكانه خارج المسجد، لذلك فحين يغلق الحرم القدسي يصر جنود الاحتلال منعنا من الدخول لمنزلنا».

«أسكن في قلب الأقصى»

«أشعر أن الأقصى لي» هكذا بدأت المقدسية أم محمد أبو نجمة حديثها لـ«ساسة بوست»، فبيتها الصغير يشترك مع السور الغربيَ للمسجد الأقصى بنافذة كبيرة، أنها تسكن في باب المطهرة، وهي تصف هذا السكن بجملة من الصفات، كالقول إنه جميل للغاية وخلاب، فهو يمكِّنها من رؤية باحات المسجد، منفذها الوحيد إلى الخارج وقبته الذهبية.

أم محمد أبو نجمة، المصدر الجزيرة نت

قبل نحو 35 عامًا تملك والد زوجها «حماها» هذا المنزل، حين استأجره من دائرة الأوقاف الإسلامية لكونه حارسًا في المسجد الأقصى، وقد ورثه زوجها من أبيه، وأنجبت هي فيه خمسة أبناء، تقول لنا: «أسكن في قلب الأقصى منذ 35 عامًا، ورغم أن البيت صغير وضيق إلا أنه يطل على قبة الصخرة، أراه أحلى من كل البيوت».

في رمضان تتغير الأجواء تمامًا من حول أم مُحمَّد، الناس يعجون من حول منزلها في النهار، وفي الليل يصلُّون ويعتكفون، وتفرض صلاة التراويح أجواءً جميلة للغاية، تقول أم محمد: «حين ينظر المصلّون لبيتي يتفاجأون كثيرًا، وأنا أشعر بامتنانٍ كبير لله لأنه أكرمني ببيتٍ جوار المسجد الأقصى».

تعاني أم محمد كثيرًا من مضايقات الاحتلال؛ فهي حين تحتاج أن تمرّ لمنزلها من بوابات المسجد، يمنعها الجنود الجدد الذين لا يعرفون أنها تسكن داخل الحرم، فيما لو احتاجت إدخال قطعة أثاث أو جهاز كهربائي فهي بحاجة لإجراءات تنسيق لدخول تلك الأداة، كما أنه في حال كان باب الطوارئ مغلقًا فإن عائلتها تتقيد بمواعيد فتح أبواب المسجد وإغلاقها من صلاة الفجر حتى العشاء، فتضطر للعودة قبل إغلاق الأبواب، تقول أم محمد: «بالطبع تحاصرنا كاميرات المراقبة، وحين يغلق الحرم القدسي يمنعني جنود الاحتلال من الوصول إلى منزلي، كما لا يتوانون بين الفنية والأخرى عن اقتحام المنزل الذي عطّل الاحتلال ترميمه؛ إذ يمنع دخول مواد البناء إليه إلا بإذن من الشرطة».

«ساسة بوست» في القدس.. رحلة رمضانية بين الجمال والاحتلال

«حين أسمع الأذان أراه قصرًا كبيرًا»

تجلس الحاجة السبعينية فاطمة أبو سنينة بين بابي الغوانمة والناظر شرق الرواق الغربي في المسجد الأقصى، أي تجلس على باب منزلها الواقع داخل أسوار البلدة القديمة في القدس، وحين يقعدها المرض عن الذهاب إلى داخل المسجد الأقصى ومصلياته فهي تصلى على عتبة المنزل أيضًا.

تعلم الحاجة فاطمة أن الصلاة هنا هي بأجر الصلاة في المسجد الأقصى لكون منزلها كله يقع داخل الحرم القدسي ويشترك معه في سوره الشمالي والغربي، فإغلاق أبواب المسجد الأقصى يعني إغلاق منافذ الدخول لبيتها، لذا فحين تغلق أبواب المسجد بالكامل بعد صلاة العشاء حتى الفجر تلجأ الحاجة فاطمة وجميع السكان مثلها إلى أبواب خارجية تقودهم إلى البلدة القديمة التي تصل  ببيوتهم من خارج الأقصى.

تروى الحاجة فاطمة حكاية تملك هذا المنزل من قبل زوجها حسن، فتقول إن زوجها استأجره، ثم تمكن من تملكه قبل نحو 60 عامًا، وفيه أنجبت غالبية أبنائها السبعة،  فهو على صغر مساحته «حين تسمع أذان المسجد الأقصى داخله تراه قصرًا كبيرًا».

ولهذا المعيشة واجبات على الحاجة فاطمة وعائلتها، ولها في خدمة المسجد الكثير من المواقف، ومن هذه المواقف الخالدة في ذاكرتها قيام زوجها إثر إغلاق المسجد بعد احتلاله لمدة ستة أيام بالدخول للحرم من بيته ورفع الأذان فيه طيلة أيام إغلاقه، أما الآن فهي تفتح هذا المنزل لبعض النسوة اللواتي يقدمن للصلاة والاعتكاف في المسجد بسبب ازدحام مرافق المسجد في شهر رمضان المبارك.

تستذكر فاطمة الأحداث التي شهدها المسجد خلال نكسة عام 1967، وتقول : «رأيت العصابات الصهيونية تحتل المسجد الأقصى وتدخله من باب الأسباط، كما أتذكر جيدًا الحفرة الكبيرة بجانب بيتها قبالة باب الغوانمة والتي خلّفتها قنبلة ألقيت داخل المسجد حين احتلاله»، وتضيف لـ«جزيرة نت»: «كانت العصابات تسرق بيوت العرب في القدس، لكني خبأت ذهبي في ملابسي بعد اقتحام بيتي وتفتيشه».

لماذا تسعى تركيا إلى تحسين العلاقات مع العراق؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد